لا أختلف مع السفير (صلاح بسيوني) ـ رئيس جمعية القاهرة للسلام ـ في أن هناك ضرورة للحوار بين هيئات المجتمع المدني والمثقفين في مصر, لتحديد المفاهيم القانونية والسياسية حول قضيتي (السلام والتطبيع) كما دعا الى ذلك في مقاله (كلمة حق حول مؤتمر القاهرة للسلام) (الاهرام) 17يوليو 1999. ولعلي كنت أتمنى, لو أنه لم يستهل دعوته إلى هذا الحوار, بالاشارة الى أن كثيرا مما تضمنته الحملة الاعلامية والسياسية التي شنتها حركة مقاومة التطبيع خلال انعقاد (مؤتمر ماريوت) ضد المشاركين فيه, يتضمن في ثناياه جرائم قذف وسب يؤثمها القانون, وتعتبر خروجا صريحا على ميثاق الشرف الصحفي, والايماء الى أن في نيته ان يلجأ الى القضاء للتحاكم اليه في هذ الشأن, كما كنت أتمنى, لو انه لم يتبع هذا بالاشارة الى من سماهم (الذين تسببوا في هزيمة 5 يونيو 1967, واضاعوا القدس والضفة والقطاع) , (ليس لأنني أنكر ان شيئا من ذلك قد وقع, أو لأنني لا استنكره ولكن لأن استخدام سلاح التشاتم في المجادلات السياسية, يكاد يكون احد مقومات الشخصية العربية بشكل عام, فلم يعد أحد يأخذ أوصافا مثل (الخونة) و(الجواسيس) و(العملاء) مأخذ الجد, اما المهم فإن اللجوء الى سلاح التقاضي, يتناقض مع دعوته للحوار, الذي يفترض مناخاً تتسامح فيه كل الاطراف, تجاه الاخطاء المتبادلة. والحقيقة ان الدعوة للحوار, تأتي في وقتها الملائم تماما, بصرف النظر عن ان الدافع المباشر لاعلانها, هو وقائع (حرب الفنادق) التي نشبت بين (السفير بسيوني) ورفاقه في تحالف كوبنهاجن من قاعدتهم السلامية في (فندق ماريوت) , وبين الجبهة المصرية لمقاومة التطبيع, من قواعدها العسكرية في (فنادق شبرد) و(شهرزاد) والجريون) .. فقد اصبح من المؤكد ان مايسمى بـ (مسيرة السلام) التي توقفت عن المسير خلال السنوات الثلاث السابقة, سوف تتحرك بوتيرة متسارعة, خلال الشهور ـ القليلة المقبلة ـ وبصرف النظر عن المواقف العربية, الشعبية, والرسمية, بين المتفائلين جدا, والمتفائلين بحذر والمتشائمين جدا, فهناك ضرورة قومية لاعادة تنظيم الصفوف العربية, على الصعيدين الرسمي والشعبي ولاحداث درجة من التناغم بينهما. وهو ما يجعل للدعوة الى الحوار الشعبي حول القضيتين واجبا وطنيا وقوميا, لايجوز ان يقتصر على الساحة المصرية, بل يتوجب علينا ان نوسع نطاق الدعوة, بحيث يجري هذا الحوار في كل ساحة عربية قطرية, ثم يجري بعد ذلك على الساحة القومية, بهدف بناء موقف عربي شعبي موحد, تجاه المرحلة الوشيكة من المفاوضات, يكون من بين اهم اهدافه, التأثير في الموقف الرسمي العربي بما يضع في يد المفاوض العربي اكبر قدر ممكن من اوراق الضغط, ويمكنه من الحصول على افضل شروط ممكنه في المراحل المتبقية من التسوية. في هذا السياق لابد من ازالة الالتباس حول نقطة اساسية في جدول الأعمال الذي اقترحه السفير بسيوني للحوار فقد اعتبر مطالبة بعض القوى السياسية التي ترفض التطبيع, بالغاء اتفاقيات السلام نقطة خلاف وضعها على جدول اعمال الحوار الذي يقترحه, والمح الى ان (جمعية القاهرة للسلام) يصعب ان تتعاون أو ربما تتحاور مع قوى ترفض هذه الاتفاقيات, او ترفض السلام اصلا الاّ اننا لانرى ضرورة لهذا الخلاف, أو مبررا لذلك الرفض. فالحركة المصرية لرفض التطبيع تتكون من جبهة واسعة تضم احزابا سياسية وهيئات مدنية وشخصيات ونقابات مهنية وعمالية.. يرفض بعضها السلام ويكتفي بعضها الآخر برفض اتفاقياته, بينما يقبل فريق ثالث بالاثنين.. ومع ذلك يلتقي الجميع عند حد ادنى هو رفض التطبيع على الصعيد الشعبي, الى حين جلاء اسرائىل من الارض التي احتلتها عام 1967, والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وليس من حق احد في هذه الجبهة ـ بما في ذلك (السفير بسيوني) ورفاقه في حالة انضمامه اليها ـ أن يفرض رؤيته للحل الاستراتيجي للصراع العربي الاسرائىلي على بقية الأطراف, لأن في ذلك استباقا للخلاف قبل أوانه, الذي لن يأتي الا حين يتحقق السلام العادل والشامل, وآنذاك يصبح من حق (السفير بسيوني) ومن يوافقون معه على هذه الاتفاقيات ان يطبّعوا العلاقات مع اسرائيل, بينما يواصل الآخرون المقاطعة, وتنشب الحرب بين الطرفين. ومن الانصاف للسفير بسيوني ورفاقه ان نقول ان هذا الالتباس لا يقتصر عليهم, فمن بين الرافضين لمسيرة السلام الحالية ونحن منهم.. قسم يتصور ان رفض هذه المسيرة شرط لأي حوار, ولأي تعاون في النشاط العملي ضد التطبيع.. وهو ما نختلف فيه معهم, لأن رفضنا لهذه المسيرة لا يعفينا من واجب ممارسة كل اشكال الضغوط, من أجل تحسين شروط التسوية الى أقصى مدى ممكن, حتى لا تترتب عليها أوضاع تصعب علينا أو على الاجيال القادمة مواصلة الصراع بأي أساليب قد تتوفر لنا أولها, بعيدا عن موازين القوى الراهنة. ومعنى الكلام ان الحوار الذي يدعو اليه (السفير بسيوني) , لن يسفر عن شيء اذا دار حول (الموقف الاستراتيجي من الصراع العربي الاسرائيلي) , أو تطرق الى الاتفاقيات التي تحكم المسيرة الراهنة, لأن الخلاف حولهما شاسع.. أما الذي يمكن الحوار حوله فهو (العلاقة بين التطبيع والمرحلة الوشيكة من المفاوضات العربية الاسرائيلية) , وبناء موقف شعبي على الاصعدة القطرية والقومية, يؤثر في الموقف الرسمي من هذه المفاوضات, على نحو يضع في يد المفاوض العربي أكبر قدر ممكن من أوراق القوة, حتى لا يقدم مزيدا من التنازلات.. ستضر بالجميع بصرف النظر عن خلافهم حول الحل الاستراتيجي! فاذا وافق السفير بسيوني ورفاقه, ووافق الطرف الآخر على هذا التصور فإن الحوار سيكون مثمرا.. ولابد ان يبدأ بحصر نقاط الاتفاق لاستبعادها من جدول الأعمال.. ثم حصر نقاط الخلاف وطرحها للحوار من دون ان يحول ذلك دون العودة الى نقاط الاتفاق اذا تبين ان هناك تناقضا في مواقف أحد الاطراف, بين ما وافق عليه وما يختلف حوله. في هذا السياق لابد من الترحيب باعلان السفير بسيوني بأنه ـ ورفاقه في تحالف كوبنهاجن ـ ضد تطبيع العلاقات على الصعيد الشعبي, حتى يتم التوصل الى السلام الشامل والعادل والدائم. والترحيب برفضه للمنطق الاسرائيلي الذي يسعى لتحريك هذا الجانب من العلاقات المصرية الاسرائيلية, بدعوى انه يدعم الجهود التي تبذل من أجل اقناع الشعب الاسرائيلي بأنه جزء من المنطقة ووصفه له انه (منطق معكوس وغير مقبول من وجهة نظر مصرية وعربية شاملة) . وهذه نقطة اتفاق مهمة سبق ان أعلنها تحالف كوبنهاجن, لكن الطرف الآخر, لم يعن بتسجيلها على أصحابها, وللاستفادة منها, مع انها لصالحه! نأتي الى نقطة الخلاف الحقيقية والوحيدة التي رصدها (السفير بسيوني) وهي قوله ان الاتصالات واللقاءات التي تجريها جمعية القاهرة للسلام مع نظيراتها الاسرائيلية هي حوار وليست تطبيعا) . ولنا على هذا القول أربع ملاحظات: الأولى: انه اجتهاد خاص بالسفير بسيوني ورفاقه لم يتحاوروا مع أحد حوله قبل اعتماده والتصرف على أساسه, ولم يحفلوا بالاعتراض الواسع عليه. ومع ان من بينهم اعضاء في أحزاب سياسية ونقابات مهنية لها تعريفها الخاص للتطبيع, التي تتناقض مع ما ذهبوا اليه, فإن أحدا منهم لم يستأذن حزبه أو نقابته أو يسعى لاقناعهم بصحة القول بأن الحوار ليس تطبيعا. الثانية: ان ما يسميه السفير بسيوني بـ (الحوار الذي ليس تطبيعا) لم يعد يقتصر ـ كما بدأ ـ على لقاءات تجرى بين عدد محدود من المثقفين العرب ونظرائهم الاسرائيليين, بل تحول الى تنظيم قومي للتطبيع الشعبي, على صورة جمعيات للسلام, في أكثر من قطر عربي أسست لكي تقوم بأنشطة مشتركة مع نظيراتها في اسرائيل.. وهو ما لا مفر من اعتباره تطبيعا, قياسا على الامثلة التي ضربها في مقاله, فاذا كان تبادل (الفرق الرياضية) و(الفرق الفنية) بين مصر واسرائيل تطبيعا فإن تبادل (فرق السلام) تطبيع كذلك.. ولا محل للقول ان الفرق الرياضية والفنية تتبادل نشاطا.. بينما تتبادل فرق السلام الكلام.. اذ ان هذا الكلام هو النشاط الأساسي للمثقفين والسياسيين. الثالثة: اننا لو اعتمدنا مبدأ ان الحوار ليس تطبيعا, لكان معنى ذلك ان نقر تبادل الزيارات بين فرق من الادباء والصحفيين ورجال الدين واساتذة الجامعات ورجال القانون لاجراء مثل هذه الحوارات مع نظرائهم من الاسرائيليين. وليس مهما في هذه الحالة ان يكون الطرف الآخر من قوى السلام الاسرائيلية أو من غيرها, بل لعل الحوار في هذه الحالة يكون أوجب مع المتشددين لمحاولة كسب بعضهم, أكثر من وجوبه مع قوى السلام التي يفترض ـ نظريا ـ ان تأييدها لبعض الحقوق العربية مضمون. الرابعة: ان قوى السلام الاسرائيلية تنشط في هذا المجال انطلاقا من ايمانها بأن السلام في مصلحة الشعب الاسرائيلي, وبالتالي فليس من حقها ان تشترط علينا ان نطبّع العلاقات معها ثمنا لموقف تأخذه لمصلحة شعبها أساسا.. إذ لا معنى لذلك الا انها تعتمد المنطق الاسرائيلي نفسه الذي يطالب بتطبيع العلاقات على الصعيد الشعبي قبل السلام بدعوى اقناع الشعب الاسرائيلي بأنه جزء من المنطقة, وهو ما وصفه السفير بسيوني في المقال نفسه بأنه (منطق معكوس.. وغير مقبول) بذلك نكون أمام لعبة تقسيم ادوار بين قوى السلام وقوى التشدد في اسرائيل, ويحصل الاسرائيليون على التطبيع عن طريق قوى السلام بعد ان عز عليهم الحصول عليه عن طريق قوى التشدد. والمسألة ـ مع ذلك ـ تقبل مزيدا من الحوار بين جمعية القاهرة للسلام وبين الرافضين للتطبيع, وهو ما يتطلب في تقديري أمرين: الأول: ان توقف حركة رفض التطبيع حملاتها الاعلامية ضد جمعية القاهرة للسلام لتهيئة جو ملائم للحوار. الثاني: ان تجمد جمعية القاهرة للسلام كل نشاط لها مع اطراف اسرائيلية الى ان ينتهي هذا الحوار. وليس الطرفان في حاجة الى من يلفت نظرهما الى ان خطورة المرحلة المقبلة من مفاوضات السلام, وحساسية القضايا المطروحة عليها تتطلب تفعيل سلاح المقاطعة وحشد كل القوى من حوله, على الصعيدين الرسمي والشعبي, وهو ما لن يتحقق الا بحوار مسؤول بين كل الاطراف حتى لا نفاجأ بحالة من الهرولة على كل صعيد, تضعف الموقف التفاوضي العربي, الذي لم يعد يحتمل مزيدا من الضعف. المهم الآن ان نحول دون الهرولة.. لا ان ندفع اليها.