يوما بعد يوم تتراكم المعلومات المتعلقة بمواقف عربية جديدة ومتحولة تجاه قوى حركة التحرر الفلسطينية. يقال ان دمشق أخذت تنصح فصائل المعارضة المقيمة في رحابها بالتركيز على النشاط السياسي .. بما يعني تلقائيا نبذ الكفاح المسلح. ويقال ان طرابلس الغرب راحت تفك ارتباطها مع الفصائل ذاتها وتعزز في الوقت نفسه صلاتها بالسلطة الفلسطينية المنغمسة في التسوية السياسية وإذا تذكرنا أن سوريا وليبيا هما من قلائل أو حتى أواخر الدول العربية التي ظلت عاكفة على مساندة المقاومة الفلسطينية بعقيدتها وثوابتها التقليدية. وعلى الرغم من مسيرة التسوية أدركنا أننا بصدد اكتمال دائرة التحول في المواقف العربية إزاء السياسة والحكم في فلسطين وحدود حركتها النضالية. يقلل البعض من شأن هذا المستجد, بزعم أن قوى المقاومة لا تقوم فعلا بأنشطة مسلحة منذ سنوات كثيرة. غير أن الإقتناع بهذا النهج بحكم قيود ومحددات ذاتية وموضوعية شىء والإقناع نزولا عند الوازع العربي أو انصياعا لإرادة وسياسة عربية مضادة شىء آخر تماما. ولكي نتعرف على تداعيات هذه السياسة العربية الجديدة. علينا أن نضعها في إطارها التاريخي الأشمل. فقد تغلغل العامل العربي في المسار الفلسطيني متلصصا في منتصف الثلاثينات.. بنداء القادة العرب الشهير للفلسطينيين بوقف الثورة الكبرى (1936 ـ 1939) ثم أصبح هذا العامل قويا في منتصف الأربعينات إلى أن بات حاسما في منتصف الخمسينات وصولا إلى منتصف الستينات. ويلاحظ بصفة عامة.. أن كافة الأطر السياسية الفلسطينية الجامعة كحكومة عموم فلسطين ومنظمة التحرير من بعدها والهيئة العربية العليا من قبلهما.. لم تتمكن من تجاوز الشرط العربي لمرورها واستمرارها أو اضمحلالها وزوالها طوال هذه المراحل. وتنطبق الملاحظة ذاتها على قيام وقعود الحركات والفصائل النوعية الجزئية سياسية كانت أم مدنية. المغزى هنا التنظيمات الفلسطينية التي قدر لها الاستمرار والفاعلية. وهي تلك ظهرت نتاجا لاتقاء إرادة الفعل الفلسطيني مع حد معقول من التوافق العربي. وغالبا ما كان انتقاء هذا التوافق ولاسيما بين القوى الأكثر تأثيرا في النظام العربي إيذانا بأزمة على صعيد السياسة الفلسطينية. ومع ذلك فان الطرف الفلسطيني سعى جاهدا للعمل بمنأى عن عواصف السياسات العربية ومتغيراتها. وقد سمحت له الظروف الموضوعية غداة هزيمة 1967 بالمضي قدما في هذا الطريق تحت شعار (القرار الفلسطيني المستقل) ومن المعروف الآن في السيرة الذاتية لحركة التحرر الفلسطينية أن هذه الحركة بأطرها العامة كمنظمة التحرير أو بفصائلها لم تتمكن من تطبيق هذا الشعار حرفيا. وعلة ذلك بنظر البعض وقوع الثقل السياسي والتنظيمي المدني والمسلح للحركة تحت طائلة القوى العربية.. خارج فلسطين التاريخية بالكامل. وكان المفترض أن يؤدي انتقال هذا الثقل للداخل إلى تخفيف انعكاسات الشرط العربي على السياسة الفلسطينية. بل وحاول أنصار صيغة أوسلو وتوابعها عمدا نكأ جراح الفلسطينيين من العرب.. أثناء عملية تسويق تلك الصيغة. زاعمين أن نتائجها ستفضي إلى نزع الهيمنة العربية التي أثقلت كاهل فلسطين بلا جدوى مطولا. لكن الذي حدث فعلا خالف الطموحات المعلنة والمضمرة.. إذ سرعان ما تبين للجميع سخف الإدعاء بإمكانية مرور القرار المستقل بأمان عبر صيغة أوسلو. واتضح عاجلا أن بديل الشرط العربي.. إن كان له من بديل.. هو الوقوع بين يدي الشرط الإسرائيلي. بمعنى أن رفع الغطاء العربي عن السياسة الفلسطينية حتى وان كان مهلهلا.. سيفتح المجال للهيمنة الإسرائيلية. وبذلك فإن القرار الفلسطيني قد يستقل عربيا ولكن ليقع تحت سيطرة إسرائيل. لماذا؟.. لأن حركة التحرر الفلسطينية لم تدخل فلسطين ظافرة منتصرة بشكل حاسم أو غير حاسم.. ولذا فهي لا تستطيع درء الضغوط الإسرائيلية وغير الإسرائيلية عن نفسها. لقد كان العيب الأساسي في نظرية القرار المستقل.. أنها قامت في شقها الأعظم على افتراض سلبية العامل أو الشرط العربي.. وكذا على الإدعاء بإمكانية تحقيق التوازن مع العدو الصهيوني فلسطينيا في غياب هذا الشرط. وكلاهما غير صحيح. ففض الاشتباك الفلسطيني العربي يعني استضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية.. وفتح الطريق لمحاصرتها عربيا وإقليميا ودوليا. ثم إن التأثير العربي على هناته ومآخذه لم يكن سلبيا دوما بالنسبة لحركة التحرر الفلسطينية.. من كان يتصور مثلا أن تنجح هذه الحركة في لملمة الشعث الفلسطيني غداة النكبة.. وصولا إلى تكوين منظمة التحرير.. وكافة الأطر السياسية المنضوية وغير المنضوية تحتها.. من دون بيئة عربية رسمية مواتية وقابلة بهذا التكوين؟. بوسعنا المضي قدما في استحضار الأمثلة على ضرورة حتمية الائتلاف العربي من حول السياسة الفلسطينية.. إن أرادت هذه السياسة متابعة الحد الأدنى ــ ولا نقول الأقصى ــ من أهدافنا.. وقد يكون البعض محقا.. إن زعم عدم قدرة السلطة الفلسطينية في الداخل على الديمومة واطراد العمل باستقلالية ما عن إسرائيل.. بغير الحضور العربي كظهير لها. ومن المؤكد أن الوعي الفلسطيني الرسمي والشعبي هو الذي يحث السلطة ليلا ونهارا على استدعاء هذا الحضور.. بعد أن زالت غشاوة وهم الاستقلال المطلق عن العرب بدون خسائر وخصومات بالنسبة للحقوق الفلسطينية. إن استذكار هذه الحقائق وتأملها هو الذي يدعونا للتوجس من احتمالات استكمال زاوية التحول العربي بعيدا عن فلسطين وقضيتها التي مازالت تنادي أرومتها القومية. والحق أن للمحيط العربي مصلحة مؤكدة في نصرة هذه القضية.. تماما كمصلحة حركة التحرر الفلسطيني.. هذا إن كان ثمة ما يبرر تباين المصالح في هذا المقام. كيف لا.. وإسرائيل التي إن انفردت بالطرف الفلسطيني وكيفت مصيره على هواها.. لن تنتهي به. فلقد كانت فلسطين ومازالت واسطة العقد في التئام النظام العربي. وليس بعد اختفاء هذه (الواسطة) سوى الاجتهاد في تقويض النظام ذاته. يعلم هذا يقينا أولئك الذين يتفكرون مليا في مغزى (الشرق أوسطية) . وعلى كل حال.. فإنه لو صحت الأقوال حول توجه سوريا لضبط إيقاع قوى المعارضة الفلسطينية بحسب نغمة التسوية الجارية.. فقد نكون إزاء إرهاصات لنجاح نظرية التلاعب بالمسارات التي يتبناها باراك وفريقه. وهذا تطور لا يدعو للسرور.. باعتبار أن إضعاف هذه المعارضة ينعكس سلبا حتى على فريق التفاوض الفلسطيني في التحليل الأخير. كاتب وباحث فلسطيني - القاهرة