يتردد في الكتابات الخاصة بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد, او في وصف التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم الآن تعبير (التقسيم الدولي الجديد للعمل) ويشير التعبير الى تبلور انماط جديدة للتخصص وتقسيم العمل بين الدول والوحدات الانتاجية وذلك في اطار التوجه نحو (العولمة) وسعي كل دولة او وحدة انتاجية الى تعظيم ميزاتها التنافسية, وادى فهم ذلك الى اعادة تحديد للأولويات الصناعية, والى اعادة النظر في تخصيص الموارد, والى اعادة هيكلة عديد من الصناعات والخدمات بما يستجيب لاحتياجات هذا التطور العالمي الجديد. ومفهوم تقسيم العمل هو من المفاهيم العلمية في دراسة الاقتصاد الدولي والعلاقات الاقتصادية الدولية, فمنذ تبلور النظام الرأسمالي وحرية التجارة, برزت فكرة (التخصص الدولي) والتي بمقتضاها اصبح من المتوقع ان تتخصص كل دولة في انتاج السلع والخدمات التي تتمتع فيها بميزة نسبية. وفي هذا السياق, فان مفهوم نظام التقسيم الدولي للعمل يشير الى نمط التراكم الرأسمالي, ونمط الاستثمار, ونمط المعرفة السائدة المستخدم في العملية الانتاجية, والذي يحقق لكل اقتصاد أكبر قدر من العوائد والمنافع. وفي هذا الاطار, فان القوة الدافعة للتقسيم الدولي الجديد للعمل هي الثورة العلمية والتكنولوجية التي يتم اعادة تشكيل العالم وفقا لتداعياتها واثارها. لقد افرزت هذه الثورة (انفجارا) معرفيا هائلا, وتوسعا غير مسبوق في حجم المعرفة الانسانية في كل المجالات حتى ان بعض المتخصصين في تاريخ العلم وصلوا الى القول بأن 90% من اجمالي عدد العلماء الذين عرفتهم البشرية عبر تاريخها الطويل مازالوا احياء. وقد ترتب على هذه الثورة عدة نتائج. منها تسارع عملية التغير التقني وتضييق المسافة بين العلم (اي النظريات والاكتشافات النظرية) والتكنولوجيا (اي التطبيق العلمي لها في مجالات الانتاج والخدمات..) ومنها ازدياد حجم الاموال المخصصة لاغراض البحث والتطوير, ومنها ان المعرفة اصبحت احد العناصر الاساسية للعملية الانتاجية, وان الجزء الاكبر من ثمن أي منتج صناعي متقدم يتجه الى تكلفة المعرفة التي استخدمت في انتاجها وليس الى ثمن المواد الخام التي ساهمت في صنعها. ومنها ازدياد عدد العاملين في مجال ما يسمى الآن بصناعة المعلومات والاتساع المستمر لحجم هذا القطاع ووزنه في الاقتصاد. وأصبحت (ادارة المعلومات) وفن الاستفادة منها من المجالات التي تلقى رواجا متزايدا. وفي سياق هذه الثورة, فان العملية الانتاجية يتم تقسيمها وتجزئتها بين عدد من الوحدات الانتاجية في نفس الدولة او في اكثر من دولة. لم تعد الدولة هي اطار النشاط الاقتصادي بل اصبحت الشركات العملاقة دولية النشاط, والبنوك الكبرى تنظر للعالم أسره بمثابة فضاء انتاجي واستهلاكي واحد. واصبح الحديث يدور عن (اقتصاد عالمي واحد) تترابط اجزاؤه وتتداخل. ومن ثم, لم تعد الدولة تتخصص في انتاج سلعة من السلع, بل في انتاج احد مكوناتها وحسب. وترتب على ذلك ازدياد التداخل والاعتماد المتبادل بين اقتصادات الدول المنخرطة في هذه العملية. وتضمن هذا ازدياد حجم التجارة الدولية, وازدياد حجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة, وازدياد التفاعل بين البورصات واسواق المال. كما ترتب على ذلك ان نقل التكنولوجيا لم يعد يشير الى العلاقة بين دولة واخرى, ولكن الى نقل التكنولوجيا في مشروعات اقتصادية او بين شركات ترتبط ببعضها البعض. كما ارتبط بذلك نقل جزء من الصناعات الى الدول النامية اما بسبب انخفاض اجور المهندسين فيها مثلما الحال في صناعة البرمجيات والتقدم المذهل الذي حققته الهند فيها, او لأنها صناعات ملوثة للبيئة ولم يعد مقبولا استمرارها في المجتمعات المتقدمة. اما عن الآلية الرئيسية التي يتم من خلالها تحقيق ذلك فهي الشركات الدولية النشاط والتي يتزايد حجم التجارة والتبادلات النقدية الذي يتم من خلالها. ونحن نشير هنا الى شركات عملاقة تفوق ميزانياتها القدرات المالية لأغلب دول العالم, وهي شركات تسعى الى التوسع من خلال الاندماج مع شركات اخرى او شراء الشركات الاصغر والاقل حجما التي تعمل في نفس مجال تخصصها. ومن اهم الحالات التي حدثت في عام 1998 اندماج شركتي دوجلاس ماكدونالد, وبوينج في مجال صناعة الطائرات وتأسيس شركة جديدة تسيطر على اجمالي نسبة 64% من سوق انتاج الطائرات في العالم. ولا يمر شهر دون ان تحمل الجرائد العالمية اخبارا حول اندماجات بين البنوك ومؤسسات الاستثمار وصناديق المعاشات, وذلك بهدف خلق كيانات اقتصادية كبرى قادرة على ضخ استثمارات هائلة في مجال البحث والتطوير التكنولوجي, وقادرة على تطوير نظمها الادارية واستراتيجياتها التسويقية عبر العالم كله. وهكذا, تبرز معالم هذا التقسيم الدولي الجديد للعمل: مزيد من عولمة النشاط الاقتصادي, وازدياد نسبة التجارة الدولية والاستثمار الاجنبي, ونمو قطاع الخدمات, وازدياد اهمية المعلومات كأحد عناصر الانتاج. ولكن من الخطأ استنتاج ان هذه الصورة تنطبق على كل دول العالم, فهي صورة صحيحة عن الوضع بين الدول الصناعية المتقدمة وحسب. واذا كانت المسافات قد ضاقت, والحدود قد تراجعت بين هذه الدول بفعل التقسيم الدولي الجديد للعالم, فان الوجه الاخر للصورة هو ان المسافات قد زادت, والحدود قد ارتفعت بين الدول الصناعية المتقدمة وتلك النامية. وهكذا, فان كانت (العولمة) توجد عالما متداخلا ومندمجا بين دول الشمال المتقدم, فانها تضع الاساس لعالمين مختلفين ومتباعدين: العالم المتقدم والعالم النامي. وما لم تعقد الدول النامية العزم وتمسك بأسباب التقدم العلمي, وتدخل في المجالات الجديدة التي تتيحها الثورة العلمية والتكنولوجيا فانها سوف تواجه في السنوات القليلة المقبلة اخطار التهميش. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة