استدار قرص الشمس في خشوع وهو في طريقه للنوم في بيت إحدى جنيات الماء تحت سطح البحر في مارينا فبدا مثل برتقالة وحيدة في طبق من الفضة يسع الكون كله.. مشهد رومانسي ناعم جعل الكون كله في حالة خشوع وصلاة.. ولا يمكن معه أن تستدعي كما فعلت أنا تحذير نزار قباني الذي أطلقه في إحدى قصائده. تحذيرات من نوع أصبح سائدا.. مثل.. لا تفكر أبدا.. فالضوء أحمر.. لا تكلم أحدا فالضوء أحمر.. لا تفكر في أخبار الوطن.. فالضوء أحمر.. لا تقرأ نشرة الطقس.. أو أسماء الوفيات.. أو أخبار الجرائم.. أو تسأل عن سعر دواء الربو.. فالضوء أحمر.. ولو شكوت كلب أحد الكبار (والذي يأكل أسماكا وتفاحا وأطفالا كما يأكل من لحم العباد.. لوجدت الضوء الأحمر) . كانت المشكلة في ذلك الوقت كلب أحد المسؤولين الذي كان يداعبه كأب حنون على شاطئ البحر.. ويبدو أن الكلب كان يستحق كل هذا الحنان فهو من النوع الصغير الرقيق الذي يجرحه الندى ويفزعه صوت العصافير.. ولكنه على ما يبدو أيضا لم يكن قد اكتملت تربيته بعد فراح يهاجم الناس الذين جلسوا على الشاطئ دون تردد وكأنه كان يعرف أهمية صاحبه.. واختار ابنة الدكتور حازم الحوتي ليهاجمها.. فلم تجد مفرا من أن ترمي بنفسها في حضن أبيها الذي قام بإبعاد الكلب.. فإذا برجل ضخم الجثة ينهره قائلا: (أنت بتضرب الكلب.. يا كلب) .. ولم تمر سوى دقائق حتى عاد الرجل مرة أخرى إلى الطبيب وابنته ولكن كان برفقته بعض (البلطجية) الذين جاءوا ومعهم كلاب متوحشة هذه المرة وانهالوا عليه ضربا أمام كل من كان على شاطئ البحر في يوم السبت 7 أغسطس 1999 وكان منهم النجم محمود عبد العزيز الذي راح يروي لنا ما جرى قبل أن تنشر صحيفة (الوفد) أن الدكتور حازم الحوتي حرر محضرا بالواقعة تحت رقم (15ـ أحوال) وأدلى فيه بأوصاف الجاني ورجاله ولكن الشرطة لم تتحرك.. وكالعادة راحت التكهنات والشائعات تكبر مثل كرة الجليد.. فهناك من قال أنه ضابط شرطة كبير.. وهناك من قال أنه شقيق عضو بمجلس الشعب.. ولكن المؤكد أنه رجل واصل.. ومهم.. يمكنه أن يفعل بعباد الله ما شاء دون أن يحاسبه أحد.. أو يعرض كلبه الناعم الرقيق لقسوة الإدلاء بأقواله أمام الشرطة والنيابة. ويبدو أن هذه الواقعة هي السبب في انتشار موضة تأجير الكلاب الصغيرة بالساعة في مارينا هذا الصيف.. فالناس أصبحت تعمل لها ألف حساب.. لكن ما يثير الحيرة انتشار موضة أخرى هي تأجير الفئران البيضاء وحملها في أقفاص من خيوط الحديد والخشب.. لابد أن وراءها سرا من الصعب اكتشافه حتى الآن. اندفعت الفتاة المراهقة بقوة وجنون وتحت سلطان مخدر (البانجو) على شاطئ البحر في مارينا وهي تقود البيتش بجي أو موتوسيكل الشاطئ.. لم تكن ترى أمامها شيئا.. حتى الأطفال الصغار الذين كانوا يعبرون الطريق في براءة ومرح فكان أن لامست بعضهم.. وإزاء هذا الخطر الطائر والذي لا يعرف أحد مداه.. كان لابد من إيقاف الفتاة.. وكان لابد أن تنتهي في نقطة الشرطة المفتوحة هذا العام في مارينا والعاجزة عن مواجهة أبناء الكبار والأثرياء الذين يطوعون بالثروة والسلطة القانون لحسابهم الخاص.. والذين تشفق ـ بسبب تعاليمهم وتصرفاتهم ـ على أولئك الجنود البسطاء الذين عليهم تنفيذ القانون ونزعه من أنيابهم في مارينا. في نقطة الشرطة كان من السهل أن يأخذ القانون مجراه.. وأن يفتح الضابط المسؤول للفتاة محضرا.. ولكن (أولاد الحلال) أشفقوا على الضابط من فتح المحضر بعد أن عرفوا أن الفتاة هي ابنة ضابط أكبر.. وبدلا من أن يعاقب المخطئ.. بدا أن الذي على وشك العقاب هو رجل القانون.. وليس من الصعب بعد ذلك أن نستنتج أن الفتاة الصغيرة فتحت صوتها على آخره.. وراحت تهدد وتتوعد.. وتستعمل العبارة التي لا ترجمة لها في أي لغة غير لغتنا ولا في أي مجتمع غير مجتمعنا.. عبارة (أنتم مش عارفين أنا بنت مين؟) .. ولكن.. أخيرا قبلت الفتاة الوساطة ولم يأخذ المحضر مجراه وإنما عرف طريقه إلى مياه البحر التي تغسل على ما يبدو الكثير. والمثير للدهشة أن مشكلة البيتش بجي هي مشكلة مزمنة في مارينا.. وقد وصلت للذروة عندما فقد أستاذ شهير في القانون صوابه وكاد أن يطلق الرصاص على صبي لم يعر كلامه اهتماماً.. وواصل الصخب على البيتش بجي بعد منتصف الليل.. فما الذي تفعله كل قوانين الدنيا في مواجهة صبي مدلل يعرف أن أبيه قادر على أن يخرجه من أي جريمة يرتكبها بالمال أو بالنفوذ أو بألاعيب المحاماة؟. وفي كل صباح تقوم إدارة مارينا بزرع مواسير عريضة من الصلب في الطرق الممنوع فيها البيتش بجي.. لكن في الليل يقوم الصغار بنزعها.. وهكذا.. تستمر اللعبة السخيفة بين الصغار والكبار.. أو بين الأطفال والإدارة.. وهي مختلفة عن اللعبة الشهيرة لأطفال الحجارة.. على حد التشبيه الساخر للمهندس قطب سليمان نائب رئيس مجلس أمناء مارينا. والغريب أن الإدارة التي تعاني الأمرين ـ أو هكذا تبدو ـ من أطفال البيتش بجي هي نفسها التي سمحت بفتح محلين لبيع وتأجير البيتش بجي وحصلت فيهما على أعلى سعر.. ورفعت بذلك أعداد البيتش بجي من 270 إلى 720 في موسم واحد.. فالإدارة هي التي تصنع المشاكل ثم تشكو منها.. وتسعى للبحث عن علاجها. والإدارة ضعيفة.. أو هي تريد أن تكون كذلك.. فهي تستمتع على ما يبدو بلجوء الكبار إليها.. وتستمتع أكثر بأن يقعوا في بعضهم البعض.. فالإدارة عاجزة عن الإدارة.. وهي غير حاسمة.. تعطيك الفتوى وعكسها في لحظة واحدة.. وشعارها الذي لا تعلنه.. دع الديناصورات تتصارع.. دعها تتقاتل حتى نسيطر عليها.. أو حتى تتركنا في حالنا نفعل ما نشاء بعيدا عن الصداع.. وهي فلسفة تثير الريبة.. ولكن.. لا أحد يشكو من الريبة.. لا أحد يحاسب أحداً. في مظاهرة لاستعراض القوة بلا مبرر.. أوقف الشاب سيارته في عرض الطريق في منطقة نادي السيارات المزدحمة بالسيارات والوزراء.. أبقيت السيارة ساعات حتى أختنق المرور تماما.. وعندما عاد الشاب إليها بادر الناس بالصراخ والتهديد لو عاتبه أحد.. وراح يتحدث عن أصحاب النفوذ الذين يمكن استدعاؤهم في ثوان بالموبايل.. والغريب أن لا أحد تعرض له حتى حراس الشخصيات المهمة وأفراد سيارة الشرطة الذين كانوا يتفرجون مثلهم مثل الآخرين وكأنهم يشاهدون فيلما لمحمد هنيدى.. مع أن ما كان يجري هو فيلم لفريد شوقي.. وبعد أن تركوه بدقائق كان من السهل أن يغير سيارته ويأتي عكس الاتجاه.. ليكرر موهبته في تجاوز ما هو أكثر من القانون.. التربية. ولا يثير ما جرى علامات التعجب أو الدهشة.. فلو كان الكبار يفعلون ذلك.. ويتجاوزون هم أنفسهم القانون.. فلماذا لا يقلدهم الصغار.. ويسيرون على نفس الدرب؟.. لماذا لا يكرر الصغار نفس الصورة؟ إن بعض الكبار في مارينا قد اعتدوا على ما لا يستحقون.. وضربوا بالمضارين عرض الحائط.. فما الغريب أن يكون صغارهم صورة بالكربون منهم.. من شابه أباه ما ظلم.. وصراع أصحاب الثروة والسلطة الذي لا ينتهي إلا في مستشفى الأمراض النفسية هو صراع ورثه الصغار.. وعبروا عنه في أقبح صوره. إن هذه الأحداث لم تصل بمارينا هذا الصيف.. صيف 1999 إلى نقطة الدم والقتل التي وصلت إليها في الصيف الماضي.. صيف ..1998 حين قتل طالب الهندسة أحمد محمد عبد المنعم بمروحة لانش أحد رجال الأعمال عضو بمجلس الشعب ونجحت الصحافة والنيابة في إغلاق الملف. ولكن.. هذا لا يمنع أن الدم يمكن أن يسيل في أي وقت.. وبأي كمية.. فهذه البقعة الساحرة تتحرش بنفسها.. وتأكل نفسها.. وتتصارع فيها عبقرية المكان وعشوائية الإنسان.. وهي كانت قرية صيفية تحولت إلى مدينة ساحلية.. تمتد حوالي 5 كيلو مترات.. أي ما يزيد على ربع كورنيش الإسكندرية.. يسكنها حوالي 20 ألف شخص.. ويدخلها يوميا حوالي 40 ألف شخص.. وقد ارتفع العدد إلى هذا الحد بعد أن ارتفعت أسعار دخول شواطئ المعمورة والمنتزه هذا العام.. وأصبح من المعتاد أن تجد سائقي (الميكروباس) أو من يسمون (عفريت الاسفلت) وقد جاءوا بأصدقائهم وأقاربهم لقضاء يوم في مارينا.. للفرجة على هذا العالم الأسطوري كما صورته الصحافة والأساطير التي نسجت عن مارينا وتصرفات طبقة لا يزيد حجمها على نصف في المائة.. ومن ثم سادت هذا الموسم ظاهرة نزول النساء بكامل ملابسهن كما هو الحال في الشواطئ الشعبية في الإسكندرية.. مثل الانفوشي وسيدي بشر.. وهو ما جعل أبناء الملاك في مارينا ينكمشون على أنفسهم في منطقة واحدة بعيدة بعد أن شعروا أنهم فرجة مقابل تذكرة تدفع على البوابات. وربما ستندهش لو عرفت أن بعض الكنائس الغربية في مصر تقوم برحلات لرعاياها من الشباب إلى مارينا ويمكن أن تجد قسا بملابسه المميزة يراقب على الشاطئ خرافه البريئة وهي تلهو وتمرح دون إحساس بالخطيئة.. ولعلها المرة الأولى في حياتي التي أجد فيها رموز الوحدة الوطنية على رمال البحر.. الحجاب وملابس القساوسة. وبدخول عفاريت الاسفلت إلى مارينا اكتملت عملية تمثيل كافة طبقات المجتمع المصري فيها.. وأصبح الحجاب والشورت الساخن جنبا إلى جنب.. وجرت السيارات الفارهة والأتوبيسات الجماعية على نفس الطرق.. وبنفس الجنون.. وتحولت بعض الأماكن الشهيرة بتسكع أبناء الطبقة الوسطى (مثل منطقة سيجال الشهيرة) إلى أسواق شعبية.. بعضها يبيع بضاعته على الرصيف.. وكأنك في الشوارع الجانبية في حي (السيدة زينب) . إن مارينا أصبحت صورة مكثفة.. مصغرة لخريطة المجتمع المصري.. شريحة رفيعة من الأثرياء وأصحاب النفوذ.. وكتلة عريضة من الطبقة الوسطى.. وزوار يتفرجون ويتزاحمون على الدخول في الصورة من الطبقات الأخرى. لكن.. رغم ذلك لا تزال مارينا.. حديث الناس كل صيف في مصر.. ولا يزال الحديث عنها لا يتسم بالود.. وإن كان لا يبتعد كثيرا عن الواقع.. لكنه في الحقيقة لا يكتشف كل الواقع.. وإنما يكشف مناطق الظلال والعتمة.. متجاهلا بقع الضوء.. وعندما تكون الصورة مجرد ظلال وخالية من الضوء.. لا تكون صورة.. أو (عفريت) صوره. وتستحق الظلال والعتمة ما يكيله الناس والصحافة لها كل صيف.. فهي ظلال وعتمة قبيحة.. مضطربة.. مختلة.. تعكس ما جرى لهذا المجتمع من تصدعات.. وانتكاسات.. خاصة في ظل طبقة جديدة.. تملك المال ولا تميل إلى الأصول والقانون.. تعرف كيف تضع النفوذ في جيبها.. ولا يهمها أن يضرب المجتمع رأسه في الحائط.. ويتصرف أبناؤها كأنهم ملكوا الأرض ومن عليها.. أو كأنهم بمفردهم في هذا العالم.. وقد وصفت أغلبهم في مقال في (الأهرام) بأنهم أثرياء.. ولكن ليسوا نبلاء.. لكنهم رغم كونهم الأقوى والأكثر نفوذا ليسوا كل البشر في مارينا.. فالغالبية في مارينا للشرائح المتوسطة والعليا من الطبقة الوسطى.. رجال قانون.. وضباط كبار.. وأساتذة جامعة.. ومهندسون.. وصحافيون.. وكتاب سيناريو.. ونجوم سينما.. وهؤلاء يحاولون الدفاع عن أنفسهم بكافة الوسائل أمام قوة الثروة وانفلاتها وتجاوزها الحدود والقانون.. وأحيانا تنجح.. وغالبا ما تفشل.. وهذا الفشل هو ما دمغ مارينا بتصرفات وتجاوزات الطبقة الجديدة.. وبقدرتها الفائقة على الخروج مما تفعل كما تخرج الشعرة من العجين. ومن ثم أصبحت مارينا هدفا سهلا للنميمة وعناوين الصحف وتعليقات كتاب الأعمدة.. والمؤكد أن عندهم حق.. ولكن ليست عندهم الصورة كاملة بما تحتويه من أضواء وظلال.. من خير وشر.. وما المانع أن يحدث ذلك في مارينا وقد حدث في كل أنحاء الحياة في هذا الوطن. ولعله المرة المليون التي أردد فيها.. مسكين هذا الوطن.. هناك قلة من البشر تختصر مساحته وطبقاته حتى يصبح أصغر من قمحة.. تختصره في صفقة.. في شمة.. في شفطة.. في شهقة.. تعتصره بين أيديها حتى لا يبقى من ثرواته سوى ما تملك.. ومن نفوذه سوى ما تصل إليه.. ومن متعه سوى رغباتها.. ومن بحاره سوى زجاجات مياه تضعها في مخازنها.. ومن قوانينه سوى ما ينقذها مما تفعل. الوطن الذي تتعامل معه هو نصف وطن.. ربع وطن.. جزء من مليون من وطن.. ولكن مهما كسبت وربحت.. فانها لا تشعر بالراحة.. فالشراهة مثل النار.. تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله.