هل كشف (ايهود باراك) حقيقة وابعاد نواياه (السلامية) ! في التعامل مع الصراع العربي ـ الصهيوني أم مازال بحاجة لمزيد من الوقت؟ وإلى اين ستمضي التسوية السياسية الموعودة إذن ؟ لقد قاد (باراك) شخصيا لعبة علاقات عامة ناجحة لتسويق شخصيته في المنطقة العربية والعالم, وتحويل هذه الشخصية في نظر الرأي العام من قاتل محترف مولع بالعمليات السرية واغتيال العرب إلى (صانع سلام) ورجل المراهنة على الحل السياسي لصراع مستحكم منذ ما يقرب من قرن من الزمن بين الحركة الصهيونية وحلفائها من جهة والامة العربية على الجبهة المقابلة. ولكن, لان حبل الكذب قصير, فان اللعبة سرعان ما خبا بريقها حين بدأ الحديث العملي عن السلام, ليكشف باراك انه مجرد استمرار لاكثر قادة اسرائيل تطرفا من ناحية حرصه على فرض الصيغة الاسرائيلية للسلام, والتي تعني ابتلاع وتهويد الحد الاقصى الممكن من الاراضي العربية المحتلة بعد حرب يونيو 1967, والسعي لفرض الهيمنة الاسرائيلية على كل المنطقة العربية من خلال سياسة (التطبيع والتطويع) .. ونقل التناقضات والصراعات من جبهة الصراع العربي ـ الصهيوني الى (الداخل العربي) على المستويات الشعبية والرسمية!! فخلال الفترة التي تلت نجاح باراك وتشكيل حكومته الجديدة تحول جميع وزراء (اسرائيل) الى عازفين على تعابير (السلام) ولكنهم في أول مواجهة لمعنى وأبعاد وحقائق السلام العادل والشامل تنكشف نواياهم وتوجهاتهم فإذا باراك مجرد نسخة مكررة لنتانياهو إلا من حيث الألوان واللعب بالكلمات, فهو يريد كل السلام والتطبيع مع سوريا دون تعهد بالانسحاب من الجولان, وهو يسعى الى مزيد من المفاوضات مع الفلسطينيين شريطة ان يحصل على كل المكاسب ولا يبقى للسلطة الفلسطينية الا دور أمني على اقل من 10% من مساحة الاراضي الفلسطينية المحتلة. وفي التطبيق العملي لهذه الافكار يصر باراك على مواصلة منهج اسلافه في تعرية الفلسطينيين من اي عنصر قوة او ورقة تفاوضية, استكمالا لمسيرة الاحتلال والتوسع, وكما نجح رابين في القفز على القرارات الدولية من خلال (اوسلو) فان نتانياهو من ناحيته أصر على رفض (اوسلو) بعد ان طبقت السلطة الفلسطينية ما يتوجب عليها في هذه الاتفاقات, وكان ان تم تحقيق مزيد من التراجع عبر اتفاق (واي ريفر) . وهاهو باراك يطالب بالتراجع عن (واي ريفر) بعد ان اخذت اسرائيل ما ارادت منه وآن أوان دفع الانسحابات المقابلة.. بل ان (الحمامة الشهيرة) يوسي بيلين يعزف على النغمة نفسها ويرى في (واي ريفر) الآن مجرد هراء!! كذلك دفع باراك عمليات الاستيطان داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة بأسرع مما كان عليه الحال في عهد نتانياهو, وهو يصر على الانتقال الى مرحلة المفاوضات النهائية مسلحا بشروط تسعة تجرد الفلسطينيين من كل حقوقهم الوطنية والسياسية, وتبتلع القدس جميعها دون أي اكتراث بمصالح ومقدسات العرب والمسلمين والرأي العام الدولي. وعلى المسارين السوري واللبناني, استغل باراك المرحلة الانتقالية لحكومة نتانياهو بأن تنوب عنه بتوجيه ضربة شديدة للبنية التحتية في لبنان فضلا عن اعتداءات واسعة النطاق على مدنه وقراه.. ليأتي بعد ذلك رئيس الوزراء الجديد محملا بدعوات السلام. لكنه بعد اقل من شهرين من الزمن عاد الى منطق القوة ليؤكد باراك في خطاب علني انه (في الشرق الأوسط لا شفقة على الضعيف ولا احترام له) وانه (لا فرصة لمن لا يستطيع ان يدافع عن نفسه بوسائله الذاتية) . القضية اذن قضية توازن قوى, و(اسرائيل) لن تقبل أي سلام عادل وشامل في المنطقة حقا الا اذا تأكدت ان ثمن غياب السلام أعلى بكثير بالنسبة اليها من ثمن اصرارها على فرض الاستسلام والهوان والتبعية على كل العرب والمسلمين. وذلك ممكن اذا توفرت الارادة السياسية للنظام العربي.