اليمن هي قاعدة الجزيرة العربية وما يجري فيها هو شأن يهم هذه الجزيرة وسكانها, وما يحدث في اليمن في الفترة الاخيرة شأن يلفت النظر ويشد الانتباه ويستلزم المناقشة, فاليمن مقدم في آخر شهر سبتمبر المقبل على انتخابات رئاسية, هي الثانية بعد توحيد اليمن والخروج من منزلقات سياسية كبيرة كان آخرها حرباً ضروساً. الانتخابات اليمنية المقبلة بحد ذاتها في موقع الأخذ والرد بين السلطة اليمنية والمعارضة التي تطالب بإلغائها, لعدم جدواها كما ترى, وحيث ان الوضع الاقتصادي في اليمن وكذلك الامني لا يسر الصديق منذ فترة غير قصيرة, فالضائقة الاقتصادية التي أدت أكثر من مرة الى خروج عام عن السلم الاجتماعي بالاضطرابات والمظاهرات احتجاجا على رفع اسعار السلع الاساسية كما يقرر البنك الدولي, مازالت قائمة, اما الخروج عن السلم الامني فقد تكرر الى درجة مزعجة في الشهور الاخيرة, آخرها محاولة قتل ـ أو حتى قتل ـ مجموعة من الشخصيات من بينها المرحوم عبدالعزيز السقاف الناشط اليمني المعروف, في ظروف مأساوية وغامضة. على هذه الخلفية التي لايحتاج اليمن الى اعقد منها للتفرغ في النظر لشؤونه الداخلية, تأتي محاكمة ثم الحكم على ثمانية بريطانيين, وجزائريين متهمين بالارهاب ومحاولة نسف بعض المنشآت الاجنبية في اليمن, وقد أخذت هذه المحاكمات الكثير من المساحة خاصة في الإعلام البريطاني, واصبح جزء من الشأن اليمني شأنا دوليا ويتداول على أوسع نطاق. وجدت السلطات اليمنية لدى البريطانيين من اصل عربي أو شرقي (وهم مسلمون) في ديسمبر الماضي في عدن جنوب البلاد اسلحة وذخائر ومتفجرات وأجهزة اتصال حديثة, كانت قد اعدت للقيام بعمل ما, وقد أدانت المحكمة اليمنية في الاسبوع الماضي وبعد شهور من المحاكمات, ادانت البريطانيين الثمانية وحكمت بحبسهم في مدد لا تتعدى سبع سنوات. والقضية تحولت برمتها في الاعلام الغربي الى موضوع سياسي له شقان: الاول هو عدالة أو عدم عدالة المحاكم في البلاد خارج الدول الغربية, وهو أمر لم يعد ينحصر في اليمن بقدر تعميمه على كل المحاكمات التي تتهم فيها شخصيات غربية في دول العالم الثالث, وخاصة الدول العربية, وقد زيد في هذا الموضوع بأن المتهمين, كما يقول بعض الاعلام الغربي, قد تعرضوا للضرب والإهانة والصدمات الكهربائية وحتى الاعتداء الجنسي على بعضهم, هذا الكم من الضغوط, ربما دفع السلطات اليمنية الى أن تكلف اطباء محايدين للكشف عن هذه الادعاءات, وبالفعل قام بفحص المتهمين طبيب فنلندي, مع طبيبين من اليمن, اكدوا في تقريرهم ان المتهمين لم يتعرضوا لأي تعذيب, ولاتوجد آثار لذلك على أجسادهم, وربما كان هذا الضغط الاعلامي هو الذي جعل الاحكام التي قررت في الاسبوع الماضي تبدو في نظر البعض احكاما مخففة. اما الشق الثاني من الموضوع فهو دور من يسمى أبو حمزة المصري, وهو رجل مصري, حارب في افغانستان, فأصيب بعاهة مستديمة قطعت بسببها يداه, استجار ببريطانيا فتمت له فرصة اللجوء السياسي إليها, عمل حارسا ليليا بعد لجوئه مباشرة, وبعد ذلك تزوج من سيدة بريطانية لها ولد من زوج سابق, وأنجب منها ولدا هو محمد البالغ من العمر سبعة عشر عاما, وهو مع أخيه الاكبر غير الشقيق محسن غيلان (ابن الزوجة), اثنان من المتهمين الثمانية الذين صدرت بحقهم احكام في اليمن. كما يرأس أبو حمزة المصري ما يسمى بأنصار الشريعة في العاصمة البريطانية, وله نشاطات مختلفة فيها, وهو يظهر متحدثا في التلفزيون البريطاني بالملابس الفضفاضة وبالخطافين عوضا عن اليدين. أبو حمزة المصري تتهمه الشرطة البريطانية بتشجيع (الإرهاب) وقد مثل أكثر من مرة أمام المحققين في لندن مؤخرا, وفتش منزله, وضرب له موعد للمثول امام إحدى المحاكم البريطانية في الشهر المقبل, بعد أن غيرت حكومة حزب العمال شروط قانون اللجوء السياسي. تتهم صنعاء أبو حمزة بأنه على صلة بمجموعة يمنية متطرفة اختطفت أجانب في العام الماضي على الاراضي اليمنية وقتل بعضهم في اشتباك مع قوى الأمن, وجرت أيضا محاكمة المتسببين وحكم عليهم. هذا الوضع غير المريح بأي درجة في اليمن من الواجب النظر اليه بجدية, حيث اعتقدت بعض القوى ان اليمن هو ساحة يمكن تحويلها إلى ساحة صراع وايضا تصدير لقوى ارهابية, وقد يكون اليمن قد وقع ضحية المنجزات التي حققها نسبيا باتجاه الانفتاح, والسماح بحرية الدعوة والاتصال لمن ينشط في الساحة اليمنية, ولكن هذا النوع من الانفتاح ان صح التعبير استغل ـ ولايزال ـ من قوى تريد ان تنفذ برامجها السياسية الخاصة بها مستغلة الفضاء اليمني القبلي والاقتصادي. ولعل الوضع الداخلي في اليمن قد ساعد على ذلك جزئيا, فلم تختر هذه القوى, سواء كانت مجموعات أبوحمزة أم غيره من الناشطين, لم تختر اليمن الا بوجود عناصر يمنية متعاطفة مع طروحاتها, وبسبب اتساع مساحة اليمن وحرية حمل السلاح والبنية الاجتماعية القبلية, فربما وجدت هذه المجموعات المتطرفة اليمن مكانا نموذجيا للتدريب على السلاح, ليس بالضرورة لاستخدامه في اليمن ولكن ربما في اماكن اخرى. وعندما يغرى شباب صغار السن من مثل هؤلاء الثمانية الذين حكم عليهم مؤخرا في اليمن, عندما يغرى امثالهم بالتدريب على السلاح, وايضا يثار لديهم شعور غامض بالحرية والدفاع عن مبادىء اعتقدوا انها تنتهك, كل ذلك مرتبط بحب المغامرة التي يعشقها الشباب في هذه السن, وفي بلاد جديدة وربما مضمونة السلامة, يقوم هذا الشباب بتنفيذ ما يلقن ويحقن به دماغه حتى لو كان ارهابا للاخرين, من اجل تحقيق هدف غامض. وان عدنا للحيرة التي يقع فيها اليمن الرسمي, نعرف على وجه الدقة المشكلة التي يواجهها, فهناك من السياسيين الاوروبيين والبريطانيين, من يريد ان يستجيب لضغط شعبي لدى ناخبيهم, حيث ان الاتهام الذي يدفع به اهل الضحايا الشباب, انه بسبب اصولهم غير السكسونية ورغم كونهم مواطنين بريطانيين, لا يلتفت احد من السياسيين لقضيتهم, وهو امر يحرج ويزعج السلطات البريطانية التي تريد ان تكون اكثر عدلا وانصافا, بل ان عدم الاهتمام هذا يؤثر على علاقات الاجناس المختلفة في بريطانيا, ويخلخل السلم الاجتماعي في المدى المتوسط, لذلك نجد ان السلطة البريطانية استجابت لكل هذه المؤثرات, واخذت تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر لصالح هؤلاء, وان كانت اجهزتها المعنية ربما على قناعة بأنهم ليسوا بالضرورة ابرياء مما نسب لهم. تلك هي المعادلة الصعبة التي يواجهها اليمن الرسمي, وهي معادلة لا يحسده عليها احد, في مثل هذه الظروف التي يواجه فيها وضعاً اقتصادياً غير مريح واستحقاقات داخلية لها جذور متشعبة. معرفة ما يجري في صنعاء ليس هو الشيء المطلوب فقط, ولكن المطلوب تفهم وربما مساعدة اليمن في هذا الظرف الحساس لمعالجة الضغوط الدبلوماسية ودحضها ان امكن, وسيظل اشخاص مثل ابو حمزة المصري يتمتعون بالظهور في وسائل الاعلام الغربية متبخترين بعد ان كانوا نكرات, ويتحدثون باسم (أسلمة المسلمين) على ما في ذلك من تناقض, ثم يدفعون بشباب متحمسين للاضرار بأمن بلاد اخرى يكفيها ما تواجه من مشكلات, كما أننا في الخليج معنيون بالأمر الذي لن يقف عند حدود اليمن, فالغيوم المكفهرة لا تعترف بالحدود. الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت