فجأة أقال الرئيس الروسي بوريس يلتسين صديقه المقرب سيرجي ستيباشين من رئاسة الوزارة الروسية واستبدله برجل المخابرات الشهير فلاديمير بوتين.. وكان من الطبيعي ان تتعدد التفسيرات حتى كادت تخفي الهدف الرئيسي من التغيير . بوريس يلتسين سبق ان عبث بمصير سبعة رؤساء وزارة, واتى بهم الى السلطة ثم أخرجهم منها بطريقة (الصدمة) التي تكررت مع الجميع, حيث كانت تحفهم كلمات التقريظ والمديح في مرحلة الصعود, بينما يغرقون في اللعنات, أو في الصمت, أثناء الاقالة.. ولهذا كان من الطبيعي ان يميل الكثير من المحللين الى تفسير خطوة يلتسين الاخيرة بمزاجية الرجل المتوترة وعقده النفسية التي وصلت في تقدير زعيم الحزب الشيوعي زيجانوف الى حد (الخبل) ! ولأن معظم مراقبي يلتسين يفضلون التعامل معه من زاوية التبسيط (الفرويدي) ــ إن صح التعبير ــ فقد احتلت (الغيرة) مكانة مهمة ضمن تفسيرات الخطوة المفاجئة, ورأى كثيرون ان نجاح ستيباشين في الفوز بثناء و(قلوب) رجال صندوق النقد الدولي وزعماء واشنطن ــ إن كانت لهم قلوب ــ هو السبب في ازاحته السريعة لأن يلتسين مثل (الفريك لا يحب شريك) على حد تعبير اخواننا في مصر العربية, خاصة فيما يتعلق بحب واشنطن والمؤسسات المالية الدولية. سبب ثالث بدا أكثر موضوعية وأكثر (طغيانا) من سابقيه في تفسير الاقالة السريعة, وهو ان ستيباشين (لم يعرف كيف يواجه قيام تحالف قوي وخطير على مستقبل يلتسين وتياره, حيث يقود هذا التحالف يوري لوجكوف عمدة موسكو الذي يسعى للفوز بالانتخابات التشريعية وحتى الرئاسية ايضاً. تلك ثلاثة اسباب حصرت اهتمامها في السلوك الشخصي والطموحات الشخصية للرئيس الروسي في تفسيرها لقراره المفاجىء, وفي تقديرنا انها اسباب ثانوية وغير جوهرية رغم ان (الذات الفردية) عامل طاغ في سلوك يلتسين كما اكد خلال السنوات الماضية حيث لم يتورع حتى عن اقالة البرلمان وتدميره واحتلاله بالقوة المسلحة ليضمن استمرار زعامته لروسيا. لكن عاملاً اكثر جوهرية اغفله معظم المراقبين, وعنده تلتقي مكانة يلتسين ومستقبله ومكانة روسيا نفسها ومصيرها ومستقبلها السياسي, وقضية الاقتصاد المنهار والنخبة السياسية المهتزة.. وهو حرب داغستان. يؤكد هذا الاستنتاج ما يقال في روسيا حتى على لسان رئيس الوزراء الجديد فلاديمير بوتين من ان تشكيلة الحكومة لن تتغير على الاطلاق الا في رأسها فقط, مما يعني ثبات الطواقم السياسية والاقتصادية نفسها في موسكو, ويعني ايضاً ان الهدف هو تغيير الرجل الثاني في هرم السلطة فقط, او ان صح التعبير الرجل القادر على الحركة والقائم مقام الرئيس نفسه لمواجهة معضلة صعبة وخطر امني كبير. وكانت المشكلة الرئيسية التي عانى منها (ستيباشين) هو انه حقق نجاحاً متميزاً في الغرض الذي من اجله وصل الى رئاسة الوزارة, حيث اقنع صندوق النقد بأن الاقتصاد الروسي بحاجة حقيقية (ومجدية) للقرض الجديد الذي وصل الى 5.4 مليارات دولار. لكن ستيباشين استغرق في هذا الهدف والنجاح الى درجة شغلته عن قضية تتعلق بمصير روسيا نفسها, وهو الهجوم الذي شنه على داغستان وفي داخلها من اطلق عليهم الاعلام الغربي والروسي تعبير (الاصوليين المسلمين) تارة و(المتطرفين الاسلاميين) تارة اخرى. وبغض النظر عن التسمية فان هؤلاء الحاملين لراية الاسلام نجحوا في بناء رأس جسر قوي في عدة مدن وقرى في داغستان ضمن هدف لا يسعى فقط الى استعادة داغستان من حكامها الحاليين الموالين للمركز في موسكو.. وانما يطمح الى توحيدها مع الشيشان وبناء منطقة القوقاز المسلمة في دولة واحدة.. مما يعني تهديدا جوهريا لمستقبل روسيا نفسها التي تضم ما يتراوح بين 20 ـ 30% من شعبها من المسلمين. ذلك هو السبب الذي استنفر من اجله الرئيس الروسي وجيشه والذي جاء من اجله من وصفته الصحافة الروسية بأنه (الديكتاتور القاسي) و(رجل المخابرات) الشهير. وكان من الطبيعي والحال كذلك ان يكون اول وعد لرئيس الوزراء الروسي الجديد هو استعادة داغستان واعادتها الى ما كانت عليه في غضون (اسبوع ونصف الى اسبوعين) . فهل ينجح؟ المواجهة لن تكون سهلة, وحتى ان نجح في تحقيق هدفه بالقوة الآن فان النار ستبقى تحت الرماد بانتظار فرصة اخرى لارتفاع اللهب اذا لم تتمكن روسيا من الوصول الى حل استراتيجي لازمتها هي نفسها اولا ولأوضاع المسلمين فيها ثانيا.