في صيف 1990 التقيت في لندن غراهام توماس, احد رجال الحكم في السودان على عهد الادارة البريطانية التي انطوت صفحتها بحلول عام 1956, عام اعلان الاستقلال. وحال السودان بالطبع كان محور ذلك الحديث الودي الذي جرى بيننا . (لا تستطيع قوة واحدة ان تنفرد بحكم السودان لامد طويل) : هذه كانت النقطة الرئيسية التي كان حولها يدور حديث تومسون., ولكي نتبين ان هذ القول الفصل ليس من قبيل المحسنات البلاغية الفارغة اقول للقاريء الكريم ان تومسون, الذي عمل في خدمة (السلك السياسي) في السودان لمدى عشرين سنة عبر عقود الثلاثينات والاربعينات والخمسينات او اكثر كان يتولى منصب (مساعد السكرتير الاداري لحكومة السودان) عندما غادر البلاد نهائيا في منتصف عام 1955. وحتى بعد ذلك والى اليوم لم تنقطع صلة تومسون بأحوال السودان والسودانيين, خاصة انه احترف العمل السياسي في بريطانيا كعضو بارز في (حزب العمال) واحد نواب الحزب في مجلس العموم. قال لي تومسون: السودان بلد شاسع معقد التركيبة القبلية والطائفية بالرغم من غلبة الثقافة العربية الاسلامية عليه, ولذلك فان من الصعب ان تنفرد بحكمه قوة واحدة ـ سياسية كانت ام طائفية... او حتى القوات المسلحة. واذا كنت قد استنتجت من قول تومسون ان استقرار الحكم في السودان بأي حد ادنى لن يتحقق الا اذا شاركت القوى المحلية المختلفة في الحكم بطريقة توافقية فانك لم تخطىء. والحديث ليس بغير مناسبة. ففي الاسابيع الاخيرة ينشط تحرك سياسي متصاعد ومتشعب بشأن (المصالحة) او (الوفاق) بين مختلف القوى السياسية السودانية على صعيدي الحكم والمعارضة. ظاهريا لا يبدو ان هناك جديدا. فقد شهدنا قبل ذلك جولات وتحركات واتصالات قوامها وساطات. على ان ما يجعل الامر مختلفاً هذه المرة شيئان: اولا: هناك نبرة اشد جديه تعكسها التصريحات الاعلامية الصادرة عن الفرقاء والوسطاء قاطبة, ويرادفها عزوف عن تبادل الشتائم والتنابذ بالالقاب. ثانياً: اتفاق قطبي الوساطة في القاهرة والعاصمة الليبية طرابلس على توحيد جهود الوساطة في مشروع مشترك. ومع ذلك يبقى ذلك السؤال الكبير الذي يعتمل في ذهن كل السودانيين اذ يتابعون اخبار (المصالحة) : هل ينتهي المشروع المصري الليبي الى نجاح نهائي؟ قبل الاجابة على السؤال لنستعرض بإيجاز ما جرى حتى الآن. انطلقت المبادرة اصلا من ليبيا بعد لقاءات موسعة اجراها القادة الليبيون مع زعماء المعارضة السودانية في الخارج ـ الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني بالاضافة الى جون قرنق وبعد الاستماع الى ملاحظات وآراء الخرطوم استطاعت طرابلس ان تبلور مشروعا مبدئيا يستهدف عند نهاية المطاف انعقاد مؤتمر وطني على مستوى عالٍ يجمع قادة الحكم في السودان واقطاب المعارضة مع مشاركة الوسطاء من مصر وليبيا. ولاحقا تم توسيع الاقتراح لتضم الاطراف الخارجية دولا اخرى ـ اثيوبيا واريتريا ويوغندا. وابرز النقاط التي انطوى عليها المشروع الليبي هي: * وقف شامل لاطلاق النار في جميع مسارح العمليات القتالية. * وقف الحملات الاعلامية * تشكيل لجنة تحضيرية لمباشرة ترتيبات عقد المؤتمر الوطني المقترح غير ان المشروع الليبي ترافق مع شروط من قادة المعارضة ابرزها ان تقبل الحكومة السودانية مراجعة الدستور السوداني الحالي والتشريعات الصادرة بموجبة من اجل الغاء عدد من البنود والقوانين ترى المعارضة انها تحد من حريات التعبير والتنظيم او تتضمن صياغات مبهمة يمكن للحكومة استغلالها في اي ظرف لتحجيم مساحة الحريات المتاحة فعلا. ماذا جرى بعد ذلك على الصعيد التطبيقي؟