برحيل الملك الحسن الثاني يكون العالم العربي قد فقد علما من اعلامه, ولاعبا بارعا, اتقن لعبة الحكم, كما اتقن فن البقاء في مواجهة العواصف, فالعاهل الراحل كان قائدا عربيا بارزا في التاريخ المعاصر , عايش فترة كفاح والده محمد الخامس ضد الفرنسيين, وجرب النفي معه وتزود بالعلم والمعرفة والتحصيل العلمي وصقلته تجربة الحكم منذ تتويجه ملكا وبعده فقد وضعه والده في محك الاختبار غير ذات مرة حين خيره بين ان يكون ملكا, وبين ان يكون واحدا من عامة الناس, فاختار الملك, وكانت تبعية ذلك ان انحاز الى العلم والمعرفة, فتوسم فيه والده محمد الخامس الخير, وادرك بحاسته وبصيرته, بأن ابنه سيكون له شأن ومنزلة في المستقبل في بلاده وخارجها وهذا ما تحقق فعلا, فحين تولى الملك الحسن السلطة كانت الاوضاع غير مستقرة, والقلاقل والفتن والاضطرابات منتشرة, والمعارضة في حالة استنفار, واعداء النظام يزدادون يوما بعد يوم, فقام بجهد كبير لارساء دعائم الاستقرار في مملكته حين التقى في منتصف الطريق بمعارضيه وخصومه, فضمن لبلاده استقرارا سياسيا وسلاما اجتماعيا بعد ان تعرض لمحاولة الاغتيال الثانية على يد الجنرال اوفقير وزير داخليته القوي, والتي نجا منها بأعجوبة وبعناية الله, وبما عرف عنه من ذكاء حاد ساعده في تلك اللحظة الحرجة لتفادي نهاية محتومة. فيذكر ان الملك الحسن الثاني حين تعرضت طائرته للقصف, ولم يكن بعد هو قد اصيب قد اوعز الى قائد طائرته بمخاطبة قادة المتمردين, مؤكدا لهم, موت الملك ومطالبا بوقف ضرب الطائرة حفاظا على بقية طاقم الطائرة وعدم اراقة دماء اخرى, فكانت الاستجابة سريعة لنداء قائد طائرة الملك فتوقف القصف, ونزل الملك من الطائرة الى قصره سالما, ونجح في احباط المحاولة الانقلابية, مما يدلل على فطنة العاهل المغربي في معالجة المشكلات الصعبة التي واجهته وهذه واحدة منها. كذلك لم تكن اوضاع الحريات وحقوق الانسان بأفضل حظا من غيرها من بلدان العالم العربي والعالم الثالث, بالرغم من قرب المغرب من اوروبا, لذلك كانت هذه المرحلة, وهي مرحلة تسلم العاهل المغربي لزمام السلطة في بلاده, وهو في سن اصغر من سن ابنه حاليا وكانت مملكته تعاني من انتهاكات في مجال حقوق الانسان والرفض الكامل لدور المعارضة والغياب التام لدولة المؤسسات الدستورية, والنظام البرلماني والممارسات الديمقراطية, ولكن الملك وبحسه الوطني وبذكائه ورغبته في التغيير, وبفضل ثقافته الواسعة واطلاعه على التجارب المتقدمة, وبفعالية المؤسسات الدستورية فيها سارع الى تنظيم شؤون الحكم على قاعدة الشرعية الدستورية وافسح المجال لقوى المعارضة لخوض الانتخابات, واستلام السلطة, ولم يترك الدنيا حتى كانت الديمقراطية ونظام التبادل السلمي للسلطة واقعا سياسيا معاشا في المغرب فقد اجرى الملك الحسن رحمه الله, تعديلات دستورية جوهرية على مسارات عدة, جاءت لمصلحة المعارضة والحياة الديمقراطية, مما اشاع انفتاحا عاما على مختلف التيارات كانت نتيجته المشاركة الحقيقية لاحزاب المعارضة في الحكم بعد انتخابات اتسمت بالنزاهة والحياد, وتولت المعارضة رئاسة الحكومة وتقلد عبدالرحمن اليوسفي منصب رئاسة الوزراء او منصب الوزير الاول كما يسمونه في المغرب, وهو المعارض البارز الذي كان محكوما عليه بالاعدام, كما تم تخصيص حقيبة وزارية في هذه الحكومة لحقوق الانسان زيادة في ضمانات واستحقاقات الحريات. واستطاعت احزاب المعارضة بهذه الاصلاحات الدستورية التي ادخلها الملك الحسن الثاني, ان تمارس دورها بحرية مطلقة, وان تصدر مطبوعاتها الصحفية الخاصة بها والتعبير عن برامجها وافكارها, ومخاطبة جمهورها ومناصريها من مختلف الطبقات, وكذلك ممارسة النقد للاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية, دون خوف من سلطان او مسؤول, وهذه السمة, اصبحت واضحة في الحياة السياسية في المغرب. حيث لايوجد حكر على المطبوعات او السماح لها بالتداول داخل حدود المملكة دون رقابة بما فيها تلك التي تحمل نقدا للاوضاع السياسية في البلاد, وهذا ما اكده وزير الاعلام المغربي محمد العربي المساري امام الجمعية العمومية لاتحاد الموزعين العرب في المغرب العام الماضي, حين قال ان المغرب قد استغنى عن الرقابة التقليدية للمطبوعات حتى ولو كانت لاتتفق مع سياسته ايمانا منه بحرية الرأي والتغيير, هذه الانفراجات التي شهدها المغرب في عهد الملك الحسن الثاني انعكست ايجابا على مجمل الاوضاع المغربية داخليا وخارجيا ونقلت صورة ناصعة عنه, وتجربة هي حديث السياسيين والاعلاميين في مختلف دول العالم, وبخاصة في مجال الحريات, وقيام دولة القانون والمؤسسات, والمشاركة الفاعلة للمعارضة في صنع القرار فكانت محصلة تلك الاجراءات التي قام بها الملك الراحل تجاه مواطنيه, بمثابة اجمل واغلى هدية يقدمها الملك الحسن الثاني للشعب المغربي وهي حق الاختيار وحرية التعبير, فكانت نتيجة هذه المبادرات ان أحبه المغاربة في حياته وبكوه في مماته ولاشك فان فقدان رجل وزعيم بهذه المواصفات وهذه الانجازات يشكل خسارة كبيرة على المستوى الداخلي وعلى المستوى العربي والدولي, الرجل له مآثر كبرى داخل بلاده وفي دائرة وطنه العربي وكان حلمه في اتفاق العرب حول مشروع نهضوي يحقق للامة العربية استعادة مكانتها الحضارية بين أمم الارض, وقد بذل في سبيل تحقيق هذا الحلم الجهد الكبير من خلال ترأسه لاكثر من قمة عربية انعقدت في المملكة المغربية, وساهم في حل الكثير من القضايا التي كانت تعترض العمل العربي, نظرا لعلاقاته المميزة مع اغلب قادة العالم العربي, فشخصيته تتميز بالانفتاح السياسي, وتستحوذ على حب اكثرية القادة العرب, وذلك لتمتعه بالسمعة الحسنة, وامساكه بالكثير من مفاتيح الابواب السياسية في الوطن العربي, وتقديرا لهذا الدور والمكانة العالية التي يقف عليها العاهل المغربي الراحل, كان من المقرر ان تعقد القمة العربية المنتظر انعقادها في المملكة المغربية, الا ان ارادة الله سبحانه وتعالى كانت اسبق ومن المتوقع ان يحرص القادة العرب, على عقد القمة العربية في المغرب, باعتبارها دعما معنويا للملك الجديد, والمتوقع ان تكون لمحمد السادس سياسته ومنهجيته الخاصة, في ادارة الدولة, ولن تكون بالضرورة استمرارية للسياسات المتبعة في عهد والده, فالملك الجديد بحكم تكوينه الشبابي, ودراسته القانونية, وثقافته العربية والاجنبية, واستفادته من تجربة والده ومدرسته السياسية, سوف تكون أمامه مرتكزات اساسية لفلسفته ورؤيته للسلطة, لاسيما وان هناك ملفات وقضايا عديدة, تحتاج من الملك الشاب, ادخال تعديلات وتغييرات جوهرية, على موضوعاتها, واحداث نقلة نوعية تطال مختلف القضايا سياسية منها ام دستورية ام اقتصادية ام اجتماعية, تدعم وتعزز من مكانة المغرب داخليا وخارجيا. ان دراسة الملفات التي آلت اليه من والده دراسة دقيقة, حتى تكون القرارات الصادرة بشأنها صائبة, تترتب عليها نتائج ناجحة تخدم مصالح المغرب في شؤونه الداخلية, وعلاقاته الخارجية في الالفية الثالثة, لا سيما في مجال حقوق الانسان, وصيانة الحريات, خاصة وان العاهل الجديد له دور فعال في المشاركة في تلك القرارات في عهد والده وهو من المؤمنين والمتحمسين لها. اذن المرحلة المقبلة للمغرب ستكون برؤية مختلفة باختلاف الجيل, وستشهد ادخال دماء جديدة تقتضيها طبيعة المرحلة, ومستجدات الاحداث, وتشكيل الطاقم الجديد المنسجم مع العهد, فالرؤية المرتقبة للعاهل الجديد ستكون بلا شك امتدادا للمرحلة الماضية, ولكنها ايضا بطرح واسلوب جديدين مكملين للماضي ومجددين له ومضيفين اليه, ويعتمد في طرحه وتنفيذه على روح الشباب وحماسته, والتسلح بالمهارات العلمية والخبرة الميدانية التي تحصل عليها خلال الفترة التي تولى فيها الملك الجديد مهام ولاية العهد. فهناك آمال وطموحات يضعها المغاربة على الملك الجديد, لا سيما في اطار الاستمرارية في تحسين علاقة الشعب بالسلطة, واحترام حقوق الانسان والحريات العامة وقضايا الممارسة البرلمانية, وطرق الارتقاء بهذه العناصر وتدعيمها, وتمتين العلاقة مع قوى المعارضة بما يخدم القضايا الوطنية, ويحقق للمغرب المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية. كما ان معالجة ملف قضية الصحراء المغربية الذي يعد من الملفات الساخنة حيث كبدت الخزينة المغربية اموالا طائلة, واعاقت مشاريع التنمية المتعاقبة, هذا الملف الذي يحمل ارث الماضي وقلق الحاضر والمستقبل, منذ انسحاب القوات الاسبانية من الصحراء المغربية في عام ,1975 والتي وحدت مواقف السلطة والمعارضة, حول هذه القضية المصيرية, التي تمثل تهديدا لأمن وسلامة المملكة, هذا الملف يحتاج من الملك الجديد جهدا كبيرا في المرحلة المقبلة, وقبل اقتراب موعد الاستفتاء في عام الفين وما يترتب على ذلك من نتائج واستحقاقات سيكون لها آثارها على مستقبل المغرب. ومن الملفات التي ستشهد قرارات هامة تحسين العلاقة مع الجزائر, والتي بدأت بوادرها في عهد والده الراحل, وبخاصة منذ تولي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة مقاليد السلطة في الجزائر, بعد توتر وقطيعة دامت لسنوات طويلة, ولكن للاشارات المتبادلة بين البلدين في هذه المرحلة بوادر على اقتراب حل الخلافات بينهما حيث شارك الرئيس الجزائري في تشييع جنازة الملك الراحل, وتلقى العاهل الجديد وولي عهده برقيتي مواساة من الرئيس الجزائري احتوت كل منهما على عبارات تدعو الى التقارب وبثتهما تلفزة البلدين, وقد صيغت البرقيتان بلغة جميلة ومؤثرة توحي بجو التفاؤل المرتقب بتحسين العلاقات بين البلدين. فالملك محمد السادس امام ملفات عديدة داخلية وخارجية, ومعقود عليه وعلى فترة حكمه آمال كبيرة لتجاوز كل تلك الملفات وتحقيق تقدم في كل المجالات انطلاقا من ان الملك الجديد يحمل مؤهلات جديرة بأن تجعله في وضع القادر على معالجة تلك القضايا, فيكفي انه قد تعلم في مدرسة والده الحسن الثاني الذي ختم حياته ختاما كريما حين اشاع واطلق جو الحريات, وترك لابنه وخليفته محمد السادس ارثا ديمقراطيا, سيضمن له بداية قوية على طريق تعميق وانفتاح هذه التجربة. واذا كان الملك الجديد قد عاش في الظل في حياة والده فلم تظهر للناس ملامح واضحة لاسلوبه في الحكم والادارة, الا انه كان مشاركا ومطلعا على معظم تلك الاجراءات ولانه يتمتع بثقافة واسعة, بفضل ما احاطه به والده من معلمين, وبمعرفته ودراسته لتجارب الانظمة الملكية المعاصرة وبخاصة الاوروبية التي حلت مشكلة تركز السلطة والاستفادة من العقل الجماعي للامة, وضمان المشاركة الفاعلة للمواطنين جميعا في السلطة والقرار فانه من اجل بناء المغرب الحديث, لابد ان يمضي في طريق المستقبل بخطى واثقة واصرار على جعل بلاده, احد نماذج الانتقال السياسي من الملكية التقليدية الى الملكية الدستورية بما يفتعل بها من حداثة وديمقراطية وتأكيد لاستحقاقات جديدة في مراحل الانتقال المثير لعتبات الالفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين. * كاتب من الامارات