بينما ينشغل البرلمانيون الروس بمناقشة مرشح الرئيس لتبوؤ منصب رئيس الوزارة الجديد (فلاديمير بوتين) خلفا لرئيسها المنصرف(سيرجي استباشين)جهزت موسكو العدة لشن هجوما مكثفاً في داغستان ضد المسلمين الاسلاميين الذين يهددون بفصل الاقليم عن روسيا الاتحادية. ما الذي يربط بين الحدثين: اقالة الوزارة واشعال الحرب في داغستان؟ في الافق, ومنذ تسلم بوريس يلتسين رئاسة روسيا الاتحادية, والاوضاع في روسيا ودول الكومنولث تواجه استحقاقات الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات بعيد اسدال الستار عن الحرب الباردة ايام الرئيس السوفييتي جورباتشوف صاحب نظريتي (البيروسترويكا والجلاسنوست) بيد ان البلاد التي دخلت في الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية, خصوصا بعد قصف البرلمان الروسي على من فيه من المعتصمين واقتحامه وتغيير صلاحيات الرئيس ليصبح قيصرا, هذه الفوضى ادت الى تآكل المكاسب الاجتماعية السابقة وزادت من حالات الفقر المدقع وبروز الامراض الاجتماعية على شاكلة ظواهر عامة. فروسيا تعاني من دين عام يزيد على 150 مليار دولار, وهذا يسجل نسبة تقترب من 90% من الناتج الاجمالي الداخلي, وتستدين البلاد لكي تؤدي فوائد الدين الخارجي, وتطبع المزيد من اوراق العملة (الروبل) لتسدد دينها الداخلي الذي يبلغ فقط لموظفي الدولة نحو عشرة مليارات دولار, مايزيد من نسبة التضخم لتفوق المائة بالمائة. وفي روسيا اليوم اكثر من خمسة آلاف عصابة انشأ اغلبها على اساس عرقي وقومي, وبلغ الامر بالعصابات الكبيرة الى توزيع روسيا الاتحادية الى مناطق نفوذ وتشير العديد من الاحصائيات الى ان هذه العصابات تمكنت من السيطرة على قرابة اربعين الف مؤسسة اقتصادية بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة منها قرابة 400 مصرف و1500 من مؤسسات القطاع العام ولان الانهيار عام فلم يكن من المستغرب ان يتم طرد اكثر من 25 الف شخص من سلك الشرطة بسبب ادانتهم بالتورط في العمل مع رجال العصابات واستغلال النفوذ الذي لم يسلم منه الجيش الذي تورط اثنين من قادته قبل سنوات قصيرة ببيع 64 سفينة عسكرية لكل من كوريا الجنوبية والهند بينها حاملة الطائرات (مينسك) باعتبار انها خردة!! ولا شك ان هذا الوضع المتردي حول روسيا الى مرتع لتعاطي وتجارة المخدرات, اذ تشير الاحصائيات الى ان هناك اكثر من مليوني متعاطي مخدرات, وان معدل الجريمة قد زاد ليصل الى جريمة واحدة كل ثمانية عشر دقيقة, كما تمارس الآن عمليات غسل الاموال القذرة لتصل الى اكثر من مليار دولار سنويا. ونظرا لهذا الوضع, تردت الحالة المعيشية, فتراجعت الطبقة الوسطى الى اقل من 10 بالمائة من اجمالي السكان وتضاعفت الطبقة الفقيرة لتشكل اكثر من 35 بالمائة وزادت نسبة المصدرين لتصل الى 50 بالمائة في حين بلغت نسبة اصحاب الثروات الخيالية المجتمعة بطرق غير مشروعة لتصل الى اربعة بالمائة. واستنتاجا لهذا الوضع, قامت احدى المؤسسات المستقلة في روسيا باجراء استطلاع خلصت منه الى ان 25 بالمائة من فتيات روسيا الاتحادية يرغبن العمل في اعمال منافية للآداب وان قرابة 17 بالمائة من شبانها يسعون للعمل مع العصابات المنظمة! لذلك ليس غريبا ان تبرز وجوه قادرة على ادارة البلاد حسب رغباتها. فقد برزت نجوم تزامنت مع القيصر يلتسين. اذ لعبت ابنته (تاتيانا) ونفر من بطانتها دورا كبيرا في تحريك سياسة روسيا واللعب باقتصادها وباوضاعها الداخلية, ويأتي على رأس هؤلاء (بوريس بيريزوفسكي) الذي تحول الى مليونير يملك اكثر من ثلاثة مليارات دولار في بلد كان شيوعيا قبل عشر سنوات. فهذا المليونير الذي يحمل جنسية اسرائيلية الى جانب الجنسية الروسية, استطاع ان يقود اقتصاد روسيا الى هذه الحالة من الانحدار, ولم يكن بمقدوره ان يتحول الى امبراطور مالي دون مساعدة رئيسية من (تاتيانا) ابنة القيصر يلتسين, فهي الاخرى بدأت تمتلك المزيد من الملايين التي اغلبها مهرب خارج روسيا, كجزء من عمليات التهريب الضخمة التي تتم بين وزارة واخرى, حيث تقدرها المدعية العامة السويسرية باكثر من 50 مليار دولار. من هنا تبدو لعبة التغيير الوزاري المستمر والذي بلغ خلال السنة والنصف الماضية اربع وزارات آخرها وزارة (سيرجي استباشين) الذي لم يملك من خيار سوى اعلان اقالته من قبل الرئيس الذي اعلن هو الآخر ان (فلاديمير بوتين) رجل المخابرات السابق هو افضل من سيقود روسيا الى مواصلة الاصلاح الاقتصادي والسياسي مع مطلع القرن الجديد. في هذا الوقت, لايبدو ان المعارضة الروسية التي يتزعمها الحزب الشيوعي قادرة على فرض امر جديد. فالسيناريو نفسه سوف يتكرر مرارا, في البداية يرفض البرلمان مرشح الرئيس , ثم حين يقترب (الحق الدستوري) الرئاسي من التحقيق اي حل البرلمان ينقسم هذا الاخير على نفسه ليمرر رئيس الوزراء المرشح, ومن ثم تنتظر روسيا مفاجئة جديد من القيصر العليل الذي يبدو ان مفاصل العمل والقرارات بدأت تتسرب من بين يديه كحبات الرمل, ولتتحول الى ابنته وطاقمها, لكن هذه المرة, وحيث الانتخابات البرلمانية على الابواب, التي من المقرر لها ان تنظم في شهر ديسمبر المقبل, فانه من المرجح ان يمرر النواب مسألة ترشيح رئيس الوزراء الجديد, الا اذا حدثت معجزة, في وقت لم يعد فيه مجال لهذا النوع من الحوادث. وخلاصة القول ان روسيا لن تشهد استقرارا اقتصاديا وسياسيا في الوقت الراهن مادام الطاقم الحاكم هو نفسه الذي يجرب تصدير الازمات مرة للخارج ومرات عديدة للداخل, وهذه المرة جرب الاثنين معا, اذ اشعل حربا في داغستان واقال الوزارة. وحتى تنقشع الاتربة, يكون طاقم الكرملين الخفي قد انجز جزءاً كبيراً من توجهاته, ولايهم كم من السياسيين سيلقون في محرقة القيصر العليل. كاتب بحريني