دلت الاشهر القليلة الماضية على أن الخط البياني للدولار الامريكي هو ارتفاع مستمر, في حين ان سهم اليورو في بورصات النقد العالمية آخذ بالانحدار, مما يبدو للوهلة الاولى ان تجّار العملات وضعوا ثقتهم بالدولار الامريكي واقتصاد الولايات المتحدة وسحبوا هذه الثقة من الاوروبيين وعملتهم الموحدة (اليورو) الوليدة. إذن هكذا يتبادر الى الأذهان في بداية الأمر, لكن يرجى الحذر ليس مرة واحدة بل عدّة مرات, لأن اليورو بعيد عن الخطر بالرغم من تدهور قيمته في الاسواق العالمية في الوقت الراهن, وكذلك بالرغم من الحالة الاقتصادية المتدنية في القارة القديمة (اوروبا), فالقوة الشرائية داخل السوق الاوروبية الموحدة جعلت اليورو ومنذ انطلاقته عملة مستقرة, حيث لم تستطع العملات الاوروبية المتفرقة على مرّ العقود الماضية تحقيق هذا المستوى من الاستقرار. وبالمقابل فإن مخاطر انهيار الدولار الامريكي لاتزال قائمة, وبالتحديد كلما ارتفعت قيمته في اسواق الصرف العالمية. ومن القضايا التي يمكن فهمها هي أنه في ضوء ارتفاع قيمة الدولار فإن الأعين تنظر الى الولايات المتحدة والى تزايد النمو الاقتصادي هناك, غير ان هذه الاعين لاتنظر الى الاساس أو القاعدة التي بنيت فوقها قوة الدولار والنمو الاقتصادي الامريكي. ففي جدار هذه القاعدة يوجد انشقاق (تشقق) أو ثغرة, إذ أن الامريكيين يعيشون من خلال الضخ أو بعبارة افضل من خلال القروض والاستدانة, وقد وصل حجم القروض الخارجية الى 1.5 مليار دولار. هذه القيمة التي يتعثر اللسان فيها اثناء عد الاصفار فقط, لا تتسبب بالهذيان والدوخان فحسب, بل انها تجعل الولايات المتحدة وبمسافة فاصلة كبيرة عن الدول الاخرى, اكثر دول العالم مديونية ايضا. كما ان العجز في الميزانية الامريكية سيبلغ هذا العام 300 مليار دولار, حيث يتحتم على جهات اجنبية سد هذا العجز. مما يعني انه لولا المشاركة الفعّالة للمستثمرين الاجانب واندفاعهم فإن الانتعاش والنمو اللذين شهدتهما بورصات الاسهم العالمية لم يكن من الممكن تحقيقهما, ألا على الاقل تحقيقهما بهذا الشكل الملموس حاليا. وقد حدا هذا الوضع المؤقت بالشعب الامريكي الى انفاق الاموال أكثر مما يتقاضونه شهريا, وبالتالي فإن دفاتر التوفير سجلت وللمرة الأولى ارقاما سلبية ويرى الخبراء أنه لولا ارتفاع سعر الفائدة والدولار معا, لما ادى ذلك الى جلب رؤوس الاموال الاجنبية الى الولايات المتحدة. لكن ما العمل في حال تراجع المستثمرين على توظيف اموالهم هناك خوفا من امكانية خفض سعر الدولار؟.. ألم يتسبب ذلك في حدوث هزة مالية مدويّة في الولايات المتحدة اذا بدأ سيل المال يخرج من هناك؟.. وألم تؤدي هذه التطورات الى انهيار الدولار؟.. قد يحدث هذا الشيء بأسرع مما يتوقعه الكثيرون.