مجموعة (ميركوسور) أو (سوق الجنوب) في أمريكا اللاتينية بدأت خطواتها الأولى قبل عقد من الزمان بفتح الحدود التجارية ما بين البرازيل والأرجنتين والأوروجواي والباراجواي , لتشكل ما يشبه السوق المشتركة في منطقة جنوب أمريكا اللاتينية, ثم سرعان ما انضمت التشيلي إلى ذلك التجمع كشريك غير كامل العضوية, وذلك لأسباب خاصة بهذا البلد الذي لا يزال يعيش أزمة الانتقال إلى الديمقراطية بعد سنوات الدكتاتورية العسكرية الدموية التي قادها إليها الجنرال بينوشيه. في البداية كان كل شيء يسير على ما يرام في الخطوات الأولى نحو بناء هذه السوق المشتركة, وكان من المتوقع أن تتقدم السوق اكثر باتجاه توحيد العملة كما فعل الاتحاد الأوروبي, وبدأ الحديث عن خطوات اكثر إيجابية لتحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي بين تلك الدول, حتى أصبحت قوة اقتصادية إقليمية لا يستهان بها في زمن (العولمة) والتكتلات الاقتصادية والسياسية بعد انتهاء الحرب الباردة, مما جعل للتكتلات الإقليمية وزنها, أو أنها السبيل الوحيد للحفاظ على حقوق يمكن أن تضيع في ظل هيمنة القوة الأمريكية على العالم بعد انتهاء الاتحاد السوفييتي إلى جمهوريات منقسمة ضعيفة غير قادرة على تخطي الأزمة التي وقعت فيها فجأة, بل كان يمكن لمجموعة ميركوسور أن تكون نموذجا حقيقيا لدول العالم الثالث للابتعاد عن سيطرة أوروبا الغربية والولايات المتحدة. فقد كان ظهور هذا التكتل سببا في أن تكون هذه المنطقة محط أنظار القوى الاقتصادية الباحثة عن أسواق لتسويق فائض منتجاتها, لذلك كان الصراع باديا عندما قرر الاتحاد الأوروبي بدء حوار على جميع المستويات مع مجموعة ميركوسور من اجل تعاون اقتصادي وسياسي اكثر, وكان هذا بالطبع مثيرا لحفيظة الولايات المتحدة التي بدأت تفتح عينيها على تدخلات شركائها الأوروبيين الغربيين في منطقة تعتبرها (الفناء الخلفي) لها, وغير المسموح فيه باللعب لأية قوى مهما كانت علاقات تلك القوى بالولايات المتحدة قوية ومترابطة المصالح, تماما كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي. لكن قيام مجموعة ميركوسور كان له أيضا تأثيرات إيجابية في منطقة أمريكا الجنوبية, خاصة في المجال السياسي, فقد أمكن للتكتل الديمقراطي بين دول المجموعة من تجنب حدوث انقلاب عسكري في الباراجواي, واستطاعت دول المجموعة أن تعد نفسها لتشكيل منظومة دفاعية تتشكل من دولها بعيدا عن المنظومة الدفاعية التي تحاول الولايات المتحدة فرضها عليها لإحكام السيطرة على دول المنطقة اكثر من حمايتها من الأخطار الخارجية أو الداخلية التي تتهددها, ومن خلال توحيد المصالح الاقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة أمكن لدول مجموعة ميركوسور أن تتوصل إلى عقد اتفاقيات اقتصادية جديدة مع الولايات المتحدة, كانت نتائجها افضل مما لو تمت تلك الاتفاقيات عبر مفاوضات منفصلة لكل دولة على حدة. بذلك تحولت مجموعة ميركوسور إلى ما هو اكثر من عدد من الدول تتجمع لفتح حدودها للتجارة فيما بينها, بل تحولت إلى قوة إقليمية يحسب حسابها عند التعامل مع منطقة أمريكا اللاتينية بأسرها. وهكذا تبين لحكومات دول مجموعة ميركوسور انه تحت ضغط الحاجة يمكن تخطي الصعوبات التي كانت تعترض علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي لتفلت من القبضة الأمريكية, التي كانت ولا تزال تحاول أن تنشر سيطرتها العسكرية لتحكم قبضتها الاقتصادية والسياسية على المنطقة, لكن لقاء مجموعة ميركوسور مع مجموعة دول الاتحاد الأوروبي اقل مما يجب, أو أقل مما كان متوقعا له, وحاول كل جانب أن يلقي باللوم على الجانب الآخر, بسبب النتائج الضعيفة التي أسفر عنها انتقال زعماء أوروبا الغربية إلى مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية الشهر الماضي للحوار حول علاقات التعاون المستقبلية بين الجانبين. كان واضحا أن هناك شيئا ما يعكر صفو العلاقات الثنائية بين بعض دول مجموعة ميركوسور نفسها, وان هذا التعكير له أسباب داخلية وخارجية على حد سواء, تماما كما كان يجب أن يتوقع زعماء تلك المنطقة, لان قيام هذه السوق كان يعني أيضا وفي الوقت نفسه أن هناك من يتربص بأي خطوة في هذا الاتجاه للقضاء عليها. لكن العدو الخارجي كان يمكن التغلب عليه من خلال بذل مزيد من الجهد للتوصل إلى تفاهم اكثر لأوضاع كل بلد على حدة, ومحاولة تفهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في ارض أي طرف من أطراف السوق المشتركة في ميركوسور, أي أن ظهور مثل هذه الخلافات لم يكن جديدا, بل كان متوقعا, تماما كما حدث أيضا بين دول الاتحاد الأوروبي في بدايات تشكيل ما كان يسمى حينئذ بالسوق الأوروبية المشتركة, ولا تزال هناك معوقات تمنع دول الاتحاد الأوروبي من تنفيذ سياسات أكثر طموحا نحو تشكيل قوة سياسية ترافق التقدم في المجالات الاقتصادية المختلفة. إضافة إلى توقع تأثير أي أزمة اقتصادية في المنطقة, وفي دولة غير عضو في مجموعة ميركوسور كما حدث في المكسيك بعد الأزمة الشهيرة التي أطلقوا عليها اسم (التكيلا) , والتي فقدت فيها العملة المكسيكية نصف قيمتها في أسبوع واحد, وتركت البلاد والبلاد المجاورة لها والمتعاملة معها اقتصاديا في حالة من الانهيار كادت أن تدفع دول أمريكا اللاتينية إلى حافة الإفلاس. ما ان تغلبت مجموعة ميركوسور على أزمة العملة المكسيكية بإيجاد توازن في التعامل الاقتصادي معها, حتى جاءت أزمة البرازيل التي تعتبر العضو الأكبر في المجموعة, تلك الأزمة التي أجبرت الرئيس انريكي كاردوسو على تعويم العملة البرازيلية (الريال) للحد من تلك الأزمة انتظارا لوصول قروض صندوق النقد الدولي بشروطها المعقدة. لكن هذه الأزمة حدثت هذه المرة في دولة عضو في مجموعة ميركوسور, ولم تكن خارج حدود المجموعة, فكان لتخفيض العملة البرازيلية تأثيره القوي على الصادرات الأرجنتينية إلى البرازيل, والتي تعتبر الشريك الأكبر في التجارة فيما بين دول تلك المجموعة, أي أن الخطوة التي اتخذتها البرازيل نقلت جزءا من أزمتها إلى الأرجنتين, وهذا بالتالي جاء بالسلب على الناتج القومي الأرجنتيني, وهو ما أثار المنتجين الأرجنتينيين في جمع المجالات ضد سوق ميركوسور نفسها, وشكك كثيرون في جدوى إقامة منطقة تجارية مشتركة, ومدى عائدها بالنفع على شعوب معينة, بل ان رد الفعل من الجانب البرازيلي لم يكن اقل مما جاء من الجانب الأرجنتيني. لم تكد تهدأ هذه المسألة حتى جاءت زوبعة جديدة لتعصف بما تبقى من ثقة بين الدول الأعضاء في ميركوسور, فقد قدمت البرازيل لشركة (فورد) لصناعة السيارات تسهيلات ضرائبية لتقيم مصانع جديدة لها في منطقة (باهيا) , وهذا أثار الأرجنتين هذه المرة بشكل اكبر, فقررت السلطات في بوينس أيريس وضع حدود للسماح للمنسوجات البرازيلية لدخول الأرجنتين, بل تطور الأمر إلى حد إعادة تطبيق قوانين الجمارك السابقة على الواردات البرازيلية إلى الأرجنتين. الأسباب التي أدت بالأوضاع إلى هذا الحد الذي يمكن أن يهدد مستقبل مجموعة ميركوسور لا تكمن في أسس قيام السوق نفسها بقدر ما هي كامنة في الوجود المنفرد لكل دولة عضو في هذه المجموعة, لأن الدول الأعضاء لم تحاول أن تعيد النظر في مسيرة المجموعة على ضوء التطورات العالمية بالاستفادة من تجارب الآخرين, فظلت علاقات الدول المنضمة بالمجموعة قائمة على الأسس التي تختارها كل دولة مما زاد من حدة التباعد بينها, ففي الوقت التي توجد فيه العملة البرازيلية خاضعة لعوامل السوق الداخلية, نجد أن العملة الأرجنتينية مرتبطة بالدولار الأمريكي ارتباطا مقدسا, والحكومة الأرجنتينية ـ على الأقل في الوقت الراهن تحت رئاسة الرئيس كارلوس منعم ــ ليست على استعداد لمناقشة الوضع بالنسبة لعملتها, على الرغم من الأخطار التي قد يتسبب فيها ارتباط البيزو الأرجنتيني بالدولار الأمريكي. لم تحاول دول مجموعة ميركوسور أن تدرس أسباب تحول الاتحاد الأوروبي إلى اليورو كعملة موحدة لجميع دول الاتحاد, لأن اليورو جاء ليحل مشكلة الخطر الذي يمكن أن تواجهه كل دولة على حدة, لو ظلت كل عملة بلا رابط محدد في السوق الاقتصادي. إضافة إلى هذا, على الرغم من مرور اكثر من عقد من الزمن على قيام مجموعة ميركوسور إلا انه لا يزال ذلك التكتل الاقتصادي الإقليمي بلا مؤسسات حقيقية, مؤسسات يمكنها أن تنظر في المشاكل التي تعترض تطبيق القوانين التي تحكمها, وتحكم وجود الدول الأعضاء نفسها, فالدول الأعضاء في مجموعة ميركوسور على الرغم من أنها تطبق جميعا النظم الديمقراطية, إلا أنها في الحقيقة تخضع لنظام رئاسي شبه دكتاتوري, لا قيمة فيه للأحزاب التي يمثلها رؤساء الدول, لذلك لا حركة فيها إلا بتدخل رئيس الدولة شخصيا, لذلك عندما تحدث أية مشكلة صغيرة تتحول على الفور إلى مجموعة من المشاكل المتصاعدة التي لا يمكن أن تقبل الحل إلا بتدخل الرئيس بشكل مباشر. أزمة مجموعة ميركوسور الحالية ناتجة عن افتقاد هذا التجمع الإقليمي لمؤسسات خاصة تدير أزماتها, لذلك لا حل للازمة الحالية إلا بالعودة إلى الأسس التي قامت عليها المجموعة, وإعادة النظر فيها, وبناء مؤسسات مستقلة تدير شؤون تلك الأزمات, ولا تنتظر حتى يتدخل الرؤساء, بل يجب أن يكون تدخل رؤساء الدول والحكومات آخر ملجأ تلجأ إليه السوق لحل مشكلة ما تنشأ عن العلاقات ما بين الدول الأعضاء, لأن انتقال الأزمة مباشرة إلى رؤساء الدول لن يحلها بل يزيدها تعقيدا, خاصة أن بعض رؤساء الدول الأعضاء يفكرون بعقلية الزعيم الأوحد والحاكم المطلق, مما يشكل خطرا حقيقيا يمكنه أن يهدد وجود تلك المؤسسة الاقتصادية الإقليمية وينهي حياتها في أية لحظة, فيقضي على أمل شعوب المنطقة في الخروج من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة, التي أعاقت نموها خلال عقود طويلة عاشتها غارقة في موجة الانقلابات العسكرية المتلاحقة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا