تعود الاطماع الصهيونية في القارة الافريقية الى زمن بعيد حتى قبل اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948 الا ان الخطوات العملية ل إسرائيل باتجاه القارة بدأت بشكل فعلي بعد مؤتمر باندونج سنة 1955 حيث كان رفض اسرائيل في المؤتمر لا كدولة افريقية ولا آسيوية من أهم الاحداث التي اثارت اهتمام الكيان الصهيوني بالدول الافرواسيوية خاصة بعد ازدياد وزن الكتلة الافرواسيوية في المجالات الدولية. وتتضح اهداف السياسة الاسرائىلية بشكل كبير في تصريحات أدلى بها الصهيوني المعروف ديفيد بن جوريون في الكنيست الاسرائيلي عام 1960 عندما قال (إن الدول الافريقية ليست قوية ولكن صوتها مسموع في العالم واصوات الافارقة في المنظمات الدولية تساوي قيمتها اصوات الدول الكبرى. فالصداقة الاسرائىلية الافريقية تهدف في حدها الادنى الى تحييد افريقيا في الصراع العربي الاسرائيلي وفي احسن حالاتها الى ضمان مساندة افريقيا للوضع الاسرائىلي. وبالعودة الى تاريخ السياسة الاسرائىلية في هذه المنطقة من العالم نرى ان بن جوريون كان من اوائل الاسرائيليين الذين ادركوا اهمية استثمار صداقة افريقيا في محاولات فرض السلام الاسرائيلي في الشرق الاوسط اذ كان يردد دائما ان الطريق الى السلام في المنطقة سوف يتم عن طريق غير مباشر بتقوية علاقات اسرائيل مع شعوب آسيا وافريقيا. وفي هذه الاطار نرى ان (اسرائيل) عمدت خلال عامي 1956/1957 الى اقامة شركات تصدير وخطوط ملاحية بهدف زيادة نفوذها في افريقيا وانعاش المنطقة الجنوبية في الكيان الصهيوني بشرياً واقتصاديا بسبب استخدام ميناء ايلات في حركة التجارة الافريقية. واذا تمعنا في السياسات التي اتبعتها (اسرائيل) مع افريقيا يظهر لنا بوضوح كيف ان قادة الكيان الصهيوني ركزوا في مخططاتهم على تحقيق عدة اهداف تدور كلها حول محور اساسي وتنبع من منطلق الرغبة في الكسب السياسي وفك العزلة التي كان يعاني منها الكيان الصهيوني خاصة بعد انكشاف حقيقته امام العالم اما الطريق الذي سلكه قادة العدو فكان في البداية عبر الاتصال بالمؤسسات السياسية الافريقية او عن طريق المؤتمرات واستضافة الشخصيات والقيادات الافريقية الفاعلة كاشتراك الهستدروت في الكثير من انشطة النقابات العمالية الافريقية كما انه لم يغب عن بال الاسرائيليين اهمية البعد الثقافي والفني للعلاقة الاسرائىلية الافريقية عندما عمد هؤلاء الى اقامة العديد من مشروعات التعاون الزراعي وتدريب الافريقيين في الكيان الصهيوني وارسال الخبراء والفنيين الاسرائيليين الى الدول الافريقية لاستخدامهم في اكثر من مجال كالترويج الدعائي (لاسرائىل) في القارة السوداء أو استخدامهم في عمليات التحسس وجمع المعلومات وباستحضار التسلسل الزمني لتطور العلاقات الاسرائيلية الافريقية نلاحظ ان هذه العلاقات مرت بعدة مراحل وهي: 1 ـ المرحلة الاولى: وتمتد هذه المرحلة من عام 1948 الى عام 1956 وفي مراجعتنا لها نكتشف ان مستوى العلاقات بين اسرائيل وافريقيا لم يكن كبيرا بالحجم الذي كان يريده الاسرائيليون حيث ظل النشاط الاسرائيلي المكشوف محصورا في دولتين فقط وهما ليبيريا واثيوبيا. غير ان هذا لايعني ان (اسرائيل) لم يكن لها اي وجود في دول افريقية اخرى اذ انها احتفظت ببعض العلاقات التجارية مع كينيا ونيجيريا ومدغشقر والجابون وما يجب الاشارة اليه هنا ان الاسرائيليين في سياستهم تجاه الدول الافريقية كانوا يستغلون الاوضاع الاقتصادية المتردية لهذه الدول بشكل رخيص لاسيما وان الكثير منها لم يكن يملك الاستقلالية الفعلية في القرار. 2 ـ المرحلة الثانية: يمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة اقتحام افريقيا وهي تمتد ما بين عامي (1958 ـ 1962) في جزئها الاول ومابين عامي (1962 ـ 1967) في جزئها الثاني وقد وضعت السياسة الاسرائىلية في الجزء الاول موضع الاختبار حيث طرأ عليها الكثير من التعديلات انطلاقا من ميزان المصلحة الاسرائىلية اما في الجزء الثاني الذي يمتد بين عامي 1962 ـ 1967 فاننا نلاحظ ان اسرائيلتمكنت من تأكيد وجودها في الكثير من الدول الافروآسيوية عبر زيادة بعثاتها الاستطلاعية وارسال الموفدين في رحلات وجولات بعيدة كما هو الحال بالنسبة للجولة التي قامت بها جولدا مائير عام 1958 والتي شملت كل من ليبيريا وغانا ونيجيريا والسنغال وساحل العاج. كما ان موجة الاستقلال التي اجتاحت الدول الافريقية في بداية الستينات ساعدت على ازدياد الاهتمام الاسرائيلي بافريقيا اذ حرصت (اسرائيل) على اقتناص هذه الفرصة لزيادة تغلغلها في افريقيا, وبالفعل استطاعت ان تقيم علاقات دبلوماسية مع الكثير من الدول الافريقية الناشئة التي كانت بحاجة الى الدعم, غير انه وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيشها الافارقة نرى ان التغلغل الاسرائيلي وجد معارضة داخلية ولاسيما من قبل التجار المحليون وبعض القيادات المسلمة التي حاولت عرقلة هذا التغلغل. ويمكن القول ان الاسلام لعب دورا هاما كعقبة امام (اسرائيل) في افريقيا عندما كانت تسانده قوى سياسية فاعلة قبل عام 1964 ولكن (اسرائىل) ومن ورائها الدول الاستعمارية المختلفة استطاعت رغم ذلك تحقيق الكثير من المكاسب السياسية التي انعكس تأثيرها على سياسات الدول الافريقية التي انجاز قسم كبير منها الى جانب اسرائيلبسبب سياسة التضليل والابتزاز التي مارسها الصهاينة. ففي عام 1967 ورغم وضوح الحق العربي ايدت الكثير من هذه الدول اسرائيل عند عرض قضية العدوان الاسرائيلي على الامم المتحدة. كما ان غياب الاعلام العربي الفاعل عن الساحة الافريقية افسح المجال للكيان الصهيوني بالتحرك بحرية في هذه الساحة. والدليل على ذلك ان المناخ الايجابي نسبيا بالنسبة للوضع العربي في بداية السبعينات ولاسيما بعد حرب اكتوبر عام 1973 دفع العديد من الدول الافريقية الى اعادة النظر في علاقاتها مع الكيان الصهيوني كما شهدت هذه الفترة قطع الدول الافريقية معظمها علاقاتها مع اسرائيلولم يبق لاسرائيل تمثيل دبلوماسي في القارة الافريقية سوى علاقاتها مع الانظمة العنصرية آنذاك كجنوب افريقيا التي كانت تئن تحت نظام الفصل العنصري (الابارثيد) وبعض الدويلات الصغيرة التي كانت تدور في فلكها. ورغم الاجماع الاسرائيلي على تجاهل مسألة الصراع العربي الاسرائيلي كسبب مباشر للتحول الافريقي فإن هناك كاتب اسرائىلي يعالج هذه النقطة بوضوح وموضوعية وهو م ـ ناحومي الذي اشار الى ان هناك ظاهرة عامة تتمثل في تغيير المناخ السياسي العام في افريقيا لغير صالح اسرائيلويرى هذا الكاتب ان اهم اسباب التغير الافريقي هو التحول الذي طرأ على صورة اسرائيلبعد عدوان 1967 من دولة صغيرة تدافع عن نفسها الى دولة قوية تطالب بضم اراضي دول اخرى اما الياهو سلفطر وهو محلل اسرائىلي فقد ارجع سبب الفشل الاسرائيلي في افريقيا الى عدة عومل. اولا: عدم نجاح اسرائيل في تبرير وجودها في الاراضي التي احتلتها بعد 5 يونيو/ عام 1967 واقناع الدول الافريقية بوجهة نظرها. ثانيا: عدم نجاح اسرائيلفي الساحة الافريقية نفسها والمبالغة في تقدير الانجازات التي حققتها في افريقيا والتظاهر امام الافارقة بان لديها امكانيات الدول الكبرى. حيث ترتب على ذلك توهم القادة الافارقة بان اسرائيل قادرة على كل شيء. ورأى هذا المحلل الاسرائيلي في ذلك الحين انه يجب على اسرائيلتأجيل القيام باي تحرك جديد في افريقيا الا بعد التوصل الى تسوية لأزمة الشرق الاوسط كما دعا الى اعادة النظر في المساعدات الاسرائىلية للدول الافريقية انطلاقا من ضرورة عدم التورط في التزامات فوق طاقة اسرائيل والتركيز فقط على الجوانب الاقتصادية والفنية. ومما تجدر الاشارة اليه هنا هو انه ورغم الانحسار الاسرائيلي النسبي في القارة الافريقية الا ان اسرائيلعمدت على الدوام الى تكثيف وجودها الاستخباراتي في افريقيا في كل الظروف انطلاقا من اهمية افريقيا بالنسبة لاسرائىل, ولذلك نرى ان الاسرائيليين اسسوا ركائز قوية للموساد الاسرائيلي في الكثير من الدول الافريقية لخدمة المصالح الاسرائىلية كما حدث في عملية تهريب يهود الفلاشا التي تمت بالتعاون الوثيق بين الموساد والـ CIA ومشاركة اجهزة امنية في دول افريقية عدة.