تعود التحولات الكبرى في منطقة الخليج الى العقود الثلاثة الماضية مع انه كان موضع اهتمام دولي كبير وبخاصة من جانب الدول الكبرى آنذاك: الولايات المتحدة, والاتحاد السوفييتي, وبريطانيا التي كانت تبسط نفوذها على اغلبية منطقة الخليج . غير ان الخليج شهد تطورات وتحولات متتابعة ومتسارعة عكست نهوضه وتبدل اوضاعه دولاً وسكاناً بصورة ايجابية الى درجة يمكن القول فيها ان منطقة الخليج غدت منطقة مميزة وذات اهمية خاصة مقارنة بالمناطق الجغرافية العربية الممتدة ما بين بلاد المغرب وشمال افريقيا الى وادي النيل وصولاً الى بلاد الشام والعراق. واذا كان من الصحيح القول ان النفط وعائداته قد لعبا دوراً مهماً في تحولات وتبدلات الخليج ونهوضه في الثلاثين عاماً الماضية, فإنه لا يمكن التسليم باطلاقية النفط وعائداته كسبب حاسم في ذلك, بل يمكن اعتباره بين اسباب رئيسية اخرى قادت الى تبدلات الخليج ونهوضه, ولعل في تلك الاسباب حضور عدد من القادة الذين استطاعوا ان يجعلوا لبلادهم موقعاً سياسياً مهماً, والى عقلية وتقاليد اعطت القادة امكانية ان يجمعوا الى موقعهم القيادي كوادر وامكانيات بشرية هىأت لتقدم سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي, استغلت فيه بعض اموال النفط من اجل انجازات مهمة ومتعددة في اطار ما تم تحقيقه في الواقع العربي. ان بين ابرز ما تحقق من انجازات في الخليج تجسده التحولات الوحدوية في المنطقة, وهناك تجربتان ينبغي التوقف عندهما في الخليج: الاولى تجربة ذات بعد محلي وهي اتحاد الامارات والذي قامت على اساسه دولة الامارات العربية المتحدة برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في العام ,1971 والثالثة تجربة اقليمية وهي مجلس التعاون لدول الخليج العربية والذي ضم كلاً من المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر وعمان ودولة الامارات العربية المتحدة منذ قيامه عام 1981 وهو التجربة التي اثبتت انها مستمرة, وكانت بين عوامل استقرار المنطقة. وثمة نقطة اخرى في تجليات نهوض الخليج في السياسة الخارجية لدول الخليج العربية, يمثلها اتجاه هذه السياسة الى الاعتدال والتوازن في العلاقات الاقليمية والدولية, سواء في علاقات الخليج مع البلدان العربية او في العلاقة مع الجمهورية الاسلامية في ايران شريكة العرب في الخليج والتي كثيراً ما كانت علاقاتها متوترة مع الدول العربية. وقد أدت سياسة دول الخليج الخارجية الى دور مهم وملحوظ في العلاقات والقضايا العربية وبخاصة القضايا السياسية والاقتصادية, كما أدت تلك السياسة الى فتح جديد في العلاقات العربية الايرانية عامة وفي الخليج خاصة. كما أن دول الخليج العربية تحاول اتباع سياسة متوازنة في العلاقات الدولية سياسياً واقتصادياً مع دول أوروبا وأمريكا والدول الآسيوية, رغم الحضور الأمريكي عقب حربي الخليج الاولى والثانية. وتناسباً مع مؤشرات نهوض الخليج في سياسته الاقليمية والدولية, فان هناك مؤشرات نهوض اقتصادية لاتعبر عنها فقط التطورات الداخلية في الأوضاع الاقتصادية, بل يضاف الى ما سبق جهود تبذلها دول الخليج العربية في المضي نحو مهمات اقتصادية اقليمية ودولية صناعياً وتجارياً ومالياً, وهناك كثير من المؤشرات في هذا الاتجاه موجودة في دولة الامارات العربية وفي البحرين وقطر كما في المملكة العربية السعودية. وتترافق مع المؤشرات السابقة مؤشرات لتبدلات سياسية واجتماعية, تعكس تحولا ونهوضاً في الواقع السياسي والاجتماعي لدول الخليج العربية, وبين المؤشرات التوجه نحو اقرار دساتير حديثة في دول المنطقة, وهو ما بدأته الكويت بعيد استقلالها, ثم أضافت له اقامة برلمان, وفي هذين الاتجاهين تمضي خطوات متلاحقة لدول الخليج العربية الاخرى. وتمتد مؤشرات النهوض الثقافي في الخليج مترافقة مع مؤشرات النهوض الاخرى, وفي معطيات النهوض الثقافي العديد من المؤسسات الثقافية الخاصة والعامة المنتشرة في معظم البلدان الى جانب الجامعات ومراكز البحث والمعلومات, والمؤسسات الاعلامية التي تتابع بعضاً من شؤون الثقافة وهمومها. إن الصورة الاجمالية لمنطقة الخليج من خلال المؤشرات والمعطيات, تعكس نهوضاً عاماً للمنطقة بدولها وشعوبها, فالواقع المتحقق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً, يعكس تحولاً عاماً ومهماً في حياة هذه المنطقة من العالم العربي.