لكل منا هواية يحبها وتستحوذ عليه وينجذب بقوة نحوها ويتفاعل معها, وهذه الهوايات متعددة بتعدد رغبات الناس وهواياتهم, فهناك الهوايات الرياضية المتنوعة التي لا حصر لها , والثقافية والعلمية والاجتماعية كالمشاركة في الجمعيات والمنتديات, والاقتصادية كمتابعة البورصات وأسعار العملات والاسواق العالمية, والهوايات السياسية. من الهوايات التي يحرص عليها (العبد لله) , وهذه العبارة اقتبسها من الاستاذ الكبير والصحفي المصري المشهور محمود السعدني الذي كثيرا ما يوردها في مقالاته الصحفية.. متابعة الانتخابات البرلمانية (أي انتخابات) حتى ولو كانت نقابية مهنية, ومعروفة تفاصيلها وأسماء المرشحين فيها تمثل القوى المشاركة وقوة الكتل والتحالفات بين القوى المشاركة, ومعرفة اسماء الفائزين فيها, وآخرها انتخابات نقابة الصحفيين المصريين والانتخابات البلدية في الاردن. قد تكون هواية غريبة, ولكنها تعود ربما لهذا الكم من الحلم الذي يسكن الانسان العربي, والذي يطال حق الانسان في التعبير وفي بلورة حريته ضمن عمل جماعي يخدم أولا وأخيرا الوطن. والتجربة النيابية في العالم بكل مخزونها وآفاقها تجربة رائدة لاتزال تشكل افضل تعبير عن المناخ الديمقراطي, تخضع لبرامج وخطط مدروسة, واعداد منسق من قبل أشخاص مؤهلين علميا وعمليا في هذا المجال. وتتعرض التجارب والممارسات الانتخابية في بلدان عدة وبخاصة دول العالم الثالث الى بعض التجاوزات غير المشروعة في استمالة الناخبين, أو في تزوير ارادتهم. العام الحالي شهد انتخابات برلمانية في كل من سوريا والكويت, وانتخابات مجالس بلدية في قطر ولبنان والاردن, كما ستجرى انتخابات رئاسية في مصر وتونس واليمن. وسبق ذلك انتخابات رئاسية في الجزائر أتت بوزير خارجية الجزائر في عهد الرئيس هواري بومدين, عبد العزيز بو تفليقة الى رئاسة الجمهورية. التجربة العربية والتجربة البرلمانية في البلاد العربية, تأخذ أشكالا متعددة ومسميات عدة ايضا, فهناك المجلس الوطني كما هي تجربة دولة الامارات العربية المتحدة, ومجالس الشورى كما في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والبحرين وقطر ومجلس الأمة كما هو في الكويت, ومجالس النواب كما في لبنان والاردن واليمن, ومجلس الشعب كما هو في مصر وسوريا... الخ. والتسمية تعود للأدبيات السياسية لطبيعة كل نظام وظروف تكوينه السياسي. فقد مرت ومازالت تمر التجارب البرلمانية العربية في مخاضات متكررة وتخضع لتعديلات وتجديدات مستمرة على الانماط والاساليب المتبعة, كي تواكب متطلبات المرحلة المقبلة, وتلبية لنداءات ومطالب الهيئات والمنظمات والفعاليات في المجتمعات العربية التي تدعو الانظمة الى افساح المجال أمام كافة القوى الفاعلة في المجتمع للدخول في خوض المشاركة النيابية وعدم التدخل في مجرى سير الانتخابات, التي أضحت سمة بارزة في أغلب الانتخابات العربية وعكست صورة قاتمة عن هذه التجربة, بينما تمارس هذه التجربة في العالم الغربي بكامل الحيادية ومنتهى النزاهة, وتعد من اسس وصلب اللعبة الديمقراطية, ولاشك فان هناك تجارب برلمانية ولدت ناجحة وحية, ومارست ادوارها بشكل فاعل ومؤثر منذ انطلاقها وساهمت برسم السياسات العامة واصدار القوانين المنظمة لحركة المجتمع. ومن بين ابرز التجارب العربية في هذا السياق التجربة الكويتية التي تعد علامة مميزة لنضج الممارسة البرلمانية, ودليل قوة على نجاح المشاركة في هذا البلد الذي واجه محنة شديدة في تاريخه المعاصر حين قام العراق بغزوه, وهي الدولة التي دعمته ماديا وعسكريا طيلة حربه مع ايران. ولكن بايمان شعبه وتماسكه مع قيادة وبمتانة تجربته البرلمانية ووقوف دول العالم بجانبه استعادت الكويت حريتها وايضا تجربتها الديمقراطية. هذه التجربة شهد لها العدو قبل الصديق, وحظيت بمتابعة جماهيرية واهتمام دولي لتميزها بالحيادية والنزاهة وجعلتها تحتل مكانة الصدارة لدى المشاهد العربي في عصر الفضائيات, بالرغم مما يشوبها بين الحين والآخر من احتكاكات, بين السلطة والبرلمان, ولعل المناخ الديمقراطي تجلى في الانتخابات الاخيرة التي حققت فيها المعارضة انتصارا كبيرا, وشهدت حيادية مطلقة, دون تدخل من السلطة في مجرياتها, وخرجت فيها الممارسة البرلمانية ناجحة وبتقدير لافت, حيث مثلت كافة التيارات في المجلس الجديد. لقد حظيت مجريات سير الانتخابات بتغطية اعلامية واسعة على المستوى العربي وبمشاهدة ومتابعة كبيرة على امتداد الوطن العربي وباشادة اعلامية من كبار الكتاب والاعلاميين العرب, لانها شكلت انعكاسا لنبض الشارع العربي الذي يحلم بمشاركة حقيقية دون تدخل من السلطات او تزييف لارادة الناخب فنتائج الانتخابات البرلمانية هي تعبير صادق عن ارادة الجماهير وامل يراودها بوصول عناصر تمثل تيارات عريضة لها امتداد على الساحة العربية قبل ان تمثل المجتمع الكويتي. وفي نظرة الى تجربة عربية اخرى تبدو الانتخابات البرلمانية المغربية بانها من ابرز التجارب الناجحة, حيث اظهرت فيها الحكومة شفافية كبيرة وحيادية تامة مما اتاح لاحزاب المعارضة الفوز بالانتخابات النيابية وبتكليف المعارض البارز عبدالرحمن اليوسفي تشكيل حكومة ائتلافية في المملكة المغربية, تضم مختلف احزاب المعارضة, وتملك الاحزاب المغربية وسائل اعلامية كمنابر خاصة بها للتعبير عن برامجها وخططها ومخاطبة قاعدتها الجماهيرية. كما تشكل التجربة العمانية نقلة متطورة, حيث الممارسة الجادة بدأت ترسم صورة لخطوات كبيرة تستند على دعم من القيادة العمانية التي تعمل على تطوير هذه التجربة, حيث سبق وان ادخلت تعديلات جوهرية على طريقة الاختيار واتاحة الفرصة للمرأة العمانية لتشارك في الممارسة البرلمانية, وليس بمستبعد ان تشهد المرحلة القادمة قفزة نوعية في طريقة الاختيار الحر والمباشر. التجربة اللبنانية وفي نظرة الى تجربة عريقة قد تكون من بين اقدم التجارب العربية تأتي تجربة لبنان البرلمانية, فلبنان مارس دوره الديمقراطي منذ فترة ماقبل مرحلة الاستقلال, وشهدت مجالسه النيابيه مناقشات ساخنة متزامنة مع ازدهار الصحافة فيه فالحرية النيابية والاعلامية حلقت بلبنان عاليا وربما كانت عبئا عليه لعدم قدرة بعض القوى فيه على تحمل أعباء فاتورة المصارحة والمكاشفة البرلمانية والإعلامية, فالمجالس النيابية تضم أسماء لامعة في مجالات مختلفة اقتصادية سياسية واعلامية. إذن التجربة النيابية في لبنان تعد من أسبق التجارب في المنطقة, وجرت معظمها في أجواء نزيهة دون تدخلات مباشرة, الا ان الأحداث المدمرة خلال فترة الحرب انعكست سلبا على مجمل الأوضاع سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية, وأثرت بشكل مباشر على مجريات الانتخابات البرلمانية, حيث ولدت مرحلة ما بعد الحرب تكتلات برلمانية جديدة وفقا للتركيبة السكانية. وبالرغم من ذلك ظلت الممارسة النيابية لها رونق مميز ومذاق ونكهة خاصة, وذات وتيرة عالية تبهر المتتبع وتشده الى متابعة الاحداث وكأنه يشاهد مسلسلا أو مسرحية وخاصة بعد انتشار الفضائيات. ويحظى المشاهد بمتابعة لذيذة فيها خفة دم و(فشة خلق) ترتفع فيها أصوات المعارضة ضد الحكومة, والموالين للحكومة ضد المعارضة خاصة وان تبادل المواقع أصبح سمة ملازمة للتجربة اللبنانية, فمعارض الأمس أصبح مواليا, وموالي الأمس أصبح معارضا, مما يضفي على جو المناقشات نكهة مميزة هي من طبيعة الانسان اللبناني. ويكفي لهذا المجلس دوره المباشر في انتخاب رئيس البلاد وفي تحديد اسم وشكل أي حكومة في التصويت على قرارات الحكومة وفي التشريع والمحاسبة والمراقبة. ولاشك.. في ان التجارب الاخرى في الوطن العربي على مختلف مسمياتها تساهم بدور كبير وبمشاركة ايجابية, خاصة وان الاختيارات الحكومية للمجالس غير المنتخبة أتت بعناصر كفؤة وتقوم بدور فاعل في مناقشة القضايا المطروحة ومشروعات القوانين. ولكن المؤمل ان تشهد الالفية الثالثة تغييرات جذرية شكلا ومضمونا في هيكلية هذه المجالس وممارستها, وقبل ذلك طرق انشائها والانتقال بها الى الاختيار الحر المباشر والسماح للمرأة بالمشاركة فيها, فالمرحلة المقبلة متوقع ان تشهد انفتاحا أكثر للحريات الديمقراطية والاعلامية في ظل عصر العولمة والنظام الدولي الجديد واتفاقيات الجات في ظل النظام المرتقب في المنطقة العربية. يجب ان نعترف بوجود ثغرات وشوائب, وايضا بتجاذبات وتأثيرات من قبل القوى والسلطات التي تترك انعكاساتها على سير العملية الانتخابية في هذا البلد أو ذاك, لكن روح الديمقراطية تبدو أقوى, ويبدو المستقبل انه أكثر اشراقا باتجاه مشاركة فاعلة من قبل القوى الحية في أي مجتمع عربي, حيث لم يعد بمقدور أحد ان يغفل حقيقة واضحة, وهي ان المشاركة باتت ضرورة ملحة لبناء المجتمع وتماسكه, ولمواجهة التحديات في عالم يتحول, وفي كون يضيق, في ظل كل هذه المؤثرات الاعلامية والسياسية والتي تكاد تشارك كل فرد في يومياته عبر طروحات وأدبيات لا يمكن لأحد ان يتجاهلها.