هل أراد(يوسف)أن يثقب الكون بسن قلمه أو بسن غضبه .. هل حاول ولو لمرة واحدة أن يغير بيت البرق الذي يسكنه هل كان البحر الذي يمتد أمامنا يا(رجاء) هو الكائن الحي الوحيد القادر على كتابة سيرته الذاتية .. كيف حافظ على عريضة الاحتجاج وعلبة الكبريت اللتين نزل بهما من بطن أمه .. ما الذي كان يحرضه على أن يخرج لسانه لكل إشارات المرور الحمراء وهو يندفع بجنون نحو الهاوية .. كيف أجبرنا على أن نمشي وراءه في مظاهرة لا تنتهي من أجل الحرية .. كيف استغل الجوقة الموسيقية وسلطة الإيقاع العام ليؤلف نغمته الخاصة ويمشي وحيدا على ضفاف لغته. ويوسف هو يوسف إدريس.. ورجاء هي رجاء الرفاعي زوجته .. أو رجاء إدريس كما يعرفها الجميع .. أما البحر فهو بحر الساحل الشمالي في مارينا .. حيث كان يوسف يعود طفلا يلاعب الأمواج لعبة المصارعة الحرة .. دون أن يبني قصورا من رمال .. وحيث سمعت جنيات الماء وهو يقول "أن العالم سجن كبير من القسوة يجبرنا على الوقوف في الطابور كل صباح لنقسم أننا لا نتعاطى الحرية وأن كل ما نفرح به هو علبة سجائر مهربة من وراء الحرس .. لكن دخان السجائر لم يعد إلينا نصف أصابعنا المحترقة .. ولا نصف دفاترنا المصادرة .. ولا نصف ضمائرنا المنهوبة.. وهل نسيت عبارته الموجعة التي لا تزال تقطر خلا على جراحنا المفتوحة (أن كل الحرية الممنوحة في العالم العربي لا تكفي نصف كتاب واحد) . كأنه كان موجودا في مكانه .. في مقعده .. يقرأ جرائده .. يدخن سجائره .. يملأ الدنيا حركة ولا يهدأ .. فمن الذي قال انه ليس بيننا .. من الذي قال انه اختار حر أغسطس ليرحل عنا منذ 8 سنوات .. ولا هو غائب .. ولا الناس كفت عن زياراته .. ولا رجاء إدريس تتكلم عنه بضمير الذي كان .. لقد تركتها تتكلم دون أن أتدخل .. فقد شعرت أنها تكلمه .. ولا تكلمني. هو مثل ثمرة (التين الشوكي) .. لابد أن يتألم كل من يعاشرها قبل أن يحظى بها.. هو مثل بركان النار.. لابد أن يحترق كل من يلامسه قبل أن يتفجر حبا وإبداعا وخصوبة .. لكنه في النهاية طفل.. الحنان مفتاحه.. الحب احتياجه.. الدفء أغلى أحلامه.. الإحساس بالأمان هو الجائزة التي ظل ينتظرها طوال عمره. كان موظفا في وزارة الصحة.. عندما رأيته أول مرة .. كان مفتش صحة الدرب الأحمر.. لم يكن يوسف إدريس الذي نعرفه .. كان قد قدم نفسه بقوة في مجموعته الأولى (أرخص ليال) التي كتب مقدمتها الدكتور طه حسين .. لم أكن سمعت عنه .. وجدته أمامي على عتبة بيت شقيقتي في بيت بشارع المبتديان كان يسكنه .. كان جار شقيقتي .. في لحظة واحدة حدثت الشرارة .. طرق الباب وطلب أن يتكلم معي .. أصيبت شقيقتي بالذعر.. كان عمري 17 سنة وكنت مخطوبة لطبيب أيضا.. لم أنكر أنني أعجبت به .. لكن .. لا أحد في ذلك الوقت يقدر على مواجهة هذه الجرأة. فاتح زوج شقيقتي الأخرى إسماعيل الحبروك في موضوع الزواج مني .. لم يرض بأي عذر .. حتى بخطبتي لآخر .. فوجئ الجميع بأنني أقبل الزواج منه .. من هي المرأة التي تقاوم رجلا يقتحمها بهذا الجنون .. ثم انه أصبح مصورا في مياه عيوني .. شعرت أن الأرض بدونه لم تعد تدور .. لكن .. جنونه لم يتوقف .. فوجئت برسالة منه يعتذر فيها عن الزواج مني .. كانت مبرراته .. أنه يكبرني بحوالي 12 سنة .. وأنه رجل يحترق بالشك والغيرة .. وأنني لن أحتمل فنانا بكل هذا الهذيان الفني .. قرأت الرسالة .. فقلت لنفسي: لن أتزوج إلا من هذا الرجل .. وقد كان. بدأ بالخطوبة .. وبعد يوم قال: خطوبة وعقد قران .. وبعد يوم آخر قال: خطوبة وعقد قران وزواج .. دفع مهرا 100 جنيه.. لكن كنا مفلسين ونحن نبدأ رحلة شهر العسل إلى شاطئ رأس البر .. فلم نجد سوى المهر ننفقه في شهر العسل .. وعندما عدنا إلى الواقع كان علينا أن نواجه الحياة بمشاكلها المادية .. لم يكن قد احترف الكتابة .. كان دخله من وظيفة الحكومة 25 جنيها. لم أواجه معه مشاكل مادية .. مشاكلي معه كانت نفسية .. طباعه حادة .. مزاجه متقلب .. جنوحه الفني صارخ .. غيرته كرجل لا حدود لها .. وأنا فتاة صغيرة مدللة بلا خبرة .. درست علومها النفسية بالفرنسية .. لم تكن تميل للقراءة بالعربية .. كان يمكن أن أهرب من هذا الجحيم الذي يمشي على قدمين ويتنفس ويبحث عن مكان في الشمس .. وليس تحتها .. لكنه الحب الذي هو من عند الله الذي كان يعد النور بعد الظلام .. ويعيد السكينة بعد العاصفة .. ويعيد الصفاء بعد الفناء. الحب هو ما يحتاجه الفنان البريء الذي يمسك النجوم بيده ويحترق بها ويصاحب البراكين والزوابع ولا يستغني عنها.. الحب الذي يعطيه الحنان.. ويشعره بأنه صغير يهدأ على صدر أمه بعيدا عن كل الذئاب التي تطارده .. الحب الذي كان متعطشا له 24 ساعة في اليوم .. لينسى بحنانه شقاء أيام الطفولة التي يتعذب بها كل من خرج من طمي الريف وقسوته .. الحب الذي يطمئنه وهو يخرج شياطين الإبداع من جسده في تجارب عنف وشراسة لا يحتملها بشر هم موظفون في الحياة .. موظفون في العشق .. موظفون في علاقاتهم بالمرأة. الفنان هو شخص غير متوازن .. لو توازن أصبح سائق تاكسي .. أو محاسبا قانونيا .. أو شرطيا ينظم السير .. ويوسف هو فنان حقيقي .. لا يعرف المنطقة الوسطى بين الأبيض والأسود .. بين الجنة والنار .. بين العقل والجنون .. بين الحب والتدمير .. بين الماء والنار .. بين الحرب والهدوء .. عرفت ذلك .. فعرفت كيف أحتمله 35 سنة .. ومهما كان الحريق .. ومهما كان الغبار .. فقد خرج من وسط الدخان الكثيف مبدعا لم يكرر نفسه ولا كرره غيره ولا تكرر. لا أشعر بالرغبة في مقاطعة رجاء .. فهي في حالة وعي وهي تتحدث عن يوسف .. بل ربما لم أجد نفسي قادرا على رشف خيوط القهوة حتى لا أخرجها عن اندماجها وهي تتجول في خريطة يوسف التي رسمها برماح وحراب فاتح ماغولي .. يهبط فجأة من جواد غزواته ليقطف زهرة ويقدمها لها. يوسف .. قبل الكتابة .. كان يمسك بأي شيء في يده ويحطمه .. جهاز راديو .. جهاز كاسيت .. كان تفكيك الأشياء يريحه ويخفف من القلق المدمر الذي يجتاحه قبل أن يصافح شياطينه المبدعة .. مازلت أحتفظ بعشرين جهاز كهربائي دمرها.. قطعها المتناثرة دفعت ثمن إبداعه الذي ما كان يخرج من صلبه دون تكسير.. يهدأ قليلا.. يطلب مني أن أبقى أمامه.. وكأنه في حاجة إلى من يحميه من نفسه في هذه اللحظات.. أظل أمامه حتى يندمج في المخاض.. أسمعه يكلم نفسه.. يكلم أبطاله وهو يخلقهم من لحم ودم.. وكثيرا ما يغضب منهم.. فيحرك يده في الهواء.. ويكاد أن يضع إصبعه أو قلمه في عيونهم.. في هذه اللحظات التي يقفز البشر الذين خلقهم إلى الوجود ـ أنسحب من أمامه .. ويقتصر دوري على فنجان القهوة .. أو كوب من الحليب .. أو خفوت الإضاءة . كان علي أن أحميه من نفسه .. من تدمير ذاته .. كان علي أن أخفف من إشعاله الداخلي حتى لا يحترق .. فليدمر البيت ولا يدمر نفسه .. فليحرق ما حوله ولا تلسعه نيرانه وبراكينه .. ورغم تعبي وعذابي لم يكن أمامي مفر من أن أحتمله .. كان يستحق أن أحتمله.. وأن أحافظ على الطفل الذي يجري في شرايينه.. وأرعاه.. وأطمئنه. درست من جديد .. وصلت إلى معهد التذوق الفني والأدبي .. حاولت أن أمنحه عقلي في صورة جديدة بعد أن منحته روحي في صورتها الطبيعية .. لقد قرأت لك مرة: (أنك تفخر أنك موجود في زمن يكتب فيه ويتنفس ويقاتل فيه يوسف إدريس) .. فكيف لا أشعر بالفخر بأنني أقرب مخلوقات الله إليه ؟ .. كيف لا أشعر أنني (ست) العالم وهو لا يقبل أن يدخل البيت إذا لم يجدني فيه .. فالبيت ليس بيتا آمنا بدوني .. هل حظيت امرأة بهذا الوسام من قبل؟ لم يكن الربيع يشبهه.. كان أقرب للصيف.. خاصة وهو يكتب.. طلقة ساخنة من الحرارة واللهب تخرج منه مرة واحدة .. وقصة مكتملة .. يتوقف أمام زوجة بواب وجهها أصفر وبها مسحة من الجمال لم تقدر على مقاومة الفقر .. فيكتب (النداهة) يحزنه خادمة صغيرة تحمل الكثير فوق رأسها الصغير وتحلم بأن تلعب مع أقرانها .. فيكتب "ناصرة" .. لكن القصة التي أحبها وأحفظها هي قصة "لعبة البيت" .. قصة صبي وفتاة يلعبان لعبة الحياة .. لعبة الرجل والمرأة .. لعبة الزواج .. وقد سميت اسم ابني الأكبر سامح على اسم بطل القصة .. وكان يوسف يريد أن يسميه محمدا. في كثير من الأحيان كان يوسف يحلم بالقصة التي سيكتبها . كان يعيش في عالم آخر .. يستدعيها من هناك .. ثم يقوم فزعا باحثا عن ورقة وقلم ليسكب عليها ما جاء له في المنام .. وكنت دائما جاهزة للاستيقاظ .. وجاهزة بالورقة والقلم .. يا لها من مصالحة غريبة بين الضوء والعتمة .. بين الحلم والواقع .. بين الماء والحرائق.. ليس لإبداعه ذاكرة.. فكل قصة جديدة لا تشبه ما سبقتها.. وكل شخصية تولد على سن قلمه لا تشبه شقيقاتها.. ابداعه لم يعرف التكرار.. ولا التشابه.. ولا يعترف بنظرية عيون الصينيين التي يصعب التفرقة بينها. أقول لها .. لأنه لم يكن مبدعا آمنا.. كان ينتظر الغدر من جلده ولحمه.. كان يخاف من هذه اللحظة ويتوقعها .. ورغم أنها لم تأت فقد كان يخشاها ويغشاها.. ولعل إبداعه ظل مطاردا بقلق مزمن منها.. أننا لو وجدنا الغدر من الغرباء والأعداء جرينا لمن نحب نلوذ بهم.. لكن لو جاء الغدر ممن نحب فإلى أين نذهب.. وبمن نحتمي.. إنها البرودة والغربة والوحشة التي كانت تهز مفاصل أبطاله .. وتهزه. تسرح رجاء في الأفق البعيد .. تسكت قليلا .. وكأنها تنتظر اجابة على ملاحظتي .. تقول وكأنها تعيد ما يقوله الوحي: "كان لابد أن نصبح أصدقاء .. والأصدقاء لا يخشون الصراحة ولا الاعتراف بالأخطاء .. كان يكشف لي عوراته وعيوبه وأخطاءه .. وهو ما جعل الحب بيننا يكبر يوما بعد يوم ولا يحال إلى التقاعد .. والحب الذي كبر إلى هذا الحجم هو الذي صنع معجزة البقاء والاستمرار والسكن الدائم في قلوبنا .. لم أجرحه يوما .. ولم أحاسبه يوما . كان رصيده من الحب والإبداع يتجاوز كل خسائر في الحياة. لا أحد عرف يوسف وصادقه من لقاء عابر في مقهى .. لا أحد لم يعرفه ويصادقه إلا في غبار المعارك التي ملأ بها الحياة الأدبية والصحفية والسياسية .. كانت كتاباته المفخخة تصنع علاقة متينة لا تحدث إلا في الحرب وتحت السلاح. أنا شخصيا لم أشعر بصداقته إلا بعد أن خضت معه معركة كان خصمه فيها وزير الثقافة الأسبق عبد الحميد رضوان الذي وصفه يوسف بأنه كاتب (مخدر) .. وقامت الدنيا ولم تقعد .. فها هو واحد من الأعيان وتجار المواشي يحتل وزارة الثقافة ويسب أبرز رموزها في المسرح والقصة القصيرة .. ها هو يتجاوز حدوده .. ويتصور أن الوزير أهم من المبدع .. والمنصب أهم من الفن .. وقد غضب الناس مما فعل الوزير وطاردوه بأكثر من ألف خطاب كان يصل إلى يوسف يوميا .. وليس من الصعب أن نؤمن الآن بعد مرور هذه السنين بالقاعدة الخالدة التي تؤكد أن الحكومة تذهب والموهبة تبقى. ولم تكن هذه المعركة هي الوحيدة التي خاضها يوسف .. بل ربما كانت أضعف المعارك .. فقد دخلها ووثيقة الفوز بها في جيبه .. ولعل أصعبها كانت معركة جائزة نوبل التي حرم منها .. والتي لم يتردد البعض في رجمه بالطوب والحجارة بسببها. وتسرح رجاء فيما أقول .. وتقول: (ان موهبة يوسف كانت في حاجة إلى حماية .. لكن البعض كان لا يتردد في تدميرها .. وكأنه لا يكفيهم رغبته في تدمير نفسه.. حتى الأدباء الشبان الذين قدمهم ودافع عنهم لم يتركوا نصيبهم من الهجوم عليه.. وفي النهاية والبداية كان مثل بطل قصته الصبي الذي كان يهرب من العالم إلى جوف شجرة يحتمي بظلالها وأوراقها.. وكأنها هي الأم .. وعندما قلت لرجاء: أنك في حياة يوسف كنت هذه الشجرة.. لم تجب.. ووجدت عينيها تبرق بالدمع.. وعندما قلت لها: (انه سلطان في قانون هذا الوجود كما قال عن الأقوياء في عالمنا) .. عادت الشمس إلى وجهها من جديد.