تؤكد ديباجة ميثاق الامم المتحدة تصميم شعوب العالم على ان تبين الاحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة. وان تؤكد من جديد ايمانها بالحقوق الاساسية للانسان, فهي جزء لا يتجزأ من مفهوم العدل الذي يتخلل الميثاق, فالحق في الحياة والحرية , والحق في محاكمة عادلة, والحق في نظام قضائي نزيه ومستقل, هي جميعها شروط اساسية لتحقيق العدل واحترام حقوق الانسان. وينص النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية على ان هيئة المحكمة تتكون من قضاة مستقلين وكذلك نجد ان النص على مبدأ استقلال القضاء قد ورد في عدد من النظم الاساسية الاخرى, فالمادة, من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان تنص على انه (لكل فرد لدى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية حق في محاكمة عادلة من قبل محكمة مستقلة) , ومحايدة تقرر حقوق الفرد وواجباته وتفصل في اية تهمة توجه اليه كما نص على هذا المبدأ الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 2/3 وقد توالت دساتير العالم في النص على مبدأ استقلال القضاء واحاطته بمظاهر الاحترام والتقدير. فنصت المادة 64 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 (على ان رئيس الجمهورية يضمن استقلال هيئة القضاء ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الاعلى) . ونصت المادة 92 من دستور المانيا الاتحادية لسنة 1949 على ان (يعهد بالسلطة القضائية الى قضاة وتتولاها المحكمة الدستورية الاتحادية, والمحكمة العليا الاتحادية, والمحاكم الاتحادية التي ينص عليها هذا الدستور ومحاكم الولايات) , والمادة 104 من الدستور الايطالي لسنة 1947 والمادة السابعة من الدستور التركي لعام 1961 نص على ان تتولى محاكم مستقلة ممارسة السلطة القضائية باسم الامة التركية والمادة 76 من الدستور الياباني لعام 1963 على السلطة القضائية تمارسها المحكمة العليا. والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير ضمائرهم وهم لا يلتزمون في قضائهم الا احكام الدستور والقانون وتنص المادة 155 من الدستور الحالي للاتحاد السوفييتي والتي تقابل المادة 112 في دستور 1936 من ان (القضاة والمحلفون الشعبيون مستقلون لاسلطان عليهم لغير القانون) . والمادة 78 من الدستور الصيني, والمادة 52 من الدستور البولندي والمادية 136 من الدستور اليوغسلافي, والمادة 102 من الدستور التشيكوسلوفاكي. استقلال القضاء في الدساتير العربية: ـ تنص جميع الدساتير العربية على مبدأ استقلال القضاء, وذهبت غالبيتها الى اعتبار القضاء سلطة. وافرد بعضها قانونا خاصا ينظم هذه السلطة, والبعض الآخر اغفل ذلك, واما هذا المجتمع المتغير فما هي فعالية هذه النصوص, وسنقوم بذكر النصوص: الدستورية التي تنصف على مبدأ الاستقلال وبحث مدى استقلال القضاء حيال السلطتين التشريعية التنفيذية. ففي الدستور المصري لسنة 1971 تنص المادة 165 على ان السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها. وتصدر احكامها وفقا للقانون , ونصت المادة 166 على ان القضاة مستقلون ولا يجوز لاي سلطة التدخل في شؤونهم وتنص المادة 28 من دستور الجماهيرية العربية الليبية (على ان القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون) . وتنص المادة 120 من الدستور السوداني الانتقالي لسنة 1985 على ان تكون ولاية القضاء في جمهورية السودان لسلطة منفصلة ومستقلة تسمى السلطة القضائية. وتنص المادة 122/2 على ان (القضاة مستقلون في مهامهم القضائية لا سلطان عليهم الا بحكم القانون) . وينص الفصل السادس والسبعون من الدستور المغربي لعام 1972 على ان (القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية) . وتنص المادة 53 من الدستور التونسي لعام 1959 على ان (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون) . اما في الجزائر فقد تأثر دستورها لعام 1976 بالمذهب الاشتراكي الى حد بعيد, فتضمن الفصل الرابع منه (المواد من 164 الى 182) المبادىء الاساسية المنظمة للقضاء في بلد اشتراكي. ووفقا لهذه النصوص لايعتبر القضاء سلطة مستقلة لان هذه الانظمة تأخذ بنظام وحدة السلطة وليس بمبدأ الفصل بين السطات وانما نص هذا الدستور على الضمانات التي تكفل استقلال القضاء من ذلك نص المادة 168 التي تنص على ان (سلطة اصدار الاحكام من اختصاص القضاء, ويمكن ان يعينهم في ذلك مساعدون شعبيون طبقا لاحكام القانون) . وتنصف المادة 131 من الدستور السوري على ان (السلطة القضائية مستقلة, ويضمن رئيس الجمهورية, هذا الاستقلال يعاونه في ذلك مجلس القضاء الاعلى) . وتنص المادة 131 من الدستور اللبناني على ان (السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها, ضمن نظام ينص عليه القانون, وان القضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم, ان شروط الضمانة القضائية وحدودها يعينها القانون) كما تنص المادة الاولى من قانون اصول المحاكمات المدنية على ان (المحاكم مستقلة كل الاستقلال تجاه جميع السلطات في تحقيق الدعاوى والحكم بها) . اما الدستور العراقي فقد نصت المادة 60 منه على ان (القضاء مستقل لاسلطان عليه لغير القانون) واورد الدستور الاردني نصا على ان (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون (97). اما دساتير الخليج فقد اكدت استقلال السلطة القضائية, ولايجوز بحال التدخل في سير العدالة, ويكفل القانون استقلال القضاء ويبين ضمانات القضاة, والاحكام الخاصة بهم. (المواد 162 من دستور الكويت و 14 من الدستور المؤقت للامارات العربية و (101) 2 من دستور دولة البحرين, اما في المملكة المعربية السعودية فقد نص الامر الملكي السعودي رقم 59 لعام 1972 على ان (تنفذ الاحكام الصادرة من الشرع بدون تغيير او تأخير او تبديل) . واخيرا نص دستور جمهورية اليمن الديمقراطية في مادته 121 على ان (القضاة مستقلون في صلاحياتهم) . ونصت المادة (11) من مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي الصادر 1987 (على ان الناس متساوون امام القضاء وتكفل الدولة استقلال القضاء وحياده كما تكفل استقلال مهنة المحاماة) . كما أكدت المؤتمرات الدولية على مبدأ ترسيخ استقلال القضاء والمحاماة في كثير من توصياتها نذكر منها على سبيل المثال مؤتمر العدالة الجنائية في العالم الغربي الذي عقد في مدينة سيراكوزا بجمهورية ايطاليا عام 1985 وتوصيات المؤتمر الأول للجمعية الدولية لقانون العقوبات (الشعبة المصرية) الذي عقد في القاهرة في مارس 1987. وأخيرا ننتقل لبحث استقلال القضاء من السلطتين التشريعية والتنفيذية. استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. 1 - استقلال السلطة القضائية التشريعية: تقوم السلطة التشريعية بسن القوانين, وتطبق السلطة القضائية هذه القوانين واستقلال الثانية عن الأولى يقتضي عدم تدخلها في عملها. ونظرا لخطورة السلطة القضائية, يؤدي إلى الفوضى والظلم. والواقع ان السلطة التشريعية لها أساليب عدة تستطيع بواسطتها أن تنفذ بها إلى قدس القضاء, ومن أخطر هذه الأساليب وأكثرها شيوعا في البلاد العربية, تدخل السلطة التشريعية لها أساليب عدة تستطيع بواسطتها أن تنفذ بها إلى قدس القضاء, ومن أخطر هذه الأساليب وأكثرها شيوعا في البلاد العربية, تدخل السلطة التشريعية في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه, وذلك عن طريق اصدار قرارات بقوانين أو قوانين تنظيم السلطة القضائية, ومثل هذه القوانين تتيح للسلطة التنفيذية أن تقوم بتنظيم السلطة القضائية واقصاء العناصر التي لا ترضى عنها السلطة وهذا الاسلوب هو المتبع في كل من مصر, الكويت, السودان الاردن, ولبنان. حيث تنظم هذه الدول السلطة القضائية بقوانين أو قرارات بقوانين صادرة من السلطة التشريعية. ولأجل ذلك نجد في هذه الدول ان التنظيم القضائي غير مستقر لانه مستهدف من قبل السلطة التشريعية. وهذا الاسلوب يعد اعتداء على استقلال القضاء, فالدستور عندما يقرر مبدأ استقلال القضاء كسلطة من سلطات الدولة فهو يمنع أي سلطة أخرى من التدخل في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه مهما كانت الأداة التي يتم بها هذا التدخل حتى لو كانت هذه الأداة هي القانون. ومن السطات التشريعية, انه لا يجوز تنظيم المسائل المتصلة باستقلال القضاء بأداة تشريعية أدنى مرتبة من القانون الصادر من السلطة التشريعية. فالدستور باعتباره القانون الأعلى في الدولة لا يجيز لأية أداة أن تخالف لانها تكون أداة أدنى. ولذلك فإن استقلال القضاء في مواجهة السلطات الأخرى هو الذي يعطي الثقل الأكبر لقوة القضاء كسلطة في الدولة. ولذلك نجد دستور الجمهورية العربية اليمنية, هو الدستور الوحيد الذي نظم السلطة القضائية بمقتضى نص دستوري وذلك في المواد من 144-155 عكس النظام المغربي الذي لم يشر في الدستور عن الاداة التي يمكن بواسطتها تنظيم السلطة القضائية. والسكوت في هذه الاحوال يؤدي إلى فتح الباب أمام السلطة التنفيذية لتدخل في قدس القضاء. والواقع انه لا معنى لاستقلال القضاء إذا لم تكن سلطة القضاء تمتد لتشمل كافة المنازعات ترتيبا على ذلك, لا يجوز للسلطة التشريعية أن تتدخل في طريقة أداء القضاء لوظيفته, فلا تملك أن تلغي أي حكم أصدرته المحاكم مهما كان ظاهر الخطأ, سواء أكان الحكم مدنيا أو جنائيا, قطعيا أم غير قطعي, أو ان توقف تنفيذ أي حكم قضائي ولا تعديله ولا نقصه مهما كان هناك من عدم احترام للقانون أو اخلال خطير بتطبيقه, كما لا يجوز لها أن تناقش أي قاض في حكم أصدره, ولا أن تبحث في موضوع أي دعوى معروضة أمام القضاء, لان مثل ذلك يعد اخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء ظاهر على استقلال القضاء. كما ان التشريع الذي يصادر حق التقاضي أو يقيد هذا الحق يعتبر غير دستوري, وبشكل اعتداء على السلطة القضائية. ولأجل ذلك يجب على المحاكم الامتناع عن تطبيق مثل هذه التشريعات لانها تخالف مبدأ الشريعة الذي يعتبر عنصرا أساسيا من عناصر الدولة القانونية. كما انه يهدد مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يعد من أهم دعامات الدساتير الحديثة. وهذا ما نصت عليه المادة 68 من الدستور المصري على ان (التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة) ونصت المادة 60/ب من الدستور العراقي على ان (حق التقاضي مكفول لجميع المواطنين) ونصت المادة 8/4 من الدستور السوري على ان (حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون) , ونصت المادة 166 من الدستور الكويتي على ان (حق التقاضي مكفول للناس, ويبين القانون الاجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق) , ونصت المادة 101 من الدستور الاردني على ان المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها ومجمل القول ان حق التقاضي يعد حقاً من الحقوق العامة الطبيعية لكل انسان التي استقرت في ضمير العالم المتمدن والتي لا تحتاج إلى نص يقررها. ولأجل ذلك فإن التشريع الذي يصادره يعد غير دستوري. وعلى ذلك لا تملك السلطة التشريعية الحق في اصدار تشريعات تمنع بها القضاء من النظر في قضايا بذاتها, أو ان تسلبه الحق في التصدي لنزاعات بعينها, لان هذا المنع وذاك السلب يعتبران, اعتداء صارخا على حقوق السلطة القضائية بوصفها احدى السلطات الثلاث الرئيسية في الدولة من جهة. ومن جهة أخرى فإن ذلك يمثل انتهاكا لحق التقاضي المكفول لجميع المواطنين عن طريق الدستور. استقلال السلطة القضائية عن التنفذية تحرص الدساتير العالمية والعربية على تأكيد استقلال القضاء وهيبته تجاه السلطة التنفيذية بل ان بعضها يحيل على تشريعات لاحقة لوضع القواعد التفصيلية لتحقيق الحماية الدستورية لهذا الاستقلال فمفهوم هذا الاستقلال انه لايجوز للسلطة التنفيذية ان تتدخل في أي عمل من أعمال القضاء, أيا كانت صورة هذا التدخل, كما لا يجوز لأي شخص من أشخاص هذه السلطة مهما علا مركزه ولو كان وزير العدل أو رئيس الدولة أن يتدخل لدى القضاء بشأن قضية معروضة عليه أيا كان نوع هذا التدخل. ومن ثم فلا سبيل لوضع نصوص لهذه الدساتير ومبدأ استقلال القضاء موضع التنفيذ الا بإسناد كافة الاختصاصات المتعلقة بشؤون القضاء إلى رجال القضاء أنفسهم سواء من خلال مجلس أعلى يتكون منهم وحدهم أو جمعياتهم, أو رؤساء المحاكم حسب الأحوال: ـ وتتجه معظم التشريعات العربية الى تأليف مجلس القضاء الأعلى فيها من قضاة أو من أغلبية القضاة: ففي المملكة المغربية يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ووزير العدل عضو فيه ونائب للرئيس وباقي الأعضاء وعددهم تسعة كلهم من القضاة (الفصل الثمانون من دستور عام 1972) . وفي تونس أوكل أمر القضاة الى مجلس القضاة (م 5 من الدستور المؤرخ في 1/1/1959) . ويتألف من تسعة أعضاء برئاسة كاتب الدولة للعدل (وزير العدل, والباقين من القضاة). وفي ليبيا نصت المادة 17 من قانون توحيد القضاء رقم 87 لسنة 1971 والمعدل بالمادة 4 من القانون 86 لسنة 1971 بانشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية على ان (يتولى رئيس قيادة الثورة رئاسة المجلس الأعلى للهيئات القضائية على الوجه الآتي, وزير العدل نائب الرئيس, وكل من رئيس المحكمة العليا, النائب العام, أقدم رؤساء محاكم الاستئناف ورئيس ادارة التفتيش القضائي, رئيس ادارة قضايا الحكومة أعضاء) . ويشكل المجلس القضائي الأردني من سبعة أعضاء من القضاة, برئاسة رئيس محكمة التمييز م 15 من قانون استقلال القضاء رقم 19 لسنة 1955 والمعدل بالقانون رقم 36 لسنة 1968. وفي لبنان يتألف مجلس القضاء الأعلى من ثمانية أشخاص برئاسة الرئيس الأول بمحكمة التمييز وعضوية خمسة من القضاة, وثلاثة من خارج ملاك القضاة يختارون من بين القضاة السابقين المقبولين في منصب الشرف أو الأساتذة الأصليين في معهد الحقوق (المادة الأولى من تنظيم مجلس القضاء الأعلى الصادر بالمرسوم رقم 7855 لسنة 1961). وباستقراء النصوص السابقة في التشريعات العربية نجد ان شؤون القضاء يتولاها القضاة بأنفسهم في مصر والأردن, أما في التشريعات العربية الأخرى, نجد المجلس القضائي بها مؤلفا من عناصر قضائية وأخرى غير قضائية, وهذا التشكيل له خطورته على استقلال القضاء ويفتح الباب أمام السلطة التنفيذية للتدخل في شؤون القضاء, الأمر الذي يعد اعتداء صارخا على استقلالهم ومن هنا يبدو لنا ان استقلال القضاء يستلزم أن تترك ادارة شؤون رجال القضاء والبت في سائر القضايا المتعلقة بهم الى هيئة قضائية صرفة, لأن القضاة أدرى الناس بواقعهم وظروفهم. وإذا كان من الضروري وجود مجلس قضائي يتولى شؤون القضاة ويفصل في القضايا المتعلقة بشؤونه, حتى يكون بمنأى عن السلطة التنفيذية, فإن هذا يعني في رأي البعض انه لايجوز أن تترتب مسؤولية الحكومة على أعمال القضاة, لأن الحكومة تسأل عن أعمال موظفيها لما لها عليهم من سلطة التوجيه والرقابة, وهو ما لا تملكه بالنسبة للقضاة الذين لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون, فالعلاقة بين الحكومة من جهة والقضاء من جهة أخرى ليست علاقة تبعية, وعلى ذلك فلا شأن للحكومة في الخطأ الذي يرتكبه القاضي, بيد انه اذا كان القضاء مستقلا فعلا عن الحكومة ولا تخضع لتوجيهها فإنه يجب التفرقة بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الحكومة, فلا مسؤولية للثانية عن أعمال السلطة القضائية وعندما تقوم الحكومة بدفع التعويض المقضي به عن خطأ أحد القضاة فإنما تدفعه باعتبارها المديرة لأموال الدولة, والحارس عليها, أما الدولة فتسأل عن أعمال القضاة, باعتبارها مسؤولة عن نشاط الادارة. كما يعد اهدار لمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء على مبدأ استقلال القضاء, توقيف تنفيذ أو عرقلة الأحكام القضائية من قبل السلطة التنفيذية, فمثل هذا الموقف الايجابي أو السلبي المؤدي الى عدم تنفيذ الأحكام القضائية أو التراخي في تنفيذها, يشكل فعلا غير مشروع يسأل فاعله عن التعويض كما تسأل الحكومة على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعة كما انه يعد مساسا بقوة الأمر المقضي, أي مساسا بالنظام العام مما يؤدي الى تقويض النظام القضائي, وأخيرا يسأل عامل التنفيذ مسؤولية جنائية, في شأن ذلك نصت المادة 122 من قانون العقوبات المصري (بأن يعاقب كل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته في توقيف تنفيذ حكم أوامر أو طلب من المحكمة أو أي أمر صادر من جهة الاختصاص) . ونصت المادة 412 ـ 414 من قانون العقوبات السوري على (الجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية) . وقد كفل قانون العقوبات السوري استقلال السلطة القضائية بنص المادة 361 عقوبات وخلاصتها (ان كل موظف يستعمل سلطته او نفوذه مباشرة او غير مباشرة ليعوق او يؤخر تطبيق القوانين او تنفيذ قرار قضائي يعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى سنتين, ويقابل هذا النص في قانون العقوبات اللبناني المادة 361. وبهذا اوضحنا مفهوم استقلال القضاء في الشريعة الاسلامية وما قبل الاسلام وفي العصر الراهن ضمن المواثيق والمؤتمرات الدولية, وما تضمنته الدساتير العربية وقوانينها, وشرحنا ابعاد هذا الاستقلال عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. الخاتمة: لما كان خضوع الدولة للقانون هو الاساس المتين لشرعية نظام الحكم واستمراره, ولما كان استقلال القضاء وحصانته ضمانتين اساسيتين لتأمين خضوع الدولة للقانون وحماية الحقوق والحريات. ولما كان من طبيعة القضاء ان يكون مستقلا والاصل فيه ان يكون كذلك, وكان كل مساس بهذا الاصل واي تدخل في عمل القضاء من جانب احدى السلطتين الاخريين او الرأي العام, يخل حتما بميزان العدل ويقوض دعائم الحكم, اذ في قيام القاضي باداء رسالته حرا مستقلا مطمئنا آمنا على مصيره اكبر ضمانة لافراد الشعب حكاما ومحكومين على السواء. ولما كان استقلال القضاء يعتمد بدوره وفي اساسه على سيادة القانون, فإن ذلك يقتضي اول مايقتضي الا تمس حقوق المواطنين وحرياتهم وحرماتهم الا طبقا للقانون العادي وحده, وبحكم من القضاء الطبيعي وحده وبالاجراءات المتبعة امامه وحدها, والا يكون لاحد من سلطان على القضاة في قضائهم غير القانون, والا يجوز لاية سلطة ان تحصن اي قانون او قرار من رقابة القضاء, او ان تتدخل في القضايا او في شؤون العدالة بأي وجه من الوجوه. ولما كانت الثقة بالقضاء ركنا اساسيا في دعم نظام الحكم, وكان مما يخل بهذه الثقة ايجاد الازدواج في جهات التحقيق او الحكم, ومع ذلك انشاء المحاكم واجهزة التحقيق الاستثنائية او المحاكم الخاصة, او تشكيل المحاكم من اشخاص تعينهم احدى السلطتين الاخريين بذواتهم, وهو ما تنفتح به الابواب لزعزعة الثقة بالاحكام وتعارضها وتأييد المنازعات. لما كان ذلك كله, فلعل الصواب ان تكون السلطة القضائية مصونة ومستقلة عن اية سلطة اخرى وتتمتع بحصانة مطلقة, ويوضع بملء الحرية تشريع موحد للدولة العربية وتنسجم مع روح العصر الحاضر, وعلى ضوء ماضي الامة العربية وليكون المثل الاعلي المشترك والدستور الدائم للاستقلال الذي ينبغي ان تلتزمه النظم القضائية العربية كافة, ونوصي بما يلي: اولا: تخضع الدولة للقانون, واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان اساسيتان لحماية الحقوق والحريات. ثانيا: حظر انشاء المحاكم الاستثنائية او الخاصة بجميع انواعها وحظر تعدد جهات التحقيق او الحكم. ثالثا: التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة, ولكل مواطن حق الالتجاء الى قاضيه الطبيعي ويحظر النص في التشريعات على تحصين اي قانون او قرار اداري من رقابة القضاء. رابعا: القضاة غير قابلين للعزل ويقصد بالقضاة في هذا الاعلان كل من يتولى اختصاصات قضاء التحقيق او قضاء الحكم ايا كانت طريقة تعيينهم وتمسيتهم متى كانوا متخصصين ومتفرغين لاداء رسالة القضاء. خامسا: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون, ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضايا او في شؤون العدالة او تعطيل تنفيذ احكام القضاء. سادسا: يقوم على الشؤون الادارية والمالية للقضاء والقضاة مجلس اعلى يتكون من رجال القضاء دون غيرهم, ولا يجوز ابرام اي شأن من تلك الشؤون بغير موافقة هذا المجلس. ذلك أن تخصص القضاة وتفرغهم لاداء رسالتهم, ومتابعة تأهيلهم وتكوينهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا, كل ذلك من مستلزمات الحيدة والتجريد والنقاء والعدالة والثقة بالقضاء. المراجع ـ القرآن الكريم ـ السنة النبوية الشريفة ـ الترمزي (الاستيعاب) ـ ابن عبد ربه (العقد الفريد) ـ احمد زكي باشا (التاج في اخلاق الملوك) ـ الماوردي (ادب القاضي) ـ الطبري (القضاء في الاسلام) ـ أ. احمد امين (القضاء في الجاهلية). ـ الامام الشاطبي (الموافقات) الماوردي (الاحكام السلطانية). ـ الدكتور عبدالمنعم فرج الصدة (دراسة مقارنة بين الشريعة الاسلامية والقانون الوضعي. ـ الدكتور منير العجلاني (القضاء في الاسلام). ـ الدكتور عمر فاروق فحل (الاسلام قبس لا اقتباس). ـ المواثيق الدولية: ميثاق الامم المتحدة ـ الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان ـ الاتفاقية الامريكية لحقوق الانسان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ـ الاتفاقية الدولية بالحقوق المدنية والسياسية ـ ميثاق حقوق الانسان العربي. ـ الدساتير الغربية: الدستور الفرنسي ـ الالماني ـ الايطالي ـ التركي ـ الياباني ـ الصيني ـ والبولندي. ـ الدساتير العربية: دستور دولة الامارات العربية المتحدة ـ مصر ـ سوريا ـ لبنان ـ تونس الجزائر ـ اليمن ـ الكويت ـ البحرين ـ المملكة العربية السعودية ـ الاردن ـ ودستور العراق. ـ توصيات المؤتمرات الدولية: مؤتمر الجمعية الدولية لقانون العقوبات (سيراكوزا 1985 عن العدالة الجنائية) ومؤتمر القاهرة القاهرة 1987 للشعبة الجنائية المصرية عن حقوق الانسان. عنوان المؤلف: العمل (مستشار بوزارة العدل والاوقاف والشؤون الاسلامية ـ ادارة الفتوى والتشريع) ابوظبي (أ.ع.م) ـ ص.ب 46403 هاتف 727140