قد يستغرب البعض ان يطرح مثقف عربي على نفسه سؤالاً يتعلق بمستقبل الامة العربية عندما تحاول ان تفكر بكيفية الخروج من انفاق الحاضر المظلمة, والانطلاق نحو آفاق المستقبل, خصوصاً وأنها لا تملك اية اسس واضحة للتحرك على هذا المسار . ان الاستغراب ناشىء, اساساً, من طرح هذا السؤال في ظل واقع عربي مأساوي ومرير يمثل أسوأ ما وصل اليه العرب والمسلمون في تاريخهم القديم والحديث. ان طرحاً كهذا يفترض, مبدئياً, ان يمتلك العرب الطاقات والقدرات العملية (وليس فقط النظرية) اللازمة للتحكم بمسارات حاضر الأمة قبل التفكير بالسيطرة على المستقبل.. اذ كيف يمكن لامة مفككة وعاجزة وضعيفة في سياساتها واقتصادياتها, لا تملك حرية واستقلالية قرارها السياسي والاقتصادي والأمني..ان تفكر بامتلاك المستقبل؟ خاصة واننا نعيش الآن في اكثر المفاصل التاريخية غرابة واثارة للجدل الفكري والانساني, في طبيعة المشهد البشري القلق والمأزوم على مستوى الانسان في طبيعة علاقاته مع الانسان الآخر, وعلى مستوى علاقة الانسان مع البيئة والطبيعة وعناصر الحياة الأخرى. إننا نرى ان التغير السريع هو ابرز سمة وأهم معلم من سمات ومعالم هذا العصر, بل يمكن ان نقول: ان المتغير هو الثابت القانوني الوحيد المسيطر على اجوائنا العامة كلها في الوقت الحاضر.. ولعل هذه السرعة في التغير تجعل الانسان مشلولاً وفاقداً لقدرته على الحركة والانتاج والعطاء في الاتجاه الانساني الصحيح على صعيد تحقيق وتجسيد عنصر وقيمة العدالة على المستوى الحضاري الانساني كله, انها اضواء التغير الساطعة التي لم يحدث ان تغيرت حياة الانسان, من خلالها, بمثل هذه السرعة او بمثل هذه الطرق والآليات العملية الجديدة المبهرة التي تفقد الانسان قدرته على التنبؤ بمواقع واحوال المستقبل القريب او البعيد.. وكيف ستؤول امور الحياة والمستقبل الانساني والكوني. اجل لقد فتحت العلوم الحديثة ـ وما رافقها من تطورات هائلة في شتى ميادين الحياة ومجالات العمل الابداعي البشري ـ الباب على مصراعيه لنشوء ما يمكن تسميته بعلم (السيطرة على المستقبل) او (المستقبلية) كرؤية نظرية علمية وموضعية للغد الانساني.. ان هذا التغير السريع ـ الذي نعيشه حالياً ونتحرك بين جوانبه, بوعي او بدون وعي, والذي يطال اوصال ومرافق الحياة المختلفة ـ يعني ان المستقبل قد يكون (او سيكون) شيئاً آخر مختلفاً عما كان موجوداً عند الاجيال السابقة, وهكذا سوف يبدو عالم المستقبل ـ بالنسبة الينا ـ مكاناً غريباً عن وعينا وذاتنا وحضارتنا, ورؤية اخرى جديدة علينا ما لم نتجهز ونهيىء انفسنا له من الآن.. لاننا كأمة عربية واسلامية تتطلع ـ من خلال أهدافها ورسالتها وحضارتها ـ لبناء حياتها النموذجية الجديدة, وتريد ان تمتلك المستقبل بوعي وثبات, لا بد ان تنهض بأعباء ومتطلبات حاضرها الذي يجب ان يشكل, بحد ذاته, قاعدة اساسية لبناء ذلك المستقبل. اذاً المستقبلية بهذا المعنى هي: دراسة وتأمل, وتوقع وبحث علمي وموضعي لاحداث الغد العربي والاسلامي المفترضة (الممكنة) الحدوث في ضوء تسارع العلم والوجود, ومدى قدرة العرب والمسلمين عموماً على الاستجابة الايجابية الناهضة والفاعلة على جملة الاحداث والاحوال العلمية والبشرية الجديدة التي تعتبر دائماً ـ من خلال عنصر التغير السريع فيها ـ محوراً رئيسياً للتطورات الكونية والوجودية. انها القدرة على تنظيم الاحداث الراهنة الموجودة بين ايدينا في ضوء خبراتنا وطاقتنا ومواهبنا السابقة والحالية بما يحقق لنا تطلعاتنا المستقبلية في كل اتجاه. اهمية المستقبل نعلم جميعاً ان المستقبل زمن قادم على الانسان.. والانسان ببساطة هو المخلوق الوحيد الذي يختزن في داخله القدرات والامكانات الكافية لكي يجعل مستقبله مشرقاً او مظلماً.. لذلك نجد انه من الأهمية بمكان ان ننظر للمستقبل نظرة حيوية واعية ومدركة, كونه الزمن الذي يمكن ان نعيش نحن فيه بعض مراحل الحياة وتفاصيل حركة الوجود.. كذلك ستعيش فيه اجيالنا المقبلة كل حياتها.. من هنا يجب ان نعمل بكل تخطيط وتركيز علمي هادف من اجل بناء حاضر متطور ومنتج يكون اساساً قوياً للنهوض بالمستقبل الواعد. ان دراسة المستقبل, وفهم طبيعة حركة بعض مساراته ومساربه المفتوحة على احتمالات عدة, امر مهم جداً بالنسبة الينا بلحاظ وجود الانسان الواعي والفاعل القادر على التحرك في ذلك الاتجاه, وذلك لاننا نريد ـ على صعيد انساننا وأمتنا العربية والاسلامية ـ تعزيز الثقة بالمستقبل من خلال دراسة هذا المستقبل وتنظيم افكاره ووعي متطلباته واحتياجاته داخل اطار ومنظومة عملية مترابطة ومتكاملة, وتحديد اهداف تلك الدراسة, والسعي الحثيث والدؤوب نحو محاولة تجسيدها وتمثلها على ارض الواقع. ضمن هذا المنظور يمكن ان تحقق المستقبلية بعض الاهداف والغايات الاساسية للانسان في حركته الحياتية..منها: 1- تحديد المستقبلات البديلة, واستعراض آفاقها الحيوية على اكثر من مستوى تطبيقي, وبالتالي عدم الاستغراق في الفكرة التي تحاول حصر المستقبل ضمن تصور أو رؤية واحدية مسبقة الصنع, بل يجب التركيز هنا على ارادة الانسان ومضمونه الداخلي, ووعي واستيعاب التطورات السريعة المتلاحقة وممكنة الحدوث في المستقبل, وما يرتبط بها من اختيارات فكرية ونفسية وسلوكية. 2 - ضرورة التعرف الدقيق على درجة عدم التأكد (الشك والارتياب), لان اي مستقبل يراد بناؤه وتأسيس مفهوم وتصور مبدئي عنه من قبل الانسان (وبالتالي اي تفسير للغد) لا بد وان يختزن في داخله تقييدات (تحديدات) علمية لدرجة عدم التأكد, وذلك بالتركيز على بنية المتغيرات ذات الاهمية الكبرى في حياة الانسان. وهنا يكون التخطيط المنهجي المدروس المضبوط علمياً هو المرحلة المبكرة لهذا العمل. 3 ـ ضرورة اهتمام العلماء والقيمين على (المستقبلية) بدراسة اكبر عدد ممكن من الدلائل والاشارات والعلامات والفوارق الدالة على التغيرات المؤثرة المتوقعة. بمعنى آخر, تحديد المجالات التي يعتبرها العلماء نذيرا لأمور مستقبلية يمكن ان تؤثر ـ بشكل سلبي او ايجابي ـ على حركة المستقبل. 4 ـ ضرورة اظهار التباينات واستعراض الاختلافات الموجودة في كل الافتراضات (اي المقدمات الحقيقية والظنية الموضوعة) والنتائج التي تترتب عليها. وهذا يدخل في نطاق التخطيط للأمور الطارئة المستجدة. 5 ـ اكتساب فهم جديد لعمليات التغير الضمنية الذاتية. ولأن فهمنا, عادة, لا يكفي للتنبؤ بالنتائج بأي درجة من اليقين ـ بسب تأثير الاحداث والتطورات المفاجئة وغير المتوقعة ـ فلا بد اذا من التركيز على أهمية معرفة مختلف انواع العمليات الأساسية لأوجه النشاطات المراد التنبؤ بها, ووصفها بدقة والقاء الضوء عليها تفكيكا وتحليلا وتركيبا. 6 ـ ايجاد مناخ عام وارضية علمية في بيئتنا العربية والاسلامية يمكن (بل من المؤكد) ان تقوي معارفنا وفهمنا للوسائل العلمية المستخدمة في دراسة المستقبل, وكذلك وعي طبيعة توقعات الاخطار المحدقة التي يجب ان نكون على استعداد لتقبلها واستيعابها, بغية تحقيق اهداف محددة نريدها. السيطرة على المستقبل يمكننا تحديد أسس السيطرة على المستقبل من خلال العناصر التالية التي لا نعتبرها حاسمة ونهائية في هذا السياق, لكنها يمكن ان تكون ركائز فعالة لأي تصور او عمل مستقبلي هادف: أ ـ توفر الفكرة الحضارية ا لسليمة القادرة على بناء الانسان نفسيا وتربويا من اجل ايصاله الى شاطىء الامان على المستوى الذاتي والموضوعي.. لأن وجود النظرية الصحيحة والسليمة هو الاساس في التطبيق الصحيح الواعي, اذ انه لا يمكن ان نتحرك على طريق السيطرة على المستقبل من دون توافر وجود افكار (نظريات ومعارف) بين ايدينا يمكن ان نستهدي بها ونستضيء بنورها في مسالك وطرق الحياة الصعبة الشاقة, خصوصا واننا نعيش في ظل واقع ضاغط تهيمن عليه متغيرات وتطورات ومستجدات خطيرة متتابعة ومتسارعة, اذا الفكرة هي القاعدة الصلبة لتنشئة الانسان المبدع والمنتج وبالتالي فتح المجال للسيطرة على المستقبل. ب ـ تنمية وبناء الانسان الواعي والمفكر الذي يستطيع تحمل مسؤوليته الفردية والجماعية, واستيعاب ما يستجد من ظواهر وتطورات اجتماعية جديدة كشرط مسبق لعملية تكيفه الايجابي معها, ومن ثم المشاركة الفعالة في عملية التنمية الشاملة للأمة بغية النهوض بواقع المجتمع روحيا ومفاهيميا.. وذلك على ضوء الفكرة النوعية الهادفة المؤهلة لبناء وتربية وتأهيل انسان مستقبلي يكافح ويجاهد بقوة لنيل مطالب واهداف امته الكبرى في الحياة. .. اي لابد من تربية الانسان على بناء شخصية فاعلة على مستوى الوعي والادراك المعرفي, ومستوى العاطفة والوجدان النفسي, ومستوى الحركة والمهارة العملية. فعلى الصعيد الاول (مستوى الوعي وبناء الشخصية) نجد ان ذلك يتحقق من خلال تزويد الانسان بكم مناسب ومنظم من المعلومات والمعاني والمفاهيم والحقائق, فضلا عما يرتبط به من حيث ضرورة وجود طريقة للتفكير, ومنهج للبحث, واساليب استنساخ واستنباط وتحليل, وآليات للنقد الموضوعي. اما المستوى الثاني (العاطفي) فانه يعتبر من اخطر واهم المستويات وفي نفس الوقت اكثرها صعوبة في الممارسة الواعية, لانه يتعلق ـ ضمنا ـ بما هو موجود وقابع في داخل الانسان, في كينونته الذاتية المشتملة على ميول واتجاهات وقيم متنوعة. اما المستوى الثالث فيتعلق بالحركة والمهارات التطبيقية المختلفة التي يكتسبها الانسان في اطار سلوكه وممارسته اليومية في الحياة. ج ـ التنظيم والتخطيط: ان التنظيم والتخطيط هو الرد العملي المنطقي الحاسم على نزعة العبث والفوضى واللامبالاة المتفشية في واقعنا العربي عموما, لاننا نستطيع ـ من خلال تعميق الذهنية والروحية التنظيمية والتخطيطية في وعي الامة ـ انشاء الفرد المنظم, والمجتمع المنظم, والامة المنظمة, لان الانسان المنظم هو الركيزة الاساسية لبناء الحاضر وبالتالي الانطلاق نحو المستقبل الواعد, كذلك هو العنصر الوحيد المؤهل لخدمة شعبه, والسير ـ بحماس عقلاني ـ في طريق تحقيق اهداف امته, والانخراط الفعال في الدفاع عن قضاياها واهدافها العالية في الحياة, انه الوعي لعملية تنظيم مصالح الامة والتعاون من اجل رفع مكانتها بين الامم المتقدمة كلها. ان المشكلة الجوهرية تكمن, في نظرنا, في البيئة التي يعيش فيها انساننا العربي حيث انه يمارس حركته في الحياة في ظل واقع عام ابعد ما يكون عن التنظيم الهادف والتخطيط المبرمج. د ـ التضحية والاخلاص في العمل والانتاج, والانكباب الدائم والمستمر على نهل العلم والمعرفةالعلمية وربط العلم بالعمل المثمر والمؤثر, من اجل الاسراع في ملاحقة اهدافنا وانجاز طموحاتنا في عصرنا الراهن. هذا العصر الذي بات يعرف بعصر السرعة والقوة والفضاء والانترنت, وثورة الاتصالات الحديثة, اذ لا سبيل الى اللحاق بركب حضارة العلم المتقدم (علميا وتكنولوجيا) الا بانتهاج طريق العلم والتضحية والبذل والعطاء, واعلاء قيم التفكير, والعقلانية والموضوعية والحوار والاعتراف بالاخر في كل مجالات وميادين مجتمعنا العربي, لاننا بالعلم الهادف فقط نبني انسان المستقبل, ونواجه مشاكل وتحديات الزمن الحاضر والمستقبل. حاضر الامة ومستقبلها من خلال ما تقدم عن أهمية المستقبل في حياة الانسان والامة.. نؤكد على انه اذا ارادت امتنا العربية والاسلامية ان تفتح مسارات واسعة باتجاه امتلاك زمام المبادرة الحضارية في المستقبل وبالتالي المساهمة الخلاقة والمبدعة في بناء وصنع الحضارة الانسانية, فعلى قياداتها السياسية, ونخبها المفكرة الواعية ان تعيد الاعتبار المفقود الى موقع ودور العلم في حياتنا الشاملة كلها, وتقوم بايجاد حلول وعلاجات سريعة وفورية للازمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتلاحقة التي يعاني منها الانسان في مجتمعاتنا, وذلك من خلال تنمية الثروة والامكانات والموارد المادية المتوافرة عندنا, بالادارات العلمية الكفؤة والمعطاءة, وان تجعل من العلم والبحث العلمي المبدع الركيزة الاساسية لحركة الدولة والامة, على اساس فهم ووعي نوع الثروة وطرق تصريفها والاستفادة منها في طريق العلم والانتاج وتطور المجتمع. ان التحديات والاخطار المحدقة بأمتنا كبيرة جدا.. اذ اننا نواجه مشروعا صهيونيا توسعيا اقام بنيانة النفسي والمادي على دعائم قهرية دموية, وبني قاعدته (الدولتية) ـ اذا صح التعبير ـ على اشلاء القتلى والضحايا والابرياء, انه نظام دموي يهدد الارض والانسان معا.. ولايمكن مواجهته ومحاولة تقويض دعائمه ـ من خلال اعادة اذكاء روحية الصراع بين العدو وبين العرب والمسلمين واعتبار الزمن المقبل كله ساحة عامة لحركية هذا الصراع ـ الا بالسعي الدؤوب والصادق نحو امتلاك المستقبل وتحمل مسؤوليات العلم والعمل والحركة العلمية الانتاجية الفاعلة, من خلال السير على طريق المعرفة العلمية الصحيحة والمتوازنة التي يجب ان تدفعنا جميعا الى اعطاء العلم ما يستحق من عناية واهتمام في كل مواقع الحياة. والواضح ان واقعنا الحالي لايتحرك في هذا الاتجاه, بل على العكس من ذلك ان الكثيرين من ابنائنا لايثقون بالعلم والعلماء والثقافة والمثقفين, ويعملون على تعميم الجهل العلمي والثقافي والفكري, اي نشر الامية الثقافية والحياتية والجهل (عدم الوعي) السياسي والاجتماعي بين صفوف طاقات وكوادر المجتمع الشابة وخاصة بين اوساط النخب المتعلمة (الجامعية), وهذا ما نلاحظه من خلال طبيعة الاهتمامات الذاتية لشبابنا المتعلم الراهن.. انه وسط امي, ثقافيا وحضاريا وحياتيا, وليس لديه وعي اجتماعي او سياسي ميداني يمكنه من البحث عن خلفيات حركة الواقع السياسي والفكري واساليب حركة الاعلام. لذلك ـ وبالرغم من سيطرة وطغيان هذه الاجواء القاتمة والسلبية التي لايمكن ان تشكل قاعدة ثابتة لبناء بحث علمي حقيقي ـ فانه يجب علينا الا نحدق في اللحظة, بل علينا ان نعي الحاضر والمستقبل, علينا ان نكون امة المستقبل بان نعمل على سد ثغرات الحاضر, لان المستقبل هو مولود الحاضر.. وبمقدار ما نعمل على الاهتمام بهذا المولود (الحاضر الجنيني) وتربيته احسن تربية بمقدار ما يكون ذلك الجنيني ـ عندما يكبر ويصبح بالغا ـ مستقبلا واعدا وسليما ومعافى, وبمقدار ما نجمد خلافاتنا ـ التي نعترف بكثرة وجودها وضرورة اثارتها بطريقة علمية ومسؤولة ـ بمقدار ما نحصد في المستقبل نتائج ايجابية وثمارا يانعة على صعيد تعميق روح الوحدة والتضامن في مواجهة انقسامات الحاضر. لذلك نقول انه اذا كنا نهتم بأوطاننا ومسؤولياتنا وعروبتنا واسلامنا, واذا كنا نطمح لبناء امة مقتدرة في المستقبل, فعلينا ان نتوقف عن اثارة الخلافات والنزاعات والفتن والاضطرابات هنا وهناك.. وان نجمد الخلافات التي ليس لها دور في حياتنا سوى تفرقة وبعثرة وتشتيت طاقات الامة التي هي بأشد الحاجة اليها في عملية التحرر والتنمية والنهوض. ان مستقبل الامة (اية امة) يكبر وينمو ويتصلب ويشتد عوده كلما عملنا على بناء الانسان من الداخل واعتباره هو الاساس في حركة الدولة والامة وتربيته على تحمل المسؤولية والالتزام الواعي بقضايا مجتمعه وامته. كذلك نبني المستقبل كلما انطلقنا, بكل نشاط وفاعلية, من اجل ازالة النتوءات والعقبات والصعوبات من طريق المستقبل.. لتبقى له اصالته وقواعده الثابتة ثبات الحقيقة الصامدة امام تحديات ومغريات الواقع. ان مستقبل الامة مرهون بطبيعة فعلها الحاضر.. لتكون المعادلة التالية صحيحة: ما تعمله الامة في حاضرها كمقدمة, ستواجهه في مستقبلها حتما كنتيجة.. خيرا كان ام شرا, حقا كان ام باطلا.. الخ. لذلك يجب ان نعمل, في الامة ومع الامة, على ان نبني حاضرا قويا وصلبا ومنتجا في كل مواقع الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية.. نضاعف فيه من جهودنا ونفهم حركتنا وواجباتنا وادوارنا وموقعنا في هذا العالم المعولم. ننفتح فيه على الآخرين, لنكون جزءا حيويا مشاركا بفاعلية في سعي العالم الحضاري, من اجل بناء دولة وطنية قوية ومتماسكة ذات قدرات تنظيمية ومؤسسية وثقافية عالية.. لعلنا نصل ونهتدي الى مرحلة الانبعاث الحضاري المستقبلي التي قد نمتلك فيها بعض معالم وآفاق السيطرة والتحكم بالمستقبل. * باحث وكاتب سوري