أليس مؤسفا أن تصف الصحافة العربية عملية المصالحة الوطنية التي بدأت بين الفصائل الفلسطينية بالحلم العسير أو المطلب القومي الذي آن أوان تحقيقه.. ففيم إذن كان الخلاف؟ ثم دوافع الجنوح للوفاق؟.. وهل لا تزال ثمة فرصة متاحة لتجاوز واردات الماضي وتداعياته الوخيمة والتحشد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . الأمر يحتاج ولا شك إلى مراجعة أمينة لمسيرة الثورة الفلسطينية.. منذ اندلاعها مع أول رصاصة للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في يناير..1965 وقد نهضت هذه الثورة بعد مضى 17 عاما على النكبة.. كأول بادرة مضيئة لفجوة قومية فوق ركام الجحود والتعتيم واليأس الذي أحاط بالقضية الفلسطينية لكونها محور ولب الصراع العربي الإسرائيلي.. بعد أن كادت تغيب تدريجيا عن دائرة الاهتمام العربي وتتلاشى في أدراج النسيان الدولي! والشاهد أن الثورة الفلسطينية بدأت مسيرتها تحت قيادة موحدة وإرادة وطنية واحدة واستراتيجية متكاملة في إطار التنظيم السري لحركة فتح بزعامة ياسر عرفات.. وهذا التنظيم الانتقائي الذي لم يتجاوز بضع أفراد.. تشكل في مرحلته الفكرية والتعبيرية وسط الجالية الفلسطينية بالكويت.. انتقل في مرحلة المقاومة إلى داخل الأرض المحتلة ودول الطوق.. فلما اكتسب شعبيته وزخمه النضالي على نطاق أوسع عبر مشاركته في معركة الكرامة ضد العدوان الإسرائيلي إلى جانب الجيش الأردني تحت قيادة اللواء مشهور حديثة عام..1969 من هنا انفتحت شهية الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية إلى خوض غمار المقاومة المسلحة.. فشكلت لنفسها تنظيمات مستقلة عن حركة فتح.. وغيرها من التنظيمات حتى انشقت عن فتح.. بل إن عددا من الدول العربية شكلت تنظيمات موازية للمقاومة الفلسطينية تدين لها بالولاء.. في الوقت الذي انفتحت الأبواب على مصراعيها لانضمام من هب ودب إلى صفوف المقاومة دون الأخذ في الاعتبار المعايير السياسية والأمنية الدقيقة للانتقاء عند قيام تنظيم فتح فقد كان المجال متسعا لتسلل الجواسيس والعملاء والمخربين.. على نحو ما كشفت عنه حوادث اغتيال الزعامات الفلسطينية وآثاره التناقضات بين الفصائل المختلفة.. فيما كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان محكا لتعرية بعض ضباط الجيش الإسرائيلي والموساد الذين نجحوا في التسلل إلى هيكلها وتبوء مراكز هامة في قيادة المقاومة. ولا شك أن أوضاع الاحتلال وحالة الشتات قد أسهمت في بروز ظاهرة تعددية الولاءات السياسية والعقائدية و التنظيمية الفلسطينية والتي عكست سلبياتها على منظمة التحرير بصورة محدودة.. ثم بشكل ضار وخطير على إدارة آليات الثورة.. والتخبط الذي ساد مواقفها وخياراتها وما أدت إليه من انشقاقات تباعا.. بينما كانت الدروس المستفادة من التجربة الجزائرية أو الفيتنامية حاضرة.. عندما انخرطت طاقة الأحزاب والفصائل النضالية في صيغة جبهويه موحدة.. تحت قيادة واحدة.. تتبنى إستراتيجية ثابتة.. فلم يعد مناصا لأي من تنظيماتها ممارسة ترف الانشقاق والاختلاف أو الخروج على الإجماع الوطني مما أهلها للصمود وإنجاز مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي أو من الهيمنة الأمريكية في أكثر وقت داخل التضحيات؟ على أن الممارسات الفلسطينية المتباينة في إطار منظمة التحرير.. والتي اتسمت بالأساليب الوفاقية أو التوفيقية بين الآراء المختلفة.. تعرضت لاختبارات قاسية لم تكن لصالحها ولا لصالح القضية.. إثر قرار القمة العربية عام 1982 الخاص بالتجارب مع مبادرة الرئيس رونالد ريجان.. ولوح فيها بدور أمريكي شريك وضامن لعملية السلام.. ولأن ياسر عرفات كان حاضرا للقمة العربية في (فاس) ووافق على قرارها باعتباره رئيسا لمنظمة التحرير وبصفته رئيسا للتنظيم القائد (فتح) .. من هنا بدأت مرحلة جديدة من الانشقاقات والتحالفات بين التنظيمات الفلسطينية.. حول مدى جدية المبادرة الأمريكية.. مع إبقاء الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.. والاستمرار في سياسة الاستيطان الإسرائيلي.. وقد لعبت سوريا وخلافها مع الأردن الدور الرئيسي إزاء عملية التباين في مواقف التنظيمات الفلسطينية.. بينما انعقد المجلس الوطني الفلسطيني لأول مرة في ظل الخلاف السوري الفلسطيني الذي أسفر عن تكريس صياغة المحاور والاستقطاب داخل منظمة التحرير! ورغم المحاولات التي بذلت لتسوية الخلافات إلا أنها ظلت تتفاقم حتى ذابت أو كادت في اتون الانتفاضة التي اندلعت نهاية الثمانينات.. ومعها استعادت المنظمة سابق وحدتها التنظيمية.. ونهجها الديمقراطي في تسيير آلياتها وصدور قراراتها.. وإعادة تأكيد الالتزام بالثوابت الوطنية.. وعقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته عام 1991 لأخذ أهبة الاستعداد لمواجهة مسئولياته الوطنية الجديدة في مرحلة التسوية السلمية.. إيذانا بعقد مؤتمر مدريد في أكتوبر..1991 لكن سرعان ما عاد الخلاف بين التنظيمات الفلسطينية حول جنوح ياسر عرفات عن ثوابت الحل الشامل ونبذ الحلول المنفردة الذي أقرته القمة العربية والمجلس الوطني الفلسطيني. الآن تبدو الحاجة ماسة وحتمية لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية سابق حيويتها وفاعليتها.. لمواجهة المرحلة الراهنة الشاقة من مفاوضات التسوية السلمية.. بعدما كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي يهود باراك عن نواياه الصهيونية السافرة لفرض السلام الإسرائيلي فوق أشلاء الوطن العربي والأمة العربية برمتهما.. بداية بالقفز فوق اتفاق (واي ريفر) وتجاوز الالتزام بتنفيذه عبر دمجه مع مرحلة مفاوضات الوضع النهائي.. ومن ثم إلقاء مسئولية انهيار عملية السلام على عاتق الفلسطينيين.. إن لم يرضخوا إلى لاءاته الأربعة.. لا للقدس عاصمة لفلسطين.. لا لإ زالة المستوطنات وتلبية احتياجاتها للتوسع.. لا عودة للاجئين.. لا لأي كيان فلسطيني غرب الأردن غير منزوع السلاح. ولعل أول الغيث ـ كما يقولون ـ قطرة.. بعد ما لاح في الأفق بصيص نور وأمل في الوفاق والتراضي بين فصائل المعارضة الفلسطينية العشرة التي تتخذ من دمشق مقرا لها وداعمة لموقفها من ياسر عرفات.. وإذا كان السؤال المطروح كيف يتفق خلاف سوريا المستحكم مع ياسر عرفات.. مع سماحها لتلك الفصائل بالحوار مع فتح والوصول إلى صيغة وفاقية تؤمن الحد الأدنى مع وحدة الصف والقرار الفلسطيني.. فإن الإجابة موصولة إلى حد كبير بالتمهيد التكتيكي لمفاوضات التسوية على المسار السوري.. عبر قطع دمشق صلاتها مع تلك المنظمات المتشددة التي تتهمها أمريكا بممارسة الإرهاب.. وربما من قبيل إسهام دمشق بدور أمني في وتيرة التضامن العربي في مواجهة استحقاقات السلام على مختلف المسارات! ومن هنا يجمع المراقبون على أن تمسك الجبهة الشعبية بزعامة جورج حبش في حوار رجلها الثاني أبو علي مصطفى مع تنظيم فتح.. بعدد من المطالب كمقدمة للتراضي والوفاق بين التنظيمين.. إيذانا بلقاء ياسر عرفات مع حبش.. لا تعد كونها محاولة لنقد الممارسات التي انفردت بها القيادة الفلسطينية في غياب التنظيمات المعارضة.. أكثر منها شروطا للمصالحة بعد أن تجاوزتها المتغيرات.. وبينها الاعتراف بخطأ التوقيع على معاهدة مدريد.. وإلغاء بند العداء لإسرائيل من الميثاق الوطني الفلسطيني.. إذ في كل الأحوال تبدو هذه الشروط والمطالب صائبة من الناحية السياسية تكنيكيا.. فإذا كان باراك يعتزم المراوغة وكسب الوقت للتراجع عما تم الاتفاق عليه من خطوات التسوية السلمية العادلة في مدريد وأوسلو.. فليس أمام الفلسطينيين خيار آ خر سوى التراجع عن الاعتراف بإسرائيل والعودة إلى خيار البندقية أو الانتفاضة الشعبية.. خاصة بعد ما تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن 99% من أوراق السلام العادل في يد العرب لا يد أمريكا!