في لحظة ما يشعر الإنسان أنه أمام تاريخ يستعيد نفسه, أو أن حلقاته تتكرر بشكل يكاد يكون متطابقا على الرغم من اختلاف الزمن, فما حدث في القرن السابع أو في القرن الخامس عشر يمكن أن يتكرر اليوم في القرن العشرين, أو غدا في القرن الحادي والعشرين, لا يهم التاريخ, المهم الإبقاء على دورته الحلقية المتكررة, وأيضا الإبقاء على عناصر هذا التكرار, وهذا يسبب الرعب لبعض المتابعين لدورة التاريخ وتكرار حلقاته, وربما هذا يفسر (الهستيرية) التي تسيطر على أوضاع السياسية في مدينتي سبتة ومليلة التابعتين لاسبانيا في شمال المغرب. كانت مدينة مليلة الميناء الذي انطلق منه جيش طارق ابن زياد لغزو شبه الجزيرة الايبيرية وإقامة دولة الأندلس, وكان وجود حاكم المدينة الكوندي دون خوليان لازما لتتم هذه القفزة المهمة في تاريخ البشرية كلها, ولولا وجوده والظروف التي أحاطت بعلاقته المأساوية بحكام شبه الجزيرة الايبيرية وقتها, وحاجته للانتقام لشرفه الذي دفعه إلى التحالف مع المسلمين ما كانت الأندلس ولا كان تاريخها الذي نتشوق إلى استعادته اليوم, لذلك اعتبر سكان شبه الجزيرة الايبيرية وقتها أن دون خوليان كان خائنا تاريخيا, ولا يزال اسمه يوضع بين الخونة, لأنه فتح الباب أمام المسلمين لغزو شبه الجزيرة الايبيرية. يبدو أن هذا الأمر يتذكره اليوم سياسيو اسبانيا المعاصرة بعد أن استطاع أحد المسلمين من الوصول إلى رئاسة بلدية تلك المدينة التاريخية, لذلك أصاب الخوف جميع السياسيين يمينا ويسارا على الرغم من اختلاف اللحظة التاريخية التي يعيشها المسلمون اليوم, والتي تختلف عن اللحظة التاريخية التي كان يعيشها مسلمو الأمس بقوتهم وقواتهم التي كانت قادرة على هز الجبال, ومع ذلك ليس هناك من هو على استعداد لقبول حتى الحديث عن خرافة تكرار التاريخ. مليلة اليوم يحكمها-أو يحاول أن يحكمها لو تركوه في حاله- الطبيب المسلم (مصطفى حامد أبرشان) بمساعدة من حزب (خيل) , الذي أسسه عمدة ماربيا (خيسوس خيل) , وهو حزب بلا هوية سياسية أو أيديولوجية, حزب شخصي زعماؤه مؤسسه خيسوس خيل وأسرته, وبعض معاونيه والمستفيدين من أعماله التجارية, ومضارباته التي تحيط بها الشكوك لعلاقته بأشخاص مشبوهين. سياسيو اسبانيا يخشون أن يتحول (دون خيل) إلى (دون خوليان) جديد, انه أمر يبدو هزليا لكنها الحقيقة التي لا يستطيع أن يخفيها أحد, بل يتناولها بشكل هزلي بعض الكتاب المعروفين مثل الكاتب المعروف (باثكيث مونتالبان) وكأنها حقيقة يمكن أن تحدث, فنحن في زمن (الهزل السياسي) , أو على الأقل نحن في زمن لا تحكمه قوانين العقل, نحن في حالة من الهيولية التاريخية التي أعقبت سقوط الأيديولوجيات وتحول فيها المال إلى الحاكم الأوحد, وأصبحت الحكومات في خدمة رؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسية. قد يؤكد السياسيون في اسبانيا غير ذلك, لكنهم على الأقل, وحتى الآن لم يفسروا هذه الهستريا التي شابت مواقفهم رعبا من وصول مسلم إلى رئاسة مدينة تعيش فيها أغلبية مسلمة مما يعتبر طبيعيا, بل ربما فاز بحكمها أحد الحزبين الرئيسيين لو رشح أحدهما مسلما على رأس القوائم التي تقدموا بها للانتخابات. لكن لو تأملنا الوضع من وجهة نظر أوروبية, نجد أن هذه النظرة من جانب الأحزاب الرئيسية في اسبانيا صحيحة جدا, ودهشتنا نحن العرب والمسلمين من موقفهم من مواطنهم الاسباني المسلم هو غير الطبيعي, إنهم يتوهمون أن يتحول (دون خيسوس خيل) إلى دون خوليان آخر, ويفتح الأبواب أمام المسلمين فرادى أو جماعات لاحتلال المدينة واستعادتها وضمها إلى المغرب, وهو الأمر الذي تعلنه من وقت لآخر الحكومات المغربية المختلفة, وأثارت هذه الأوهام من جديد حديث رئيس الوزراء الحالي عبد الرحمن اليوسفي الأسبوع الماضي عن الوضع في مليلة, رغم أنهم يعرفون أن حركة الحكومات المغربية في هذا الاتجاه محدودة, نظرا لحاجتها إلى الدعم الاقتصادي مما يجعلها رهينة العلاقة بأسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية, لذلك ما كان يمكننا أن ننتظر هذا الموقف من جانب الحزبين السياسيين الكبيرين في اسبانيا في مواجهة رئاسة بلدية مليلة, لأنه ليس في الأفق ما يؤكد امكانية العودة إلى (الأندلس) من جديد, التي يخشاها الأوروبيون بلا مبررات موضوعية, ونرجو ألا تحين اللحظة التي يمكن أن تكون فيها (مليلة) رأس الجسر لزحف صليبي جديد, كما كان مقدرا لها في القرن الخامس عشر, وإن كان كلاهما مشروع قائم في رؤوس بعض السياسيين الأوروبيين. ما لا يعرفه أحد هو الوجه الآخر لمدينة مليلة, هذه المدينة التي تحولت إلى جزء من الإمبراطورية الإسلامية بعد فتح الأندلس, ثم كانت جزءاً لا يتجزأ من الممالك العربية الإسلامية التي قامت على أنقاض هذه الإمبراطورية, تحولت بعد ذلك لتكون رأس جسر للجيوش الصليبية في خطة ضخمة لاحتلال الأراضي المقدسة في فلسطين. حيث تذكر وثائق تاريخية أنه بعد سقوط آخر الممالك العربية في غرناطة عام ,1492 وطرد المسلمين إلى شمال أفريقيا (المغرب وتونس) باعتبارها أراضيهم التي كان يجب أن يعودوا إليها, قرر المسيحيون متابعتهم حتى في تلك الأراضي الواقعة على الجانب الآخر من مضيق جبل طارق, والقضاء عليهم قضاء تاما, بل وصل التعصب ببعضهم إلى متابعة هذه المطاردة بشكل شخصي, فاستطاع دوق مدينة سودونيا احتلال مليلة والبقاء فيها. على أثر نجاح الملوك الكاثوليك في حربهم ضد مسلمي الأندلس, قامت الدول المسيحية الكاثوليكية في أوروبا تحت إدارة الفاتيكان بوضع خطة محكمة لغزو شمال أفريقيا -المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر - وتنصيرها, لتكون طريقا آمنا للجيوش الصليبية لاحتلال القدس الشريف, لأن هناك شكا في أن تحقق الحملات الصليبية البحرية هذا الهدف بشكل آمن. تنفيذا لهذه الخطة قرر الملكان الكاثوليكيان ابعاد الدوق عن (مليلة) , وضمها إلى المملكة الكاثوليكية حتى يمكن تنفيذ الخطة المتفق عليها لغزو الشرق عبر شمال أفريقيا, لكن ما لم يحسب حسابه الملكان الكاثوليكيان هو اكتشاف أمريكا الذي تم على يدي كريستوفر كولومبوس عام ,1492 أي السنة نفسها التي سقطت فيها غرناطة, لكن أحدا لم يكن يعرف أن تلك الأرض المكتشفة حديثا قارة جديدة غير معروفة من قبل, بل أن كولومبوس نفسه مات وهو يعتقد انه نجح في الوصول إلى جزر الهند الغربية عبر الأطلسي. ما أن تبين أن الأرض التي وصل إليها كولومبوس ارض جديدة بكر لم يعرفها العالم القديم من قبل, حتى تحولت جهود الملوك الكاثوليك نحو تلك الأرض, وتم إرجاء مشروع تنصير شمال أفريقيا, وبقيت مليلة على حالها حامية عسكرية تكلف اسبانيا أموالا لا تقابل ما تحصل عليه منها سوى أنها قاعدة إستراتيجية عسكريا كانت تحمي الوجود العسكري أثناء احتلال الريف المغربي, وتحولت حاليا إلى مجرد قاعدة عسكرية تواجه الوجود البريطاني في (صخرة جبل طارق) , التي تطالب بها اسبانيا على الطريقة نفسها التي تمارسها الحكومة المغربية للمطالبة بمدينتي سبتة ومليلة. ثابت تاريخيا أيضا, أن مدينة (مليلة) وإلى جوارها مدينة (سبتة) لم تشكل في أي لحظة هما خاصا بالنسبة لاسبانيا, بل تعيش المدينتان على هامش الحياة الاقتصادية لشبه الجزيرة الايبيرية, ومنذ موت الجنرال فرانكو وتطبيق الديمقراطية وهما تحت سيطرة الحزبين الرئيسيين في البلاد -الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي اليميني- وخلال حكمهما للمدينتين لم يكن هناك أي اهتمام خاص بسكانها, بل تعتبر المناطق الأفقر في الإطار الوطني لاسبانيا, مما يجعل الاهتمام المفاجئ بوجودهما بعد أن أفلتت مليلة من أيدي الحزبين الكبيرين إلى حكم مشترك بين حزب مسلمي المدينة وحزب رجل الأعمال خيسوس خيل مثيرا للشبهة. لذلك يبقى سؤال: في أي شئ يفكر الحزبان الرئيسيان في اسبانيا, في الخوف من (وهم) استخدام مليلة كرأس جسر لعودة المسلمين إلى الأندلس, أم في (وهم) استخدامها كرأس جسر لتنصير شمال أفريقيا؟ * كاتب مصري مقيم في اسبانيا