في الاسابيع الماضية تبين أن هناك محاولات اكثر جدية لتحريك المسار السوري واللبناني الاسرائيلي, وتبدو هذه المحاولات التي بدأت بحملة تصريحات ايجابية بين الرئيس الاسد ورئيس الوزراء الاسرائيلي في طريقها الى مزيد من التأثير في المرحلة المقبلة. ففي اسرائيل وعد رئيس الوزراء باراك بتحقيق انسحاب من لبنان خلال عام, كما ان تصريحاته اوضحت امكانية تحقيق سلام على جبهة الجولان ولكن ما هي امكانات ذلك على ارض الواقع وهل من الممكن ان تقوم اسرائيل بانسحاب على اكثر من جهة بالوقت نفسه: سوريا ولبنان والضفة الغربية؟ اولا علينا ان ننطلق بان الاساس في تفكير باراك, هو التفكير العسكري الذي حكم حياته ومهنته وتفكيره وبطبيعة الحال فهو ينطلق من كيفية تحقيق الامن لاسرائيل في ظل اقل خسائر ممكنة. وهذا التفكير يفرض عليه ان يناور بين الدول والاطراف العربية قدر المستطاع وذلك لينجح في تحقيق مكاسب تؤدي الى تحسين حالة الامن في اسرائيل اضافة الى تأجيل المعارك الداخلية الاسرائيلية والتي تتفجر باستمرار عند تقديم التنازلات في الامور التي تخص السلام مع العرب. وفي هذا يسعى باراك لتفادي مصير سلفه رابين. لهذا فان امكانية تحقيق انسحاب على عدة جبهات بالوقت نفسه صعب بالنسبة للجانب الاسرائيلي وذلك لدواعي سياسية داخلية وامنية. ولكن من جهة اخرى ان الانسحاب من الجولان ومن جنوب لبنان اسهل نسبيا من الانسحاب من بقية اجزاء الضفة الغربية وهو اسهل من التوصل الى اتفاق نهائي مع الفلسطينيين بمعنى اخر ان تحقيق اتفاق مع سوريا حول الجولان اسهل من تحقيق اتفاق مع الفلسطينيين حول اللاجئين والمستوطنات والقدس. لهذا سيكون اتجاه السياسة الاسرائيلية في المرحلة المقبلة تحقيق الاجزاء الرئيسية من اتفاق الواي مع الفلسطينيين والذي لم يطبقه نتانياهو ثم العمل قدر المستطاع على تأجيل أي اتفاقات جديدة. لهذا من الطبيعي ان نعتبر ان المرحلة المقبلة هي مرحلة سلام مع كل من سوريا ولبنان. وهناك اكثر من عنصر يساعد على تحقيق السلام. فمن جهة ان هذه الصفقة قد تخفف الضغط الامريكي والدولي مرحليا لتحقيق تقدم اضافي على جبهة السلام الفلسطيني الاسرائيلي, كما انها ستخرج اسرائيل من الطريق المسدود في جنوب لبنان حيث الخسائر التي تقع في صفوف الجيش الاسرائيلي مستمرة ولكن العامل الاهم هو ان الاتفاق مع سوريا ولبنان سوف يفتح الباب امام التطبيع الاسرائيلي الاوسع مع العالم العربي, بل ان دولا عربية عدة ربطت امكانيات السلام مع اسرائيل بسلام سوري اسرائيلي. اذن الى حد كبير تعي اسرائيل بان سوريا تمسك بمفتاح هام في موازين الصراع العربي الاسرائيلي ولا يجد باراك أي حرج في تحقيق مفاوضات مع سوريا حول الجولان بعد ان انكشفت المفاوضات السرية التي عقدتها حكومة نتانياهو مع سوريا.. فقد بينت تلك المفاوضات على مقدرة نتانياهو على التفاوض مع من قال انه لن يتفاوض معهم, وبينت كم تراجع الليكود سرا من الوعود التي طرحها على ناخبيه علنا.. ولكن من جهة اخرى هناك مجموعة من العوامل السورية التي تجعل لسوريا المصلحة في تحقيق السلام الان. فسوريا الى حد كبير رأت كيف تراجعت فرصة تحقيق انسحاب اسرائيلي من الجولان عندما عاد الليكود الى الحكم. لهذا فان سوريا تريد اقتناص الفرصة الان وذلك قبل ان تخبو ويتحول التركيز الى امور اخرى (صراع مع الحكومة العراقية, حكومة اسرائيلية يمينية, حرب اقليمية جديدة). كما ان الرئيس الاسد قد اخذ على الاغلب قرارا استراتيجيا على السير بطريق السلام وذلك من ناحيتين الاولى خلق الاهتمام الدولي على كل صعيد بمستقبل سوريا واقتصادها كما هو حاصل دوليا وامريكيا مع العديد من الدول العربية. ولكن من جهة اخرى ان سوريا على الاغلب تريد التركيز على صراعها السياسي والمائي مع تركيا, وفي هذا تريد تخفيف التحالف الاسرائيلي التركي المحيط بها. ان استحقاقات التغير كثيرة واستقرار الدول اصبح مرتبطا بترتيب الاوراق السياسية. ان محاولة سوريا عقد صفقة سلام قد تضمن لها كما وللبنان استقرارا بعيد الامد, وقد يضمن هذا لسوريا المقدرة على تحقيق انتقال هادئ من مرحلة الى اخرى ومن اقتصاد شبه موجه الى اقتصاد اكثر انفتاحا, ومن سياسة داخلية تركز على وحدة الكلمة الى حالة تنمو فيها الظاهرة التعددية, بل قد يعنى هذا انجاز تقدم في امور جوهرية اصبح من الضروري الانتهاء منها لتحقيق تقدم نحو الاعباء التي تواجه سوريا وحتما لبنان عند منعطف نهاية قرن وبداية اخر. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت