اذا لم يكن العرب متنبهين لما يجري في منطقتهم فتلك مصيبة, اما اذا كانوا يقظين ومتنبهين وواعين للاحداث لكنهم عاجزون عن الافعال المناسبة والتي هي في قدرتهم, فان المصيبة بالتأكيد اعظم وامر . فما يجري لم يعد يحتمل الانتظار او التجاهل او (التعامل بالتجزئة) مثل الباعة في (السوبرماركت) لان الاخطار لا تستثني احدا, كما ان معالجتها لم تعد تحتمل المناورات والألاعيب القطرية الصغيرة في العلاقات العربية - العربية فضلا عن استحالة قدرة اي طرف او بلد عربي بمفرده على الاحاطة بالاوضاع والتعامل معها بجدية. ولكي لا نغرق في التجريد او العموميات كحال الخطاب العربي الرسمي الذي يقول ولا يقول في كثير من الاحيان, تعالوا الى نظرة سريعة نحو اخطر محطات واضحة ولا تحتاج لتفكير وتمحيص في اكتشاف ما يحدث فيها ولعل ابرزها احاديث التقسيم العلنية حول العراق والسودان وما يجري في بيئة التسوية السياسية للصراع العربي ـ الصهيوني. ففي العراق ورغم خطورة ما نشرته (اليونسيف) مؤخرا عن ارتفاع وفيات الاطفال الى اكثر من 130 في الالف خلال السنوات الخمس الماضية ووفاة اكثر من نصف مليون عراقي نتيجة الحصار الشديد الا ان هذه البيانات مجرد احد اعراض الازمة التي يعاني منها العراق الان والتي لن تقتصر اثارها المستقبلية عليه وحده وانما ستمتد الى المحيط العربي. فالعراق مازال يتعرض الى حرب متواصلة منذ عقد من الزمن, تؤدي ليس فقط الى تآكل كل عناصر قوته وانما ايضا الى تفكيكه وتحطيم بنيته السياسية والاجتماعية. وقد كشفت صحيفة (النيويورك تايمز) عن ان الولايات المتحدة (تنفق الان حوالي مليار دولار سنويا على العمل العسكري ضد العراق, وتستخدم في ذلك 200 طائرة هجومية و19 سفينة حربية و22 الف جندي) .. وفي هذه الحرب المتواصلة يكاد الرأي العام العربي والعالمي (يعتاد)!! على الخسائر اليومية في صفوف العسكريين والمدنيين العراقيين!! وإذا ما أضيفت بخسائر الحرب خسائر الحصار الذي وصفته مادلين أولبرايت مرة بأنه (اشد حصار في التاريخ) ووصف جورج بوش الأب هدفه مرة بالسعي الى (إعادة العراق الى ما قبل عصر الصناعة) .. بكل ما يعنيه ذلك من تدمير للبنية التحتية والخدمات والنشاطات الاقتصادية, فإن ذلك يعني ان العراق بات بالفعل جاهزا لإعادة التشكيل, بما في ذلك التقسيم الذي لم يغب خلال العامين الماضيين عن تصريحات مراقبين ومسؤولين غربيين عديدين, والذي يظهر الآن لأول مرة على لسان (بولنت أجاويد) رئيس الوزراء التركي في حديثه عن (الحكم المحلي) للأكراد في الشمال العراقي!! وإذا كان من المعروف ان من أهم اسباب استمرار حصار وتدمير العراق هو اضعاف الموقف السوري والسعي الى فرض (تسوية إسرائيلية) للصراع العربي الصهيوني, فإنه للسبب نفسه يتم استهداف الأمن المائي والاستراتيجي لمصر ووادي النيل من خلال الطرح العلني لمشاريع تقسيم السودان. والغريب ايضا ان أحاديث تقسيم السودان لم تعد ترد فقط على ألسنة مصادر معادية لمستقبل وحياة هذا البلد والأمة العربية فقط, وإنما تسمع هذه التعابير متداولة على ألسنة قادة المعارضة والحكومة السودانيين المنشغلين بأحاديث وحوارات سفسطائية وعقيمة وتبدو بلا نهاية!! وبعد مخاطر التحالف التركي ـ (الاسرائىلي) غير الخافية بانعكاساتها السلبية, وما شهده الاسبوع الماضي من اتفاق امني بين تركيا وايران في غياب عراق قوي فإن الأخطار تزداد اقترابا من كل موقع في المشرق العربي الذي يبدو عرضه لاعادة رسم خرائطه ليس فقط بتحقيق اهداف الصهيونية في تدمير الدول المؤثرة فيه وإنما من أجل إيجاد مأوى لتوطين (الفائض الفلسطيني) .. ولفرض موازين قوى جديدة تضمن أن لاتقوم للعرب قائمة خلال عقود من الزمن. أليست صورة خطيرة وقاتمة وواقعية؟! نعم, ولكنها ليست قدرا ويستطيع الفعل العربي الجاد ـ إن وجد ـ تغيير كل المعادلة دون خسائر تذكر وبمجرد تفعيل (الإدارة السياسية الغائبة) .