تستحق التقارير المصورة التي بثتها التلفزة من البلدان المختلفة, وكذلك التقارير الصحافية المرفقة بالصور حول كسوف الشمس يوم الحادي عشر من اغسطس التوقف عندها , والتأمل فيها, بما حوته من طرائق مختلفة في التعامل مع الحياة في يوم الكسوف الاخير للقرن العشرين. وباسترجاع ملامح التقارير المصورة, أو بالعودة إلى التقارير والصور التي نشرتها الصحف, يمكن ملاحظة, أن العالم قد تعامل عموما بطريقتين مختلفتين مع ظاهرة الكسوف, الطريقة الاولى تجسدت في انفتاح للبشر على الظاهرة, ومحاولات متعددة الاتجاهات من اجل التعرف عليها, ليس فقط بالمعنى العلمي ـ البحثي, بل بمعنى المعرفة المباشرة, والتي يمكن ترجمتها بصورة مباشرة إلى محاولة فرجة ومتعة بكل ماتعنيه الفرجة من احتفالية. اما الطريقة الثانية, فقد جسدها الخوف والانكفاء, بل محاولة الابتعاد عن ملامسة الظاهرة أو التعرف عليها مباشرة, بل جعل تلك المعرفة تمر عبر طرف ثالث هو جهاز التلفزيون, والذي لم تكن تلك (فضيلته) الوحيدة في العزل المباشر للانسان عن ملامسة الظواهر والاحداث الكثيرة, بل وابعاده عن التعرف اليها مباشرة. واذا كانت الطريقة الاولى في التعامل مع الكسوف برزت في الدول المتقدمة غالبا, وفي اوساط الاكثرية من سكانها, فان الطريقة الثانية ميزت البلدان المتخلفة والاكثرية من شعوبها في التعامل مع الظاهرة, وللاسف الشديد, فان هذه الطريقة كانت السائدة في البلدان العربية ولدى اغلبية سكانها, ان لم نقل كلهم, وقد كانوا جميعا في دائرة الكسوف ما بين الكلي في شمال القسم الآسيوي (شمال سوريا وشمال العراق) والكسوف الجزئي في بقية الانحاء العربية. ان المشاهد التي سجلتها عدسات التلفزة, وتقارير الصحافة عن عواصم عربية منها دمشق وبيروت والقاهرة وعمان وغيرها, قد ابرزت توقف الحياة في مسيرتها اليومية, شوارع مقفرة لا حركة فيها للبشر ولا للسيارات, اسواق مغلقة لا بيع فيها ولا شراء, مدن وقرى منفصلة عن بعضها, انقطعت من كل صلة الا عبر اسلاك الهاتف, وفي داخل كل بيت تجمع افراد الاسرة وسط اجراءات مشددة, استهدفت عزل الصغار ـ وربما الكبار ـ عن الخارج وفيه شمس الكسوف, التي تحولت إلى عدو, فيما اعتاد الناس على ان الشمس خير صديق, بل هي صديق الحياة واكسيرها الاول. ولم تكن طريقة العرب في التعامل مع الكسوف الاخير للقرن العشرين, والاجراءات التي اتبعت في البيوت العربية معزولة عن نهج وسياسة الحكومات العربية, والتي اتجهت في اغلبيتها إلى التوجيه وصولا إلى تخويف الجمهور من ظاهرة الكسوف, والاثار السلبية التي يمكن ان تنجم عنها فيما يمكن ان يصيب العين البشرية من اضرار, وقد زادت معظم الحكومات ان قامت بتعطيل الحياة العامة في اعتبار يوم الحادي عشر من اغسطس عطلة رسمية. واذا كان من المفهوم, بل من المطلوب توعية الجمهور بأخطار شمس الكسوف, فهل كان مفهوماً ومطلوبا تخويف الجمهور ودفعه للانكفاء إلى داخل البيوت, والتي تحول كثير منها إلى جحور, تضم كائنات خائفة ومخوفة, تختلط في اذهانها معطيات (العلم) المتناقضة التي بثتها اجهزة الاعلام والدعاية العربية مع الخرافات والاساطير سواء المخزونة في الذاكرة العربية, أو تلك التي اعاد الاعلام العربي انتاجها وتقديمها للجمهور العربي في الفترة السابقة للكسوف. لقد كثفت طريقة العرب في تعاملهم مع ظاهرة الكسوف كثيرا من جوانب خطأ العلاقات والمواقف في حياتنا العربية, والاهم فيها تعامل حكوماتنا مع الجمهور الذي لا تدخل معه في عملية توعية شاملة واستنهاض من اجل التعامل مع الظواهر والاحداث الطبيعية والاجتماعية, بل تخلق فيه الخوف والرهبة مما يجري, وتدفعه إلى الخروج من ساحة الفعل إلى مراقبته عبر شاشة التلفزة اذا امكن. والجمهور من جانبه مستكين, يؤثر السلامة دون ان يعي حقيقة ما يحدث, أو مطالب في التعامل مع ما يحدث, وبذلك تكتمل الدائرة في تهميش وهامشية الجمهور العربي في التعامل مع ما يجري حوله, والتي تجد لها امتدادا في التعامل مع كل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وفي الطريقة الاخرى من التعامل مع يوم الكسوف, كانت تجري وقائع اخرى, كان الجمهور يعي حقيقة ما يحدث في معطياته واحتمالاته, بما في ذلك الاخطار الصحية المحتملة على العيون, التي سوف تراقب الكسوف, وتتابعه كظاهرة لن تتكرر قبل خمسين وربما ثمانين عاما (حسب المصادر) وهم في سبيل ذلك قد اعدوا انفسهم بوسائل مناسبة, وبعضهم سافر عبر البلدان, لان الكسوف في بلده لن يكون كليا, أو لان الغيوم ستحجب الكسوف, والنخبة من جمهور تلك الطريقة, اختارت متابعة الكسوف في رحلات جوية بالطائرات, لمشاهدة ظاهرة الكسوف في كل حالاتها. الحكومات في بلدان الطريقة الاخرى, كانت اكثر هدوءا وموضوعية في التعامل مع الظاهرة والجمهور, فساهمت في تبيان حدود الظاهرة واهميتها, واستغلت في سبيل ذلك كل المنابر والامكانيات المتاحة, مستفيدة من جو العقل والمنطق الذي يسود مجتمعاتها واوساط جمهورها, والجمهور تفاعل دون خوف مع الظاهرة, فتحول يوم الكسوف إلى تعبير جديد عن علاقة متوازنة بين الحكومات والجمهور, كما هو تعبير عن علاقة متوازنة بين الجمهور والطبيعة. كاتب سوري