تتحرك الجزائر وفرنسا في اتجاه تفعيل علاقتهما المتوترة منذ عام 1991, وتعقدت اكثر السنوات التي تلت وقف المسار الانتخابي بالجزائر حيث وظفت باريس سياستها الخارجية واجهزة اعلامها بالتدخل في شؤون الجزائر وتشويه سمعتها الدولية وراحت تغلق قنصلياتها ومكاتب خطوطها الجوية باسم الضرورات والاجراءات الأمنية واعتبرت الجزائر التصرفات الفرنسية الصادرة من الاليزيه والكيدُرْسي تصرفات غير قانونية وسياسية صادرة من دولة تدعي احترام مبادىء الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة الدول الاخرى وتعتبر نفسها (وصية) على مقاطعاتها الاستعمارية سابقاً على رأسها الجزائر التي حاولت فرنسا جاهدة الحفاظ عليها تحت سيادتها لأنها تعرف ما تتمتع به الجزائر من موقع استراتيجي وثروات باطنية كبيرة رغبت فرنسا ان تبقى هذه المصادر تحت تصرفها المباشر, كما ان العديد من السياسيين الفرنسيين لم ينس الدرس الذي لقنه لهم المجاهدون الجزائريون خلال ثورة التحرير حيث خرجت فرنسا بقيادة الجنرال ديجول مهزومة ومنحطة معنوياً بعد 131 عاماً من استعمارها واستعبادها شعبا نال حريته بالحديد والنار ــ وهكذا عندما دخلت الجزائر في مرحلة من اللاستقرار السياسي والأمني بعدما توقف المسار الانتخابي عام 1991 كانت فرنسا أول دولة اوروبية سعت الى صب (الزيت على النار) وراحت تتهم السلطات الجزائرية في مقدمتهم جنرالات الجيش الجزائري الذي يعتبر سليلاً لجيش التحرير الوطني,راحت تتهمهم بالتواطؤ مع جماعات الارهاب في قتل الآلاف من المدنيين العُزّل وكانت الصحف الفرنسية تنشر أخباراً مضللة على صدر صفحاتها الأولى عن عدد القتلى والمجازر الوهمية وتتهم افراد الجيش بالضلوع فيها, والهدف الذي كانت ترمي اليه فرنسا معروف هو تشويه سمعة الجزائر الدولية التي اكتسبتها بعد ان نالت استقلالها, يكفي ان صوتها كان مسموعاً ومحترما في المحافل الإقليمية والدولية, بل كانت توظف مكانتها الدولية بالتوسط في قضايا ونزاعات دولية معقدة لعل أهمها قضية الرهائن الامريكان الذين احتجزوا في السفارة الامريكية بطهران عام 1979 ونجحت الجزائر بحل القضية بالطرق السلمية وهي لاتمتلك القوة العسكرية ولا القوة الاقتصادية التي تتمتع بها فرنسا, ولكنها نجحت في جميع وساطتها لأنها تمتلك الرصيد الثوري وتستند الى مبادىء ثابتة في تعاملاتها الدولية. وفرنسا لاتحبذ طبعا ان يصبح صوت الجزائر مسموعاً ومحترما وتستدعى في المواضيع الدولية المعقدة بينما لاتستدعى هي فمثل هذه المسائل تحسب لها فرنسا ألف حساب. كما ان فرنسا أخطأت في حساباتها السياسية عندما اعتقدت وجزمت ان الازمة الامنية والسياسية ستمتد لعشرية اخرى عندما لن تجد الجزائر امامها للخروج من معضلتها الاّ فرنسا وهذه الفرصة عولت عليها وانتظرها الرئيس الفرنسي كثيرا وهو الرجل الديجولي الذي يحلم باستعادة مكانة فرنسا في القارة الافريقية اولها المناطق المستعمرة سابقا وذلك خوفاً من ان تصبح مناطق امريكية جديدة. وتفكر الولايات المتحدة الامريكية في الاستحواذ على الاسواق الافريقية في اطار ترتيباتها للعالم الدولي الجديد الذي تنفرد به منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وانهيار المنظومة الاشتراكية في اوروبا الشرقية وتراجعت مكانة فرنسا وبريطانيا امام تصاعد مكانة قوى جديدة كاليابان والصين وألمانيا الموحدة منذ منتصف الثمانينات وتعتقد فرنسا ان مكانتها ومصالحها الاستراتيجية ستتراجع اذا ما اسرعت واعادت ترتيب ادوارها في المناطق التي تعتقد انها تتبع نفوذها وتمثل الجزائر احدى الدول التي تتخوف فرنسا من انها يمكن ان تتبع المصالح الامريكية أو اليابانية أو الالمانية مباشرة لأجل ذلك سارعت الى مطالبة الجزائر باعادة الدفء الى علاقتهما, عندما اكتشفت ان الجزائر نجحت في التكيف مع وضعها الداخلي وانها بدأت تسترجع عافيتها بعد انتخاب عبدالعزيز بوتفليقه رئيسا للجزائر, والذي شككت فرنسا ــ كعادتها ــ في النتائج التي تحصل عليها كما شككت قبل ذلك في كفاءة الجزائر على بناء مؤسسات دستورية منتخبه دوماً, لأجل ذلك صرح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة غداة انتخابه مباشرة وفي ليلة اعلان نتائج فرز الانتخابات ان الجزائر لا تقبل الوصاية من فرنسا ولاتقبل ان تهان ثانية وصرح بمثل هذا الكلام, لأنه يعرف وهو الرجل السياسي الذي عاصر جميع مراحل تطور العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ استقلال الجزائر, بأن فرنسا ترفض بأن تكون على ضفتها الشرقية من حوض البحر الأبيض المتوسط دولة عربية مستقرة ومستقلة في قراراتها خاصة اذا كانت هذه الدولة العربية مستعمرة فرنسية سابقا.. ويظهر أن الرئىس الفرنسي جاك شيراك فهم ما يعنيه الرئيس الجزائري من تصريحاته واستدعاه ذلك ارسال وزير داخليته الى الجزائر الشهر الماضي بهدف (تلطيف الاجواء) والاعداد لزيارة وزير الخارجية روبير فيدرين وهذا ما حصل الأيام الماضية, حيث استقبل عبدالعزيز بوتفليقة وزير خارجية فرنسا وأعلن هذا الأخير استعداد بلاده تفعيل العلاقات مع الجزائر ولاثبات حسن نية فرنسا, افتتح وزير الخارجية قنصليتي (عنابة) و(وهران) المغلقتين منذ عام 1994 وذلك بعد ان صرح الرئيس الجزائري ان الجزائر لن تقبل ان تهان كرامة أولادها, الذين يضطرون الى التوجه الى بعض الدول للحصول على تأشيرة الدخول الى الأراضي الفرنسية, لكن التساؤل الذي يطرح: لماذا تتودد فرنسا للجزائر وتطالبها بانعاش علاقاتهما؟ الجواب نجده في تخوف الدوائر الفرنسية من مسعى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في تنويع علاقات الجزائر بالدول الاوروبية الفاعلة أهمها اسبانيا وايطاليا في ميدان الاستثمارات والتبادلات التجارية بدليل ان زيارة وزير خارجية فرنسا تزامن مع زيارة وزير خارجية اسبانيا للجزائر, ومثل هذه المواقف لا ترضاها الدوائر الفرنسية التي ترفض ان تنافس القوى الأوروبية فرنسا.. على الأسواق المغاربية هذا من جهة, ومن جهة اخرى الدوائر الفرنسية مندهشة من المقدرة التي عالج بها الرئيس الجزائري الملف الأمني بسرعة قياسية أعادت الجزائر الى الاهتمام بالحياة العربية والدولية, وأكثر من ذلك كله ترغب الجزائر انعاش اقتصادها الداخلي الذي يعاني من ركود كبير وذلك بسبب ارتفاع نسبة خدمة الديون الخارجية وحاجة المؤسسات الكبرى الى هيكلة جذرية, كما ان الجزائر ترغب في فتح اسواقها امام المستثمرين الاجانب بعد تحرير الاقتصاد بشكل كامل, ورحبت العديد من الشركات الاسبانية والايطالية واليابانية بالاستثمار بعد ان استتب الوضع الأمني الداخلي, كما ان الجزائر تولي الأولوية والاهتمام والرعاية للشركات التي أيدت ووقفت الى صف الجزائر في محاربة ظاهرة الارهاب كاسبانيا مثلا, ولن تنسى الجزائر تلك الدول التي جعلت اراضيها أوكارا لجماعات الارهاب وأمدتها بالمال والسلاح لكي تزرع الموت في صفوف الشعب وأغلقت أبوابها أمام طلب الجزائر منها المساعدة في مكافحة هذه الظاهرة. وتنظر الجزائر لعلاقتها بفرنسا على انها علاقات يتوجب تدعيمها في اطار العلاقات مع الاتحاد الاوروبي من جهة, وفي اطار تفعيل العلاقات المتوسطية من جهة اخرى, حيث كانت الجزائر شريكا رئيسيا اثناء التوقيع على اتفاقية برشلونة التي دعت الى انشاء سوق متوسطية حرة عام 2010. ومن هذا المنطلق ستتعامل الجزائر مع فرنسا على أساس المصالح المتبادلة لا غير وليس من باب (العلاقات التاريخية المميزة) لأن العبارة السياسية هذه التي توظفها الدوائر الفرنسية عند الاشارة الى العلاقات الجزائرية الفرنسية ترفضها الجزائر لأنها عندما احتاجت للدعم الفرنسي لم تجده, فكيف تعطي الافضلية لعلاقتها بفرنسا اليوم؟ وباعتقادنا تدرك فرنسا عمق خطأها السياسي وتعمل على اصلاحه عبر قنواتها السياسية والدبلوماسية عن طريق زيارات وزرائها المتتالية للجزائر, حيث ترمي جميع الزيارات هذه تسهيل مهمة زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك المتوقعة في الأسابيع القليلة المقبلة الى الجزائر, والتي بدأت الصحف الفرنسية تتكلم عنها بتوظيف عبارات (رنانة) لتلطيف الاجواء السياسية المتوترة بين الجزائر وباريس, كما ان فرنسا مندهشة من العودة القوية المفاجئة للدبلوماسية الجزائرية بعد انتخاب الرئيس الجزائري فمعظم وكالات الانباء العالمية والصحف البارزة تولي اهتماما لتحركات الجزائر الاقليمية والدولية, فهذه تتحدث عن القمة الافريقية الاخيرة الناجحة, وهذه تتحدث عن تطورات العلاقات الجزائرية المغربية, وتلك تتحدث عن تحضيرات القمة المغاربية المرتقبة بالجزائر في شهر نوفمبر المقبل, واخرى تتحدث عن لقاء بوتفليقة وباراك بالرباط والمصافحة الشهيرة بينهما. كاتب جزائري