ثمة لقب يحمله مانديلا بعد تقاعده من أعباء الحكم, اذ يسمونه (القديس الذي يعيش بيننا). والرجل اقرب ما يكون الى شخصية المهاتما غاندي.. رمز يجمع بين المثال الاخلاقي والحنكة السياسية، عندما اصدر الزعيم الجليل نيلسون مانديلا كتابه الشهير بعنوان(الطريق الطويل الى الحرية)اصبحت سيرة حياته وملاحم النضال والمعاناة التي خاضها من اجل شعبه قصة يرويها اجيال لأجيال. ومن بين الملايين الذين تأثروا بهذه الحكاية البطولية التي عاشها الزعيم الافريقي الذي يعيش اليوم على عتبات العقد التاسع من عمره.. كان المنتج السينمائي (انانت سنج) , وهو فنان رقيق الحاشية ـ ويعد من المحترفين ذوي الخبرة الطويلة في صناعة السينما وطالما خاض تجارب لانتاج افلام بعضها كان بميزانية معقولة وبعضها كان يستند الى النذر اليسير من الاموال التي تضمها ميزانية متواضعة ان لم تكن فقيرة في بعض الأحيان. انتاج فيلم العمر لكن ها هو الفنان انانت سنج وقد قرر ان ينتج (فيلم العمر) كما قد نسميه عن حياة الزعيم مانديلا ـ ومثل اي فنان مطبوع.. فان مثل هذا المشروع يبدأ في مرحلة المخاض على شكل حلم كبير.. جميل ولكنه ايضا باهظ التكاليف.. جاء الحلم على غرار افلام كبيرة.. ملحمية التحقيق.. جليلة التناول.. شامخة الصناعة.. قدر جلال وشموخ الشخصيات التي تعرض لها والاهداف الفنية الانفعالية التي تحرص على تحقيقها, افلام من طراز غاندي الذي قدمه مخرج انجليزي.. او (لورنس العرب) الذي قدمه مخرج امريكي او (عمر المختار) الذي قدمه المخرج العربي الكبير المقيم في امريكا الفنان مصطفى العقاد الذي مازال يحلم بدوره بفيلم كبير شامخ له شخصية الزعيم القومي جمال عبدالناصر. هنا نفتح قوسا واسعا الى حد ما نضيف ان لورنس لم يكن شخصية لا بطولية ولا ملحمية ولكن عمد القوم الى تكريس دوره والى ابراز حقبة كانوا يتعاطون معها من مراحل التاريخ العربي المعاصر في مستهل هذا القرن.. وهي مرحلة ما اطلق عليه الثورة العربية الكبرى (1915) بقيادة الشريف حسين بن علي الهاشمي, وكان لورنس يلعب فيها دورا تحريضيا سواء في الميدان وهو صحراء شمال الجزيرة العربية او في التقارير التي كان يبعث بها الى رئاسته في قلم الاستخبارات البريطانية بالقاهرة ولقد تضيف الى هذه الافلام الكبيرة فيلم الرسالة الذي اخرجه ايضا مصطفى العقاد وان لم يكن يدور حول سيرة شخصية ملحمية بعينها. من الحاكم الى الحكيم وكم احسن الزعيم مانديلا حين اختار التقاعد السياسي وحين خفق قلب العالم وهو يشهده منذ اشهر قليلة يسلّم الراية الى خليفته مبيكي ـ الرئيس الحالي لدولة جنوب افريقيا. هكذا تحول العم نيلسون من حاكم ورئيس وكم في سجل التاريخ من حكام ورؤساء.. ليصبح في مكانة الحكيم والشيخ الجليل.. والزعيم ـ الرمز الذي تجسد حياته وكفاحاته وعذاباته ومآثره منظومة من القيم الشريفة النبيلة التي يرنو الى تجسيدها كل من يندب نفسه للعمل العام. وكل من ينطلق من رؤية تستند الى عشق الوطن والكفاح من اجل الحرية والعدل.. لا لنفسه ولكن للأمة التي ينتمي اليها. ميزانية الفيلم الذي يحكي حياة نيلسون مانديلا وضعوا لها رقما مبدئيا هو 16.1 مليون دولار.. كما خططوا لبدء تصويره في الاشهر القليلة المتبقية من عام 1999 الحالي وفي عزمهم ان ينطلق العرض الأول من جوهانسبرج ـ عاصمة جنوب افريقيا في شهر اكتوبر من عام 2000 بمشيئة الله وسط حفل عالمي مشهود وتحت نفس العنوان الذي اختاره الزعيم الافريقي لقصة حياته في الكتاب الذي اشرنا اليه. المسيرة الطويلة الى الحرية وكم شعر المنتج السينمائي سنج بالسعادة حين فاتح الزعيم مانديلا في مشروع انتاج الفيلم ـ فاذا به يحصل منه على تفويض كامل ـ كارت بلانش كما تسميه الناقدة (اليزابيث بادن هورست) لتحويل الكتاب الى عمل سينمائي كبير. ومن ثم شمر الفنان عن ساعد الجد فاختارواحدا من اساتذة كتابة السيناريو الحاصلين على جوائز كبرى اسمه ويليام نيكلسون الذي يعكف حاليا على وضع الاطر العريضة للسيناريو, وتتمثل مهمته في اختصار وتكثيف كتاب الزعيم المنشور ـ مع الاضافات الفنية اللازمة الى عمل مصور يمكن عرضه على الشاشة الفضية على مدى ساعتين ونصف... بمعنى ان يختصر وقائع حياة حافلة تواصلت 70 عاما ما بين معازل البانتوستانات التي فرضها حكم الابارثيد العنصري الابيض على الاغلبية السوداء في جنوب افريقيا ايام سطوة المستوطنين المنحدرين من اصول اوروبية ـ جرمانية وانجلوسكسونية بالذات... وبعدها تتحول سيرة الى وقائع حياة مانديلا المثقف المتمرد الشاب الذي يعتنق افكارا يسارية... لا لكي يلوك الشعارات الراديكالية في صالونات الصفوة ومقاهي الثرثرة... ولكن لكي يخوض بها غمرات نضال الشارع ينظم فيها صفوف قومه الافارقة ويبث الوعي بين صفوفهم بان لهم حقوقا في الوطن وفي الموارد وفي الكرامة والعدل فيما كان مانديلا يتواصل في عقد الستينات مع حركات التحرير ومواقع الثورة والنضال ضد الاستعمار في مجلس القارة الافريقية... ما بين مواقع الزعيم نكروما في اكرا أو الزعيم سيكوتوري في كوناكرى او مواقع الزعيم ناصر في القاهرة. وبعدها دخل نيلسون الثائر غياهب سجن العنصرية الرهيب ليبقى فيه 27 عاما... ظل فيها رمزا لكل ما هو صلب وشريف ووطني وعادل بالنسبة لقومه وبالنسبة لكل المتشوقين الى الحرية والعدل في اقطار العالم الثالث ومن بعد السجن, تواصلت فصول الملحمة الى حيث تولى مقاليد الامور في جنوب افريقيا وحيث النجاح... وكان مدويا بارزا بل وباهرا في توقي آتون حرب اهلية سواء بين السود المتطلعين الى السيطرة على مقاليد بلادهم وبين فلول العنصريين من البيض ـ سادة الامس المحفوف بكل ذكريات العذاب والظلم. او بين فصائل السود الافارقة انفسهم بفعل الحزازات القبلية والثارات العشائرية وما أكثرها... وما اخطر عقابيلها... وافريقيا مثخنة اليوم بجراحاتها في اكثر من موقع ومكان ويكفي ان تتأمل مثلا ما حدث وما يحدث من صراعات دموية تصل الى حد ابادة البشر او القتل الجماعي في رواندا وبوروندى والصومال والحبشة ـ اريتيريا ـ وغينيا بيساو وسيراليون وجمهورية افريقيا الوسطى والحبل ـ كما يقولون ـ على الجرار وليس من بصيص ضوء في نهاية النفق المعتم للاسف الشديد. الديمقراطية اهم منجزات مانديلا اعظم ما سوف يبرزه الفيلم المرتقب هو نجاح زعامة مانديلا في الانتقال السلس والسلمي بجنوب افريقيا من تحكم الاقلية الى حكم الاغلبية وفي توقي حمامات الدم وفي الحفاظ على نقاء وجلال الثورة التي بشر بها وفي رفع شعار يقول في بساطة: ـ نحن قد نصفح... ولكننا لن ننسى وهو الشعار الذي مازالت تحمله الهيئة المسند اليها التحقيق في جرائم العنصرية في العهود السابقة والتي تحمل بدورها لافتة تقول: ـ لجنة الحق والمصالحة (او التسامح) اكثر من هذا... تتمثل عظمة مانديلا في انه تحول ببلاده على هذا النحو الذي اسلفنا ـ الى حكم الاغلبية... ولكن على اساس ديمقراطي يقوم على الانتخاب الحر المباشر وعلى تكريس وتثبيت ارادة جموع الناس في القرى والمدن والغابات والارياف كي يختاروا ممثليهم ويتعودوا على حقيقة تداول السلطة وانتقال مقاليد الامور. لا لممثلين من هوليوود من ناحية اخرى.. اسندوا مهمة اخراج الفيلم الى المخرج من اصل هندي كابور الذي نال اعجاب المنتج بفضل فيلمه الاخير الذي اخرجه بعنوان (اليزابيث) مما رشح المخرج القدير للفيلم الملحمي المنتظر عن الزعيم الافريقي. سألوا المنتج: هل تستخدم ممثلين من هوليوود؟ ولقد كان عند حسن الظن به حين اجاب ليس في الادوار الرئيسية ـ او ادوار البطولة.. وربما نسند ادوارا مساعدة (ثانوية) الى ممثلين امريكيين, نحن لانريد اي شيء ينال من مصداقية الفيلم, ولقد اجرينا مقابلات مسهبة وعديدة مع مجموعات ممن عاصروا وعايشوا مانديلا في مراحل شتى من حياته ونضاله: رفاقه في السجن الطويل زوجته السابقه (ويني) محامون واصدقاء,ولسوف يتم تصوير الفيلم في مواقع مختلفة من جنوب افريقيا.. جوهانسبرج, كيب تاون, ترانسكاى ثم روبن آيلاند.. وما ادراك.. حيث اودعوا الزعيم الافريقي (الشاب) مانديلا في غياهب السجن.. وبعدها تنتقل الكاميرا الملحمية الى مواقع اخرى خارج الحدود.. الى لندن ومرسيليا. وبالنسبة للذمة او المحاكاة التاريخية.. صادف صانعو الفيلم الجديد حظوظا متباينة. واسعدهم الحظ ببقاء اماكن ومواقع تاريخية على حالها القديم.. ومنها مثلا سراي العدالة الذي شهد محاكمة مانديلا وخطابه الشهير امام قضاته الظالمين.. ومنها ايضا مكاتب المحاماة القديمة التي كان قد اتخذها مانديلا واوليفر تامبو ومنها كما اسلفنا روبن آيلاند. من ناحية اخرى.. ضاعت عليهم اماكن ومواقع اخرى شهدت احداثا تاريخية مثل حي (صوفيا تاون) وكان من انشط احياء السود في جنوب افريقيا واكثرها حيوية اذ كان حافلا برموز الحركة الوطنية وشبابها المتحمسين.. ولم تكن مصادفة ان اصدرت سلطة المستوطنين العنصرية الغاشمة امرا بازالته تماما من فوق ظهر الارض في عقد الخمسينات.. (هو نفس النمط التدميري المقيت الذي ما برحت تستخدمه السلطة الاسرائيلية الغاشمة بحق بيوت واحياء العرب في فلسطين المحتلة). وضاعت ايضا معالم (ميدان الحرية) الذي اعلنت فيها الحركة الوطنية الافريقية ميثاق الحرية, بوصفه صكا تعاهدت عليه قياداتها من اجل انعتاق شعبها وتطوير حياته واستعادة حقوقه التي طالما اغتصبها المستوطنون البيض, هكذا قرر صانعو الفيلم ان يعيدوا بناء كل هذه المعالم والمواقع ويبثوا فيها بروح الفن حياة تحاكي ما شهده ماضي الكفاح منذ نصف قرن من عمر الزمن. من الطفولة الى الكهولة يقضي السنياريو المبدئي او الهيكلي كما تسميه النافذة بادن هورست (مجلة وورلدبرس عدد سبتمبر 1999) بان يشمل الفيلم 167 دورا ناطقا يؤديها ممثلون وممثلات ولكي ندرك جسامة هذا الحجم من ادوار الفنانين, يكفي ان نذكر ـ على سبيل المقارنة ـ ان فيلما ضخما في حجم (تيتانيك) الذي بهر الناس وحصد الجوائز العالمية في العام الماضي كان يضم 90 دورا فقط لممثلين ناطقين. وبالمناسبة, يتطلع صانعو فيلم مانديلا الى جوائز الاوسكار الشهيرة لهذا الفيلم الكبير الناطق بالانجليزية وسوف يسندون دور البطولة فيه ـ لا الى ممثل واحد ـ يغيرون بالماكياج ملامحه من الشباب الى الكهولة الى الشيخوخة.. كما كان مخططا في البداية, بل الى اربعة ممثلين ـ امعانا في المصداقية, يلعب كل منهم طورا بعينه في حياة الزعيم الافريقي الكبير طفلا وصبيا وشابا(25 ـ 45 سنة) ثم كهلا ناضجا وشيخا جليلا (45 ـ 75 سنة). سألوا المنتج سنغ عن مدى شعوره بمسؤولية انتاج فيلم عن حياة نيلسون مانديلا, فأجاب: ـ ثمة لقب يحمله مانديلا بعد تقاعده من اعباء الحكم اذ يسمونه (القديس الذي يعيش بيننا) والرجل اقرب ما يكون الى شخصية المهاتما غاندي, لانه يحوز الاعتراف العالمي بوصفه رمزا نابضا للحياة يجمع بين المثال الاخلاقي والحنكة السياسية.. لا عجب ان يشكل الفيلم الذي يحكي بصدق قصة حياة بهذا المستوى, مسؤولية جسيمة. كاتب سياسي من مصر