أسوأ ما يمكن أن يحدث لمجتمع ان تصبح محاربة الفساد هي الجريمة وليس الفساد نفسه. وان يصبح الانحراف عملاً يجد الحماية ويفلت من العقاب. ومن هنا ينبغي النظر باهتمام الى ما يحدث في بعض القضايا الهامة والتي يتابعها الرأي العام ويرى في الاجراءات الاخيرة التي اتخذت فيها علامة خير يرجو ان تتسع دائرته. واول هذه القضايا هي قضية نواب القروض, حيث حصل بعض نواب مجلس الشعب على مئات الملايين من الجنيهات قروضا من بعض البنوك بدون ضمانات حقيقية وبتواطؤ من ادارات هذه البنوك. وقد تم الكشف عن القضية منذ سنوات, ومع ذلك تعرضت للمناورات والمؤامرات الخلفية, واستمر النواب في عضوية مجلس الشعب, وتمتعوا بحريتهم كاملة, ومارسوا عمليات التسويف في المحاكمة حتى تضيع معالم الجريمة او يتم التستر عليها. ثم تغيرت الأحوال منذ شهور.. حين تولى القضية قاض شجاع فتح أبواب التحقيق من جديد. ولم يتردد في كشف كل الحقائق وتطبيق القانون بجدية والوقوف في وجه عمليات التلاعب من جانب المتهمين ودفاعهم. وهكذا اصدر القاضي قرارات بحبس العديد من المتهمين ومنهم اعضاء في مجلس الشعب وبينهم وزير سابق كان يرأس احد البنوك المنهوبة في القضية. وتوالت المفاجآت لتكشف عن جوانب خطيرة في القضية التي شغلت الرأي العام منذ سنوات. شجاعة القاضي واخطاء اخر لقد اثبت القاضي الشجاع المستشار محسن صبحي ان القصور عن ملاحقة الفساد لا يأتي من قصور في القانون, وإنما من محاولات الالتفاف حول القانون وتعطيل احكامه, ومن تحالف الفاسدين في التستر على الانحرافات. وعندما انكسر غلاف الفساد الذي كان يحمي ويتستر, اخذ العدل طريقه الصحيح. مع شجاعة القاضي واصراره على تطبيق القانون, ثارت ضجة حول رفع الحصانة البرلمانية عن النواب المتهمين وحبسهم. ورغم بعض محاولات التشويش في مجلس الشعب, فقد سار الامر في طريقه. وهو ما يثبت ان هناك توجيهات عليا صارمة بترك العدالة تأخذ مجراها, وعدم استخدام مجلس الشعب ستاراً للانحراف. وهو امر بالغ الأهمية في هذا التوقيت, فقد كان البعض داخل المجلس يردد ان المساس بالنواب سوف يسيء لسمعة المجلس ولموقف الحزب الحاكم الذي يسيطر على 99% من مقاعد المجلس, مع ان العكس هو الصحيح وترك الامور بلا محاسبة ادى الى استمرار المنحرفين في انحرافهم مستغلين الحصانة التي يتمتعون بها.. فأساءوا لانفسهم وللمجلس. وجاءت القرارات الاخيرة لتثبت ان مواجهة الانحراف وليس التستر عليه هو السبيل القويم. وايضا كان البعض في المجلس يتصورون ان الامور ستبقى على حالها حتى تمر الاستحقاقات المطلوبة فيما تبقى من عمر المجلس, وأولها الاستفتاء على فترة الرئاسة الجديدة للرئيس مبارك. وجاءت الاجراءات الأخيرة لتثبت ان السلطة تدرك خطر ترك الفساد بلا مواجهة, ولتعطي اشارات واضحة على أنه ليس هناك احد فوق القانون, وان مواجهة الفساد معركة ضرورية لا ينبغي ان تنتظر الاستحقاقات, او تترك للصدفة. اثارت القضية التساؤلات حول موقف النائب العام السابق الذي ترك موقعه قبل اقل من شهرين, فانفتح الباب للتطورات الايجابية في هذه القضية وغيرها. ولعل أهم التساؤلات التي لم تجد اجابة مقنعة حتى الان ـ رغم تبريرات النائب العام السابق ـ هو السؤال حول سبب منحه اذناً بالسفر للخارج للمتهمة الرئيسية في القضية (عليه العيوطي) التي منحت زوجها حوالي 180 مليون جنيه قروضا من البنك الذي تديره بدون ضمانات, ثم حصلت من النائب العام السابق على اذن للسفر للعلاج.. وسافرت ولم تعد. ولحق بها احد المتهمين وهو عضو بمجلس الشعب اختفى هو الآخر, ولكن دون اذن من النائب العام السابق الذي بدأ يواجه أسئلة كثيرة حول قراره (الخاطئ على الأقل) بالموافقة على سفر العيوطي, بالاضافة الى تساؤلات اخرى حول قضايا اخرى منها قضايا توظيف الأموال وتراكمات الصحفيين وغيرها. .. وصور اخرى لمواجهة الفساد ولم تكن قضية نواب القروض وحدها هي التي أثارت انتباه الرأي العام, وإنما رافقتها قضايا اخرى تم التعامل معها بأسلوب جاد يختلف عما كان متبعا من قبل, ويكشف عن اتجاه لمحاصرة الفساد وتطبيق القانون بدون تفرقة وإنهاء سطوة رأس المال التي تصور أصحابها أنهم يستطيعون شراء كل شيء حتى القضاء!! في واقعة بلطجة اتخذت النيابة قراراً بحبس احد نواب مجلس الشعب على ذمة التحقيقات في واقعة محاولة اعوانه الاستيلاء على احدى البنايات بالقوة واستخدام السلاح في محاولة اجبار السكان على اخلائها. وهي واقعة حدثت مثيلاتها من قبل, ومرت بالاحتماء بالحصانة البرلمانية المغلوبة على امرها. وفي واقعة اخرى تقدم احد المحافظين للنيابة يطلب التحقيق مع ثلاثة من نواب مجلس الشعب بتهم تتعلق بالاستيلاء على اراض او الكسب غير المشروع. وقد نرى غيره من المحافظين يسلكون نفس الطريق, بعد ان ادرك الجميع ان الحصانة البرلمانية ليست وسيلة للتستر على انحراف. والتحقيق لم يبدأ والحقيقة سيتم الكشف عنها بعد التحقيق. وفي واقعة اخرى هامة, تمت احالة ابن احد المليونيرات اعضاء مجلس الشعب ومعه اثنان اخران الى محاكمة عاجلة بتهمة قتل احد المهندسين وابنه واصابة زوجته بالشلل في حادث مروع فوق كوبري اكتوبر, حيث ابن المليونير البرلماني يقود سيارته بسرعة فائقة ويدخل في سباق مع صديقه الذي يتابعه في سيارة اخرى, ومعهما بعض الصديقات, وبسبب السرعة والخمر فقد السيطرة على سيارته وصدم سيارة المهندس الشاب, وكان ما كان. الحادث اثار شجون المجتمع الذي ضج بتصرفات ابناء الطبقة الجديدة من اثرياء الانفتاح, الذين يتصورون انهم يستطيعون ان يفعلوا اي شيء بنفوذ الاباء وبأحوالهم. واعاد الحادث للاذهان مأساة العام الماضي في منتجع الاثرياء على الساحل الشمالي (مارينا) حين صدم صبي صغير يقود قاربا بخاريا شابا جامعيا وقتله, وخشي الكثيرون ان يتكرر ما حدث في العام الماضي, حين تم حفظ التحقيق واغلقت القضية بنفوذ والد الصبي.. المليونير الكبير وعضو مجلس الشعب, وظهر النائب العام السابق على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف يدافع عن القرار ويؤكد ان هذا هو العدل كما ينبغي! هذه المرة اختلف الوضع.. تم التحقيق بسرعة, واحيل المتهمون لمحاكمة عاجلة, وفشلت كل محاولات التطويق, وحتى حين استشعر بعض القضاة الحرج وتنحوا عن نظر القضية في اول جلسات المحاكمة, احيلت القضية فورا الى دائرة اخرى بدأت عملها على الفور, في اعلان واضح على انه لا مجال للتسويف بعد ان ادرك الجميع بشاعة الاثار التي تنتج عن تدليل ابناء الطبقة الجديدة, واخضاع القانون لنزواتهم, وتفشي مشاعر الاستهتار بينهم اعتمادا على نفوذ الاباء, السياسي او المالي. الهجوم المضاد من وراءه؟ هذه التطورات الايجابية اشاعت موجة من الارتياح الشعبي.. ولكنها في الوقت نفسه واجهت هجوما مضادا يحاول وقف هذه البداية الجادة خوفا من ان تتحول الى اعصار شديد يقتلع الفساد والفاسدين من جذورهم. * في مجلس الشعب.. بدأ الحديث عن عدوان على حقوق اعضاء مجلس الشعب, وكأن الحصانة البرلمانية موجودة للتستر على الفساد, وليست وسيلة لممارسة النائب لواجباته تحت قبة البرلمان, ونسي هؤلاء ان التستر على الفساد قد ألحق ابلغ الضرر بالمجلس, وافقده تقدير المواطنين, وجعله محلا لهجوم مستمر لن يتوقف الا باستعادة المجلس لما فقده, وهي عملية لن تكون سهلة وتبدأ بسلامة العملية الانتخابية وحسن اختيار الاحزاب السياسية لمرشحيها, وتمتد لتمنع حصول اي نائب على ميزة استثنائية بحكم موقعه. وبالطبع يخشى العديد من النواب على تأثير ما يحدث على الانتخابات القادمة في العام 2000, بها ويخشون من ان يؤدي ذلك الى حل المجلس والتبكير بالانتخابات ولكن ما حدث كان ضروريا في ظل السطوة المتزايدة لرجال الاعمال داخل المجلس وخارجه, ومع تزايد الصفقات المشبوهة التي اصبح البعض يبرمونها باستغلال مواقعهم داخل البرلمان, وهو امر لابد ان ينتهي والامل ان تصبح التطورات الاخيرة مدخلا لمواجهته نهائيا.. وبكل حسم, لان ذلك وحده هو الذي يحمي البرلمان والعملية الانتخابية من اساسها, ويبعد العمل السياسي عن الوقوع الكامل في براثن رجال الاعمال, وبعضهم ـ كما ثبت ـ ليسوا فوق مستوى الشبهات. * وفي دوائر المال والاقتصاد, بدأت حملة تخويف بأن حبس النواب سوف يؤدي الى هروب رجال الاعمال من مصر, وهو امر يثير الدهشة لانه يعني ان علينا ان نقبل الفساد ونحميه, والا فسيهرب رجال الاعمال لانهم لايستطيعون العمل في ظل القانون, ولايستطيعون ادارة اعمالهم الا بتجاوز القوانين ونهب البنوك والاحتماء بحصانة البرلمان او نفوذ المال او سطوة السياسة وهو امر مرفوض في كل الاحوال, ويسيء لرجال الاعمال الشرفاء الحقيقيين الذين يؤدون دورهم بامانة في خدمة الاقتصاد الوطني ويخوضون معارك ضارية لحماية الصناعة المصرية ومواجهة مؤامرات الوكلاء والسماسرة الذين لايتورعون عن خدمة المصالح الاجنبية على حساب الاقتصاد الوطني. هؤلاء الذين سبق للسلطة ان افهمتهم انها تدرك ابعاد ما يفعلون, وانها هي التي منحتهم الفرصة لكي يكبروا وهي على استعداد لان تعيدهم كما كانوا اذا استمروا في الاساءة للمصلحة الوطنية. والمهم ان ما يجري يقابل بترحاب كبير من كل الاطراف, واذا كان البعض يرى ان الخطوة قد تأخرت كثيرا, فان البعض يرى انها جاءت مبكرة في ضوء الاعتقاد بان اي تغيير حقيقي لن يكون الا بعد الاستفتاء الجديد على الرئاسة, لكن الكل يجمع على اننا امام خطوة هامة على طريق التصحيح لاوضاع لم يعد ممكنا استمرارها, وان استكمال هذه الخطوة ضروري, وممكن.. خاصة بعد ان تظهر الآثار الايجابية لهذه الخطوة التي تعيد للقانون هيبته, وتدخل في صميم المواجهة الجادة مع الفساد السياسي والمالي, وتؤكد ان مقاومة الفساد تفتح الباب واسعا امام الاستثمار الحقيقي في جو من الاطمئنان, وان اسقاط استخدام الحصانة البرلمانية لحماية الانحراف يفتح ملف الانتخابات القادمة مبكرا, ويضيع مقاييس جديدة لاختيار النواب, ويعطي الامل في برلمان قادم اكثر تمثيلا للقوى السياسية, واكثر تمسكا بالقيم البرلمانية, واشد حرصا على ان يكون اعضاؤه القدوة امام الجميع. هل فيما نقول افراط في التفاؤل؟ ربما.. ولكن عذرنا ان ما يمس القضاء يترك اثاره على المجتمع كله, وفي هذه الوقائع نحن امام صحوة تعيد للقانون هيبته وتؤكد القاعدة المعروفة بان التطبيق لقانون سيىء خير للمجتمع من التطبيق السيىء لقانون جيد. ثم.. نحن امام وقائع رصدها الرأي العام بدقة وانفعل معها في كل الحالات.. فأصيب بالاحباط حين رأى زواج المال بالسياسة ينتج اسوأ الاثار, وعايش رجال الاعمال وهم يغزون مجلس الشعب, ثم وهم ينشرون الفساد, ثم وهم يحاولون الافلات من القانون باستخدام الحصانة البرلمانية حينا, واستخدام الحصانة المالية احيانا اكثر. وازداد احباط الرأي العام وهو يتابع اخبار افلات الكبار من ايدي العدالة, وهروب اللصوص الكبار من مصرفي ظروف مريبة, وثم الاخطر من ذلك كله انفلات اوضاع ابناء الطبقة الجديدة الذين اصبحوا يشكلون عالما آخر اشتهر بانه عالم (مارينا) نسبة الى مصيف اصحاب الملايين.. هؤلاء الابناء اصبحوا ظاهرة فاسدة لاتثير بحماقاتها استياء المجتمع فقط, ولكنها تثير الخشية من عواقب السلوك الاستفزازي والعدوان على القانون واهدار القيم والاخلاقيات. الآن.. يرى المجتمع خطوات جادة لمواجهة ذلك, ويغمره الارتياح وهو يرى سلطان القانون فوق الجميع, ويرى الفساد في قفص الاتهام مهما كان اصحابه. من حق الناس ان ترتاح, وان تتفاءل, وان تنتظر الخطوات الاخرى على هذا الطريق.