ربما كان بعض حكامنا الاوائل في التاريخ الذين عوّلوا على اعدائهم, فهذا البعض اوهم نفسه ان العائق امام (السلام) نتانياهو بشخصه وادائه وتكتيكاته , وكأن الرجل نبت شيطاني, وليس نتاج منظومة فكرية استعمارية, عنصرية, عدوانية. لذا كان من الطبيعي ان يتوهم ذاك البعض بأن ايهود باراك سيكون برداً وسلاماً على العرب واقطارهم ومن هنا يمكن فهم سر هذا الكرم الحاتمي العريق في اغداق المدائح على باراك, بمجرد ترشيحه في مواجهة نتانياهو, رئيساً لوزراء اسرائيل, قبل زهاء ثلاثة اشهر. بيد ان باراك صفع ذاك البعض الذي تفاءل بفوزه على نتانياهو, حتى ان باراك لم ينتظر حتى ينقشع غبار المعركة الانتخابية, بل صفع المتفائلين العرب بوصوله الى سدة الحكم, باعلانه لاءاته الاربع (لا للانسحاب الى خطوط 4 يونيو, ولا لغير القدس عاصمة موحدة ابدية لاسرائيل, ولا لفك المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة, ولا لاعادة اللاجئين, فضلاً عن (لا) خامسة للدولة الفلسطينية الا باشارة من اسرائيل نفسها. هكذا طار (شريك السلام) كما حلا لبعضنا ان يسمي باراك, متجاهلين تاريخه الارهابي الاسود, وهو الذي اعترف بأنه قتل, بدم بارد, زهاء ألفي اسير من الجنود المصريين في حرب 1956 كما نفذ عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة (كمال عدوان, وكمال ناصر, ومحمد يوسف النجار) في بيروت ربيع ,1973 فضلاً عن تخطيطه لعملية اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (ابو جهاد) في تونس, في ابريل ,1988 وهي امور تباهى باقترافها في حملته الانتخابية الاخيرة لكن الواهمين العرب اصروا على الا يروا, او يسمعوا, أو يتعظوا! سلوك باراك اللاحق لانتخابه رئيساً لوزراء اسرائيل دفع خبيراً استراتيجياً مصرياً مرموقاً, هو امين هويدي الى التساؤل:(هل نحن, الآن, نواجه طائراً, رأسه رأس صقر, وجسمه جسم حمامة, بعد ان كنا نواجه طائرا, رأسه رأس صقر, وجسمه جسم صقر, ايضاً؟!) . ان باراك ليس الا امتداداً لنتانياهو مع بعض الاختلافات الشكلية وهذا ما جعل الاول يودع الثاني, حين استلم منه مقر رئاسة الوزارة بقوله: (وجّهتك, في الماضي, لتجنب الاخطاء, وجاء دوري, الآن, لأتعلم من اخطائك) ! اعتراف متأخر قبل زهاء عشرين يوماً (2/8) علق ياسر عرفات على تصريح باراك بأنه سيبدأ تنفيذ الاتفاق مع سلطة الحكم الذاتي, في الاول من سبتمبر حيث اكد عرفات: (ان باراك يتصرف كما كان يتصرف سلفه, نتانياهو, في مسألة التنفيذ) . على منوال رئيسه, نسج رئيس الطاقم التفاوضي الفلسطيني, محمود عباس (أبو مازن) فأشار الى ان باراك يريد ان (يتشاطر) ويظهر كمن يرفض ما قبله سلفه, نتانياهو, وشدد عباس على اللاءات الفلسطينية الثلاث:(لا دمج للمرحلة الانتقالية بالمرحلة النهائية) , و(لا اتفاق اعلان مبادئ على المرحلة النهائية, بل حل كامل لا يحتاج الى تفاوض جديد) مضيفاً: (ان الحكومة (الاسرائيلية) الجديدة طرحت في شهرها الاول (مفاهيم جديدة) غير مقبولة فلسطينياً, وان باراك يطالب الفلسطينيين بالقبول بما رفضوه من سلفه..) . قبل تصريح عباس بقرابة شهر ونصف, كان المفكر والسياسي الفلسطيني المرموق, عزمي بشارة (الايام 22/6/1999) اكد بأن نتانياهو وباراك (وجهان لعملة واحدة, لصالح الحكومة الاسرائيلية, والاجماع القومي, والمصالح الاسرائيلية فوق كل شيء, ولكن في طرحهما للرؤية الاسرائيلية والمصالح الاسرائيلية, هناك فوارق فنتانياهو سعى لائتلاف يضم اكثر العناصر تطرفاً في المجتمع الاسرائيلي في حين باراك يسعى لائتلاف وسطي.. اولويات كل واحد منهما مختلفة باراك مقتنع بتنفيذ اتفاقات اوسلو, بينما نتانياهو غير مقتنع, وقد امضى ثلاث سنوات وهو يكذب على نفسه وعلى الآخرين لانه غير مقتنع بضرورة تنفيذ اوسلو, وفي القضايا الداخلية ايضاً, هناك اختلاف نتانياهو كان يسعى لتحالف ديني يميني في اسرائيل ويسعى باراك قدر الامكان الى تخفيف الاعتماد على الاحزاب الدينية, هناك عشرات الفروق بين الاثنين لا شك في ذلك) . البصر والبصيرة اذا كان بشارة استشرف مواقف باراك مبكراً, فبسبب انتماء بشارة للتيار الوطني الجذري, ولتمكنه من نظرية الثورة, ولحفظه الاداء الاسرائيلي عن ظهر قلب, مع كل ما يعتريه من تبدل وتغير, في المظهر دون الجوهر, فإن عرفات وعباس لم يؤمنا حتى لدغت القضية الفلسطينية من جديد من باراك, في ممارساته وادائه. لقد كشف باراك عن مراوغ يحاول كسب الوقت, ما امكنه الى ذلك سبيلا, ها هو يطلب من المسؤولين الروس الذين التقاهم وتباحث معهم في موسكو, مطلع اغسطس الحالي (مساعدته في سبر اغوار شخصية الرئىس السوري حافظ الاسد) واصفا إياها بالغموض على حد ما نسبته اليه الاذاعة الاسرائيلية 2/8/1999. تأكدت مراوغته حين التقى عرفات عند معبر ايريز شمالي قطاع غزة في 11/7 الماضي وطلب الى الرئيس الفلسطيني الموافقة على تأجيل مسألة الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة فضلا عن ضرورة الربط بين تنفيذ اتفاق واي ريفر وبين المفاوضات النهائية. من جهة اخرى اسرف باراك في صرف الوعود بعدم قيامه ببناء مستوطنات جديدة في الضفة والقطاع, لكنه ابقى باب توسيع المستوطنات المقامة اصلا مفتوحا. الانكى انه تذرع في توسعه في مجال الاستيطان بأنه يتجنب المواجهة مع مطالب المستوطنين. في 11 اغسطس الجاري اتهمت حركة (السلام الآن) باراك بتوسيع المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع, بمعدل يفوق معدل سلفه نتانياهو بأربع مرات وانه منذ تولي اسحق ليفي وزارة الاسكان فإن وزارته طرحت مناقصات لبناء 1339 وحدة سكنية في المستوطنات هناك مما سيقفز بعدد الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة والقطاع سنويا الى 16 الف وحدة. بعد ان قال قائد المنطقة الوسطى (الضفة الغربية) موشيه ايلون, اعلم زعماء المستوطنات اليهود في الضفة 4/8 بأن الجيش الاسرائيلي لن يخلي واحدا وثلاثين موقعا استيطانيا, اقامها المستوطنون اليهود على قمم تلال الضفة قرب المستوطنات القائمة, واشارت يومية (هآرتس) الاسرائيلية الى ان الرسالة التي نقلها ايلون للمستوطنين تمت بعلم باراك. معروف بأن المستوطنين كانوا استولوا على المواقع المشار اليها تلبية لدعوة من آرييل شارون, خريف العام الماضي, حين كان شارون يتولى منصب وزير الخارجية في وزارة نتانياهو الذي وقع آنذاك مذكرة واي ريفر وقد حصل سبع وعشرون موقعا منها على موافقة الجيش والاجهزة الامنية الاسرائيلية لاحقا. ماذاعن المستقبل؟ برغم هذا كله, فإن باراك سيظل حريصا على الظهور في صورة المتلهف على السلام بالتوسع في الادلاء بتصريحات صحيفة براقة, ولكن ملتبسة ومراوغة, تحتمل اكثر من معنى فضلا عن اغراقه الساحتين الاقليمية والدولية بالرحلات واللقاءات مع الزعماء العرب والاجانب من عمان الى واشنطن ومن القاهرة الى موسكو ومن الرباط الى لندن. كما علينا ألا نهمل ما عمد اليه باراك من محاولة توظيف السمعة السلامية الكاذبة لسلفه في قيادة حزب العمل شيمون بيريز الذي ما ان انتهى من مهمته في هجمة (عناقيد الغضب) البربرية على لبنان وشعبه ربيع 1996 وقبل ان تجف يداه من دماء ضحايا مذبحة قانا في هذه الهجمة وبمجرد ان سقط مجرم الحرب هذا في انتخابات رئيس وزراء اسرائيل بعد جريمته النكراء بعدة ايام, حتى بادر الى اقامة مركز للسلام, وكأن شيئا من (عناقيد الغضب) و(مذبحة قانا) لم يكن, ناهيك عن سجل بيريز الارهابي البشع, واستمرارا للتضليل ببيريز, فإن باراك استحدث (وزارة التعاون الدولي) واسندها لبيريز حتى يستخدمها لتسهيل (التطبيع قبل التوقيع) مع الدول العربية. ومع هذا كله فإن باراك سينجز بعض الانسحابات خاصة في الجنوب اللبناني والجولان السوري بيد ان عوامل متناقضة ستتجاذب باراك, وتشجعه على التلكؤ في المسار الفلسطيني بعد ان فقدت سلطة الحكم الذاتي النسبة الاكبر من اوراق قوتها, عبر التنازلات المجانية التي قدمتها تلك السلطة في غير مجال, اما تلك العوامل فلعل اهمها: ـ صغر الحجم البرلماني لحزب باراك (العمل) حيث يبلغ زهاء خمس مجموع عضوية الكنيست مما يجعل باراك حريصا على تجنب المعارك البرلمانية الحاسمة. ـ رغبة باراك الملحة في مغازلة الشارع الاسرائيلي, في محاولة لاسترداد الاغلبية لحزبه في الدورات الانتخابية اللاحقة للكنيست. ـ اتساع دائرة ائتلاف باراك الحكومي وتنافر تركيبة حلفائه من اقصى اليمين الى الوسط, فاليسار فضلا عن حرص باراك على شعار (اسرائيل واحدة) بدون عربها بالطبع! ـ حرص باراك على التأرجح طويلا بين (مشروع الشرق اوسطية) الذي سبق لخصمه الحميم بيريز ان صاغه والذي يرضي الاخذ به الادارة الامريكية, التي ما عن التحالف معها بـد وما بين اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات التي تدغدغ مشاعر الاسرائيليين وتهدىء من شكوك الجناح اليميني في وزارة باراك. * تشتت باراك ما بين اجندته الداخلية ونظيراتها الاقليمية. ـ هذا كله سيجعلنا نسمع ضجيجا ولغطا في المسار الفلسطيني دون طحين يذكر الامر الذي يتطلب اعادة ترتيب البيت الفلسطيني, بتفعيل منظمة التحرير على اسس وطنية وديمقراطية, واقامة جبهة وطنية عريضة, تقيم علاقات حميمة مع عمقها العربي, وتجترح برنامجا وطنيا, يحدد ـ في وضوح وحسم ـ اطراف معسكري الثورة, والاعداء بعد الهدف الاستراتيجي, والاهداف المرحلية والكف عن التعويل على الاعداء (الحمائم) منهم قبل (الصقور) ! كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة