عندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل اتفاقيات اوسلو للسلام, بدأ التنفيذ بشكل تدريجي وبطيء ولكنه مقبول, في ظل حكم اسحاق رابين. وبعد اغتياله, تباطأ التنفيذ نسبيا غير انه لم يتوقف , وتم تسليم عدة مدن من الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية. وحينما وصل حزب الليكود بزعامة نتانياهو الى سدة الحكم, بدأت اسرائيل تطالب بإعادة النظر في اتفاقيات اوسلو وتعديلها والتفاوض عليها من جديد. ونتيجة لذلك انبثقت اتفاقية الخليل التي تتضمن بنودا تتعارض مع ما تم الاتفاق عليه سابقا. ومع ذلك, فان حكومة نتانياهو لم تطبقها بصورة دقيقة وكاملة. وهذا التصرف من جانب اسرائيل مخالف للقانون الدولي, لان الاتفاقيات تعقد عادة بين الدول, وتظل قائمة وشرعية حتى لو تبدلت انظمة الحكم. واحد الادلة على ذلك, ان اتفاقيات كامب ديفيد ظلت سارية المفعول بعد اغتيال انور السادات وتسلُّم حسني مبارك زمام السلطة. ولعلنا نذكر ان العالم كله قد انحى باللائمة على نتانياهو وعزا عدم التزامه باتفاقيات اوسلو الى تصلبه ورعونته. وعندما امتطى باراك صهوة الحكم, تنفس العرب ومحبو السلام الصعداء وانفرجت الاسارير وهدأت الخواطر وظن الجميع ان عهد احترام القانون الدولي قد لاح في الافق, وان اسرائيل ستقوم ليس بتنفيذ اتفاق واي ريفر فحسب, وانما بتطبيق كافة بنود اتفاقات اوسلو التي تنص على انسحابات اوسع بكثير من تلك التي تقضي بها اتفاقية واي ريفر. ولكن لم يطل الوقت بباراك حتى خلع ثوب الورع السلمي وطفق يتحدث عن تعديل اتفاقية واي وتأخير تنفيذها. لقد بذلت في اخراج هذه الاتفاقية الى النور جهود هائلة... وحتى الرئيس كلينتون, سهر الليالي الطوال حتى امكن الوصول اليها. ومع ذلك, وبكل بساطة, اخذت حكومة اسرائيل الجديدة التي يعتقد انها معتدلة, تضع العصي امام عجلات الاتفاقية. وهذا الوضع يفرض علينا ان نتساءل عن فائدة الجهود التفاوضية الضخمة التي تبذل في ابرام الاتفاقيات, وعما تحمله من دلالات قانونية, اذا كان أي طرف يستطيع بلمح البصر ان يلغي الاتفاق ويبطل التنفيذ؟ ان ما فعلته اسرائيل يعد سابقة دولية غاية في الخطورة, وهي لا تخص العرب وحدهم, وانما العالم اجمع.. فالمسألة ذات خلفية مبدئية وقانونية... وعندما يوقع طرفان كالفلسطينيين والاسرائيليين, بحضور طرف ثالث بصفة مشرف وشاهد كالامريكيين والروس, اتفاقا ما, فإن هذا يعني ان للاتفاق قيمة قانونية وأخلاقية ودولية. والا, فان الامر سيتحول الى مهزلة. ولنتساءل عن موقف اسرائيل فيما لو عمدت الحكومة المصرية الى طلب اعادة النظر في معاهدة كامب ديفيد, بعد ذهاب انور السادات ومجيء حسني مبارك, او فيما لو طلب الملك عبدالله بعد رحيل والده الملك حسين, تعديل اتفاقية السلام بين اسرائيل والاردن؟ لو ان هذا حدث بالفعل لثارت ثائرة اسرائيل ولغلت مراجل غضبها, ولأطلقت سهام الاتهامات ضد العرب ولاستنكرت عدم احترامهم القانون الدولي. اجل, لو حصل هذا, لأقامت اسرائيل الدنيا ولأقعدتها, ولاتهمتنا بالتخلف وعدم الالتزام بالشرعية. ان الدولة العبرية تحاول دائما ان تظهر امام العالم بمظهر الدولة الحضارية المتطورة وبأنها بقعة الضوء الوحيدة وسط ظلام الشرق الاوسط الدامس. ولكن عدم اكتراثها باحكام الاتفاقيات السلمية يعد اكبر دليل على زيف ادعاءاتها. لقد وقع حزب العمال الاسرائيلي مع الفلسطينيين اتفاقيات اوسلو, وعندما جاء نتانياهو وطلب تعديلها, سخر منه حزب العمال برئاسة باراك وطلب إسقاط حكومة الليكود لهذا السبب. ولكن ما ان تسلم باراك السلطة حتى اخذ يطالب بتعديل اتفاقية واي. افليس هذا امرا مضحكا؟ واين الحضارة والتقدم والقانونية في مثل هذه المواقف الاسرائيلية؟ وحتى لو افترضنا ان اسرائيل قد بدأت بالفعل في تنفيذ اتفاق واي, فان الفضل في ذلك سيكون للضغوط التي ستمارس عليها, اما نواياها السيئة فتبقى قائمة. وفي ضوء هذا, فان من المؤسف ان الاعلام العربي لم يستغل تقاعس اسرائيل وتلكؤها في تنفيذ اتفاق واي, استغلالا كافيا. فهذه ثغرة كبيرة جدا في الجدار الاسرائيلي القانوني, وعلينا ان نركز عليها الانظار, ونلفت انتباه العالم الى ان اسرائيل تعمل وفقا لمصالحها, لا حسب مقتضيات القانون الدولي. ان الاعلام الاسرائيلي يعمل دائما على تسقط اخطائنا وتصيد نقاط ضعفنا, سواء في السياسات العربية العامة, او في شخصية الانسان العربي, او في اختلافنا وتناحرنا وتخلفنا, حتى ينقل صورة قاتمة عنّا الى العالم, سواء عبر الصحافة او الاذاعة او التلفاز. وهو لا يترك فرصة للنيل من سمعتنا, الا ويتشبث بأذيالها. اما نحن, فنلجأ الى التباكي وطلب النجدة من امريكا, واتهام اسرائيل بالميل الى العدوان والتوسع! انهم يكشفون اخطاءنا بطريقة علمية مدروسة, وباسلوب عقلاني مخطط, بينما لا نواجه ذلك الا باطلاق سهام الصراخ العاطفي والشتم الانفعالي. وعلينا الان ان نتخلى عن هذا النهج, ونركن الى طرق منهجية وهادئة ومدعمة بالادلة والبراهين لتعرية اسرائيل واماطة اللثام عن مواطن ضعفها. ولا ريب ان تباطؤها في تنفيذ اتفاق واي ريفر, هو فرصة سانحة لنا كي نكشف النقاب عن استهانتها بالاحكام القانونية الدولية وضربها عرض الحائط بكل ما لا يلائم مصالحها واهواءها. ولعل من اكبر المفارقات, ان باراك كان يتهكم على نتانياهو ويسخر منه, بسبب مماطلته في تنفيذ اتفاق واي, مع ان هذا الاخير قد قام بالفعل بتنفيذ المرحلة الاولى من الانسحاب الذي تنص عليه الاتفاقية. وعندما ظهر باراك, اخذ يماطل بالطريقة نفسها!. واذا كان الرجل قد وعد بالبدء بتسليم اراض للفلسطينيين, وفقا لاتفاق واي, سواء في سبتمبر او اكتوبر, فان هذا لا ينفي عنه التهمة, وانما يدل على ان هناك ضغوطا هائلة قد مورست عليه حتى يطبق الاتفاق. كاتب سوري