عادت مسألة التوطين ـ اي توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي طردوا اليها خلال الحروب العربية الاسرائيلية ـ تطرح من جديد مع اقتراب موعد التسوية النهائية ومعها عادت المخاوف التقليدية تطل برأسها . الجديد في هذا المجال هو خوف بعض العواصم العربية من ان يصبح التوطين امرا واقعا نتيجة رفض اسرائيل القاطع اي عودة للاجئين الفلسطينيين. ينبغي القول بأن الدول العربية قاومت طويلا ولا تزال فكرة تجنيس الفلسطينيين او توطينهم باستثناء الاردن. وكان الهدف المعلن هو تفويت الفرصة على اسرائيل! وعدم منحها خدمة جليلة مجانية تتمثل في اعفائها من مسؤولية احتلال فلسطين وتشريد اهلها. سيما ان قرارات الامم المتحدة الخاصة باللاجئين تنص على ايجاد حلول لهؤلاء بما في ذلك حق عودتهم الى وطنهم. القيادة الفلسطينية ولنفس السبب قاومت هي الاخرى اي محاولة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية رغم انها سعت الى تأمين وضعية خاصة لهم تؤمن لها الحصول على المقاتلين والدعم كلما احتاجت لذلك. ومنذ الخمسينات وحتى الثمانينات لم يكن هناك مشكلة فقد اكتفي بإنشاء مخيمات خاصة للاجئين (الذين وفدوا باعداد كبيرة منذ نكبة فلسطين مرورا باعوام الخمسينات وحرب يونيو 1967) على مشارف العواصم والمدن العربية في سوريا ولبنان والاردن. واعتبرت هذه المخيمات حلا عربيا مؤقتا, ريثما يتم تحرير الارض والقضاء على اسرائيل وعودة الفلسطينيين الى بلادهم. ولذلك لم يجر اتخاذ اي اجراء او ترتيب اي حق انساني او قانوني او اجتماعي او اقتصادي سياسي لهؤلاء, بما في ذلك الحالة التي لا يتمكنون فيها من العودة الى بلادهم لاي سبب من الاسباب. اللاجئون انفسهم اقتنعوا او ربما لم يفكروا مليا بوضعهم هذا فقد كانت تراودهم احلام العودة سريعا الى مدنهم وقراهم في فلسطين, وهم اعتبروا المخيمات وضعا مؤقتا لن يلبث حتى يزول. كان حلم العودة يكبر مع الوقت, والحنين يتزايد الى الوطن وينقله الآباء الى الابناء وهؤلاء ينقلونه الى الاحفاد. وعلى هذا الحلم وذلك الحنين تربت اجيال عديدة من فلسطينيي المخيمات ممن لم يروا فلسطين ولم يعرفوها سوى مما تتناقله الشفاه ويعلق بالذاكرة. لكن الزمن يمر والسنوات تطوي وحلم العودة يتضاءل ويبعد, اسرائيل بالمقابل تكبر, تتوسع, تقوى وتستقبل مئات الآلاف والملايين من المهاجرين امام ناظريهم وهم لا يزالون في مخيماتهم. هم بدورهم يتزايدون, الاحفاد يكبرون والابناء يتزوجون وينجبون لكن المخيم ثابت لا يسمح له بالتمدد بوصة واحدة.. تزدحم ازقته الضيقة وبيوته الهرمة باللاجئين. يضطر اجيال من هؤلاء ممن تسمح لهم ظروفهم بالهجرة الى المنافي الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج, اما من يبقى منهم وهم الاكثرية فعليه ان يكابد (جحره الآدمي) اذ هو معلق في السماء لا يستطيع الهبوط على الارض او الطيران الى بقعة اخرى. وحتى عقد الثمانينات كانت المخيمات الفلسطينية تتمتع بشيء من الحماية, وشيء من الكرامة, بفضل الوجود القوي لتنظيمات المقاومة الفلسطينية وبفضل التزام الدول العربية المعلن بالقضية الفلسطينية. لكن بعد حرب الخليج الثانية, وبعد توقيع اتفاقات السلام مع اسرائيل نفض الجميع ايديهم عن قضية اللاجئين وتركت المخيمات كي تواجه مصيرها البائس بنفسها. صحيح ان اتفاقات اوسلو نصت على ترك مسألة اللاجئين (ضمن قضايا اخرى) لمفاوضات الوضع النهائي. لكن ما من احد يتوقع ان تقبل اسرائيل بعودتهم الى فلسطين وان اقصى شيء قد تقبله هو تعويضهم ماديا. لكن التعويض لا يحل المشكلة لان الدول العربية ترفض توطينهم تماما.. فما الحل اذن والى اين يذهب هؤلاء؟ لبنان نموذجا! تعتبر المخيمات الفلسطينية في لبنان حالة نموذجية تختصر قضية التوطين والملابسات المحيطة بها, فهنا يتفق الجميع الى حد التماثل التام وبصورة علنية على رفض مجرد فكرة توطين الفلسطينيين وليس التوطين بحد ذاته. ويمكن القول بأن موقف لبنان الرسمي يندرج ضمن المواقف العربية المعروفة من هذه القضية والمتعلق بعدم منح اسرائيل فرصة التملص من هذه المشكلة. غير ان اللبنانين من الناحية الفعلية ينظرون الى الامر وفق دوافع مختلفة. ويمكن القول اجمالا بأن لجميع الفرقاء اللبنانيين مآخذ بهذه الدرجة او تلك على ادماج الفلسطينيين في المجتمع المحلي او تجنيسهم. ولهذا السبب شجعت الدولة اللبنانية الفلسطينيين على الهجرة للخارج وفي الوقت نفسه فرضت قيودا صارمة على شروط الحياة في المخيمات الفلسطينية. وبالاضافة الى اوضاعهم الاقتصادية والمعيشية البائسة والمزرية لا يسمح للفلسطيني بأن يدق مسمارا في جدار بيته, او اصلاح بابه المتهالك او صيانة نظام الصرف الصحي القذر داخل المخيم, وهذه حالات حقيقية وواقعية وليست مجازية. لكن كل هذه الاجراءات وان نجحت في دفع بعض الفلسطينيين من المحظوظين للهجرة, إلا ان غالبية سكان المخيمات وهم من المعدمين ظلوا يواصلون حياتهم فيها, دون ان يملكوا اي خيار او بديل. ان مشكلة هؤلاء الحقيقية في الواقع سوف تبدأ مع بداية مفاوضات الوضع النهائي بين السلطة الفلسطينية واسرائيل. واذ يتوقع ان ترفض هذه الاخيرة اي حل لمشكلة اللاجئين يقضي بعودتهم الى مدنهم وقراهم سواء في اسرائيل او اراضي الدولة الفلسطينية في حالة قيامها فإن لبنان سوف يرفض هو الآخر الابقاء على اللاجئين الفلسطينيين على ارضه بعد ذلك التاريخ. والسؤال هو: كيف سيجري التعامل مع هذه المشكلة؟ اعتقد انه من واجب الجامعة العربية (وبالتعاون مع الامم المتحدة) ان تبحث عن حلول عملية لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين, بعد ضمان حصولهم على تعويضات مناسبة من اسرائيل ثم اعطائهم حق اختيار البلد الذي ينوون التوجه اليه. ان من الافضل بالطبع ان يعود هؤلاء الى بلدهم الاصلي فلسطين فهذا هو حقهم الطبيعي, الذي كفلته لهم القوانين والقرارات الدولية. لكن اذا كان ذلك غير متوفر الآن فمن الواجب توفير حياة حرة وكريمة لهم في البلد الذي يوجدون فيه. اما اذا كان هذا الخيار ايضا غير متوفر فلا اقل من ان يمنحوا الحق في اختيار البديل المناسب. اما الاصرار على ابقائهم في وضعهم الحالي الى ما شاء الله فليس سوى امعان في تصفيتهم جسديا ومعنويا.