اذا كان التعليم الاساسي هو الوسيلة المناسبة للوقاية من الامية, فان تعليم الكبار يشكل العلاج السريع الحاسم لها. ان مشكلة الامية تحظى اليوم باهتمام بالغ من جانب المؤسسات العلمية والمربين والكتاب . وهي جديرة حقا بهذه العناية, لانها على درجة من الخطورة بحيث يصح لنا ان نعدها المشكلة الاولى بالنسبة لنا نحن العرب. فالامية تعني ابقاء ملايين الناس خارج الخط الحضاري. وحتى نأخذ فكرة عن مدى جدية المشكلة, دعنا نتساءل عما تعنيه آلاف الكتب والدوريات والنشرات التي بذلت في اصدارها الجهود المضنية, وانفقت الاموال الطائلة, بالنسبة لعشرات ملايين الاشخاص العاجزين عن القراءة. وحتى لو عمد هؤلاء الى الاستماع الى الراديو ومشاهدة التلفاز, فانهم لايستطيعون فهم الكثير مما يقال ويعرض امامهم, لعدم تزودهم بالثقافة الاساسية والمامهم بمبادىء المعرفة الاولية. ويمكننا القول بكل ثقة ان الأمية المستشرية في مختلف انحاء وطننا العربي والتي تنشب اظفارها بشكل خاص في الارياف وبين صفوف الاناث, هي من اخبث المشكلات التي تواجهنا. وحتى على الصعيد العالمي, فان الامية تشكل تحديا عالميا شاملا, وعدوا لدودا لجميع الشعوب وعقبة كاداء امام كل تقدم. وتدل الاحصاءات الحديثة على ان عدد الاميين من الراشدين وحدهم يقارب الآن ربع سكان الارض. وتدل تقديرات اليونسكو على ان حق التعليم ليس متاحاً إلا لخمس سكان العالم فقط. وفي الماضي كانت الأمية تعني الأمية الأبجدية, أي عدم القدرة على القراءة والكتابة, ولكن مفهومها توسع اليوم وأصبح يتضمن الأمية الحضارية التي تتم مواجهتها من خلال محاور ثلاثة: أ ـ التعليم العام المبدئي, بما في ذلك مبادىء العلوم والصحة والبيئة. ب ـ التدريب المهني والاجتماعي والسياسي. جـ ـ التعليم المدني والاجتماعي والسياسي. وتبلغ نسبة الأمية على الصعيد العالمي 40% تقريباً, إلا أنها تزيد على 50% في الأقطار العربية. الوقاية بالتعليم ولاريب أن أفضل طريقة للوقاية من الأمية تتمثل بتدعيم التعليم الأساسي الذي يختلف مفهومه بين كل دولة وأخرى, وهو لا يعني تمكين الفرد من أداء القراءة والكتابة والعمليات الحسابية فحسب, وانما تسليحه بالمعرفة التي تضع الأساس الذي يساعده على القيام بالمهام المطلوبة منه في بيئته الاجتماعية, وعلى الاستمرار في التعليم, إما لوحده أو بمساعدة الأستاذ, ويضم التعليم الأساسي بصورة عامة: 1 ـ برامج الرعاية والتعليم في الطفولة المبكرة. 2 ـ التعليم في الصفوف الابتدائية والاعدادية. 3 ـ برامج التعليم غير النظامي. ولكن الدول تختلف من حيث تبنيها لهذه العناصر الثلاثة مجتمعة, أو اكتفائها ببعضها, وكثير منها ترى في الصفوف الابتدائية والاعدادية عماد التعليم الأساسي. واذا حاولنا دراسة وضع هذا التعليم من خلال المنظار العالمي الواسع, نجد بعض الاحصائيات تبين أن 85% من الأطفال الذين هم في السن المناسبه لهذا التعليم, مسجلون في المدارس, وان هذه النسبة سوف تتعاظم في السنوات والعقود التالية. ومع ذلك, فاننا لانستطيع الاعتماد على هذا التقدير المتفائل لأنه لايأخذ في الحسبان التلاميذ المتسربين والمعيدين وغير المداومين, وهناك تقديرات احصائية اخرى قد تكون أقرب الى الواقع والى قابلية الوثوق بها, وهي تقول بأن طفلاً واحداً فقط من بين طفلين في الدول النامية (وهي التي تهمنا بشكل خاص) يملك فرصة نيل التعليم الأساسي. وننتقل الان الى جانب آخر من جوانب المشكلة, يتعلق بتدعيم هذا التعليم ورفع نسبة الملتحقين به, وهناك في هذا المجال اجراءات عديدة لاحصر لها يمكن اتخاذها, غير ان العقبات المالية تقف حائلاً امام كل تقدم نسعى الى تحقيقه. وقد تراجع الانفاق على التعليم بشكل عام في الدول النامية, خلال العقد الحالي بسبب الكساد الاقتصادي. وتشير بعض الاحصائيات الى ان الميزانيات التي يمكن تخصيصها للتعليم الاساسي تكاد لاتكفي لتغطية نفقات أكثر من نصف الأطفال الذين هم في سن هذا التعليم, وليس هناك ما يوحي بأن هذا الوضع سوف يتغير في المستقبل القريب. ولكن العقبة المالية ليست المشكلة الوحيدة, اذ أنه حتى لو توافرت الأموال فليس هناك ما يضمن استثمارها بنجاعة, بسبب وجود مصاعب كيفية تنظيمية وفنية لايسهل التغلب عليها. فهناك مثلا عدم قدرة بعض الطلاب الريفيين على الوصول الى وسائل المواصلات, مما يضطرهم الى السير مشيا على الاقدام, وهذا ما يثني الكثيرين منهم عن السعي للالتحاق بالمدرسة, كما ان الطلاب الفقراء جداً غالباً ما يفضلون العمل بدلاً من الدراسة, حتى يساعدوا والديهم ماليا. ولا ننسى اضطرار عائلات الطلاب الى تحمل نفقات الورق والكتب والالبسة المدرسية والاقلام, مما يضع عبئاً ماليا ثقيلاً لاتستطيع العائلات المعدمة تحمله. مواءمة الحاجات وحتى نخطط للتعليم الاساسي بصورة سليمة يجب الا نقتصر على توسيعه وتمكينه من تلبية الطلب المتزايد عليه, بل لابد ان نأخذ في الحسبان الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمتعلم نفسه, وكذلك ضرورة المواءمة بين ما يتعلمه في صفوف التعليم الأساسي, وبين حاجاته الفردية والاجتماعية والمهنية. وعلى كل حال, وعلى الرغم من جميع العوائق التي يمكن ان تؤخر تنفيذ اي برامج ناجحة لتحسين صورة هذا التعليم, فإن العالم التربوي هـ.م.فليس, يقدم لنا في كتابه BASIC-EDUCATION: WORLD CHALLENGE أي (التعليم الأساسي تحدد عالمي) مقترحات عديدة في هذا المجال نلخص زبدتها بما يلي: 1ـ التعامل مع التعليم الاساسي على أساس ان نيله واجب وحق في وقت واحد. 2ـ زيادة الاعتمادات المالية المخصصة له, واستثمارها بطرق اكثر جدوى ومردودا. 3ـ مكافحة التسرب على اساس مبدأ المكافأة. وهذا يعني تقديم وجبات غذائية مجانية وتحسين وسائل النقل ومرافق المدرسة وحدائقها والخدمات فيها, وغير ذلك من الحوافز التشجيعية. 4ـ اقامة الصلات مع عالم العمل, والتوسع في الدراسة التي تستند الى الدوام الجزئي أو المتقطع, من أجل اتاحة الفرصة للتمليذ كي يدرس ويعمل في آن واحد. 5ـ تحسين أوضاع معلمي التعليم الأساسي, من الناحيتين المادية والمعنوية. 6ـ التوسع في استخدام التكنولوجيا التعليمية الحديثة. وهناك بالطبع اجراءات اخرى لا تقع تحت حصر, وما ذكرناه ليس سوى امثلة. تعليم الكبار وننتقل الآن الى الجانب الثاني المتمثل بتعليم الكبار, الذي يشكل اسرع وسيلة لمكافحة الأمية على المدى القريب. ويعرّف المختصون التربويون هذا النوع من التعليم بأنه (العملية التي يقوم بواسطتها الأفراد الذين لم يعودوا يداومون في المدارس, بفعاليات منظمة ومتعاقبة, من أجل احداث تغييرات في معلوماتهم ومعارفهم وفهمهم أو في مهاراتهم ومواقفهم) . أما اليونسكو فإنها تعرف تعليم الكبار, بأنه (العمليات التربوية المنظمة, مهما كانت محتوياتها ومستواها وأسلوبها, وسواء كانت نظامية أو غير نظامية, والتي يطور الكبار بواسطتها مقدراتهم ويغنون معارفهم ويحسنون مؤهلاتهم ويحدثون تغييرات في مواقفهم وسلوكهم) . ان تعليم الكبار هو في الواقع بديل بالنسبة لأولئك الذين فاتهم قطار التعليم الاساسي في صغرهم, كما انه بمثابة امتداد للتعليم بشكل عام وتوسيع له. وقد كان في الماضي يشكل نشاطا هامشيا لا ينطوي على كبير أهمية, الا انه اخذ الآن يحتل مكانه اللائق في السلم التربوي, وبدأت الأنظار تتجه اليه, بوصفه الاداة الفعالة للقضاء على آفة الأمية. وقد تطور مفهومه الآن, بحيث لم يعد يقتصر على تعليم الكبار القراءة والكتابة والعمليات الحسابية, بل بات يتعدى هذا الى تزويدهم بشتى ألوان المعرفة التي تساعدهم على خوض معترك الحياة والتفاعل بنجاح مع البيئة الثقافية المحيطة بهم. خلال القول, ان الأمية تكاد تكون المشكلة رقم واحد بالنسبة للوطن العربي بالذات, لأن كثيرا من المشكلات الاخرى تتفرغ عنها, وتعد محصلة حاصل لها. لذلك لابد من تكثيف الجهود العملية الهادفة الى محوها, مع ابداء استعدادنا لدفع الثمن الغالي الذي يستلزمه تحقيق هذا الهدف النبيل. ولاشك ان تحرير ملايين الناس من الجهل وتزويدهم بأساسيات المعرفة وجعلهم قادرين على اقتحام معترك الحياة وامتطاء صهوة العمل هو هدف يستحق كل تضحية, ويهون في سبيله أي ثمن. فلنفتح اذن المزيد من صفوف مدارسنا لطلاب التعليم الاساسي وللكبار الذين لم يسعفهم الحظ للتعليم في الماضي, ولنعمل على تحسين هذين النوعين من التعليم , كما ونوعا بشتى السبل, ومهما اقتضى هذا من جهد, اذا أردنا ان نجتث جذور الامية, ونلتحق بقطار الحضارة.