في مثل هذه الايام من عام 1990 فرض مجلس الامن الدولي وبسرعة متناهية عقوبات شاملة على العراق هي الاقسى من نوعها في التاريخ . والدليل البين الذي اصبح الآن متاحا للملاحظة, هو ان الاحتلال العراقي لدولة الكويت انتهى منذ ثماني سنوات, لكن بقيت العقوبات وهي مستمرة, بفضل التأييد الامريكي والبريطاني لها. والامر المؤكد ان تدمير ترسانة العراق من السلاح واضعاف هذا البلد الى الحد الادنى هو الهدف المحوري الذي من اجله فرضت العقوبات ومن اجله تستمر ايضا. اما السياقات التي يجرى في ظلها كل ذلك فهي عرضة للتغيير حسب ملائمة الظروف والحسابات. والقول بخطأ العراق في غزوه للكويت امر لا شك فيه, لكنه قول لا يفسر مع ذلك جميع جوانب الحالة الراهنة خصوصا بعد تسعة اعوام على بداية الازمة. فخلال هذه الفترة جرت مياه كثيرة وتبدلت معها اهداف وخطط واستراتيجيات. والهدف الامريكي المعلن اليوم كهدف اساسي وهو اسقاط النظام في العراق يختصر المشهد كله, اذ هو يحيل الظواهر والسياسات الى اسبابها الحقيقية والجوهرية. ويمكن الجدال حول ما اذا كان ذلك الهدف كامنا منذ بدايات الازمة, وما قبلها أم انه جاء نتيجة تطور سياسة المواجهة والتصعيد. لكن ما يصعب الجدال فيه وحوله هو ان نظام العقوبات الشاملة المفروضة على العراق لم يكن مجرد رد فعل على حالة موجودة. ولعل تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت المبكرة حول ربط بقاء هذه العقوبات, ببقاء النظام في العراق, تسمح بدرجة معقولة من التخمين بأن هذا النظام كان مستهدفا, على الاقل منذ فترة ليست وجيزة ولاسباب ليست كلها مرتبطة بحادثة غزو الكويت. اعتقد بأن بغداد ربما خيبت في وقت ما ظن واشنطن او تصرفت بمعزل عن ارادتها ورغبتها, وربما بالضد من مصالحها الاستراتيجية. واغلب الظن ان ذلك حدث في الفترة من منتصف الثمانينات وحتى عام 1990 والارجح ان ما حدث هو ان العراق سعى الى تطوير اسلحة دمار شامل, لم يكن مسموحا له بتطويرها او امتلاكها. وزاد الطين بلة اقتناع واشنطن بأن هذه الاسلحة ربما تستخدم ضد اسرائيل بالذات. لقد وصل التعاون بين العراق والولايات المتحدة خلال الثمانينات الى درجة متقدمة جدا وفي جميع المجالات. وهو تعاون لم تبلغه من دول المنطقة سوى ايران ابان نظام الشاه.. لذلك كان موضع حسد الكثيرين. ولهذا لم تستوعب الادارة الامريكية او تفهم وقتها الاسباب التي حدت بالعراق الى ابداء رغبته او ميله نحو البروز كقوة اقليمية عبر امتلاكه السلاح النووي وبعيدا عن شروط واشنطن. ان الغرب يمكنه ان يتسامح او يتغاضى عن كل شيء واي شيء إلا هذا. وسرعان ما تحول الاندهاش او الاستغراب الامريكي الى شك وعدم ثقة وفتور, ثم تطور الى نفور وعداء صامت, ما لبث ان تحول الى عداء صريح ومعلن. لقد كان تدهور العلاقات بين البلدين يسير بالسرعة نفسها التي كان يتم بها تطوير السلاح النووي العراقي حتى لحظة حدوث الانفجار الكبير والمدوي في صيف عام 1990. وقد كانت هذه حقا فرصة ذهبية اغتنمتها الولايات المتحدة ليس فحسب لتدمير جميع ما بناه العراق وانما ايضا لوضع يدها بصورة مباشرة على ما تعتبره مصدر التهديد والى الابد. ان هذه الخلفية ضرورية لفهم الاسباب الكامنة خلف نظام العقوبات الشامل المفروض حاليا على العراق وبدونها سيصعب فهم او تفسير السياسة الامريكية تجاه هذا البلد. اما رهن بقاء العقوبات ببقاء النظام في بغداد فهو جوهره وحقيقته رهن ببقاء القدرة والطموح بمعاودة انتاج اسلحة الدمار الشامل, والتي تعتقد واشنطن انها موجودة لدى الحكومة العراقية. لذلك لا مناص ـ حسب السياسة الامريكية ـ من تغيير هذا النظام واعادة السيطرة مباشرة على العراق, عبر الاتيان بحكومة جديدة ان امكن او الابقاء على الوضع الحالي كما هو اطول فترة ممكنة. ولكن الى متى؟.. هذا هو السؤال المهم. ان المشكلة التي تواجهها هذه النظرة هي ان سياسة العقوبات الظالمة المفروضة على العراق, مكلفة الى ابعد الحدود. وهي تسببت باضرار وخسائر بشرية ومادية فادحة, فاقت كل ما يمكن ان يحدثه اي من اسلحة الدمار الشامل. اي ان هذه السياسة برمتها غير قابلة للتبرير, لانها سياسة لا تقدم حلولا جذرية, بقدر ما تلعب على عامل الوقت والزمن, اي على مدى قدرة العراق على تحمل المزيد من الخسائر. والحديث هنا لا يدور عن اسلحة فعلية تملكها بغداد, بقدر ما يدور عن امكانية علمية وسياسية قادرة مستقبلا على انتاج اسلحة مدمرة. ومثل هذه الامكانية حتى اذا افترضنا بأن العراق راغب فعلا في استثمارها تظل مرهونة بعوامل شتى, بما في ذلك الرقابة الدولية الدائمة على برامج التسلح العراقية وبما فيها ايضا الرقابة الامريكية الصارمة نفسها. اننا اذا افترضنا ان سياسة العقوبات الحالية التي تطبقها واشنطن ضد العراق قد نجحت بعد فترة من الزمن قي تحقيق الاهداف الامريكية فهل ستساوي هذه الاهداف مقدار التكاليف التي بذلت من اجل هذه الغرض؟ اننا هنا لا نتحدث عن اجراءات عقابية او انتقامية محدودة, وانما عن كارثة بشرية هي الاكبر والاعظم في التاريخ تلك التي يتعرض لها شعب العراق منذ تسع سنوات. واذ لا نجد داعيا او ضرورة لاستعراض ابعاد هذه الكارثة, فهي منشورة ومعروفة لدى الجميع, غير اننا نلفت هنا النظر الى الآثار المدمرة لمجمل السياسة الامريكية هذه على العراق والمنطقة حاضرا ومستقبلا. انها سياسة لا تفعل سوى مراكمة الاحقاد والضغائن في النفوس وبث الالغام في الحاضر والآتي من الايام. ثم اننا نجد من العسير مثلا ان نفهم هذا الاصرار الامريكي العجيب على المضي في سياسة الابادة الجماعية, في الوقت الذي تقول فيه انها تنطلق في مواقفها من النظام في العراق من منطلقات انسانية واخلاقية!! فكيف يستوى الامران معا؟ كيف لايبدو مستغربا سجن شعب كامل في مساحة من الارض وحرمانه من جميع وسائل الحيلة الآدمية وتبرير ذلك بكون النظام يسجن بعض المعارضين! وكيف لا يبدو مستغربا قتل اكثر من مليون عراقي بسبب الحصار ثم التحدث عن قيام بغداد بقتل عشرات او مئات المعارضين! ان الحجة بالطبع ليست بالعدد او بأهمية الاشخاص انفسهم بقدر ما هي في الفعل نفسه, ولكن ألا يصبح من قبيل السخرية ان تتحدث الولايات المتحدة عن جريمة وهي ترتكب مئات الجرائم في ذات الوقت. وهكذا يصبح من الصعب ان لم يكن من الاستحالة القبول بالمبررات الامريكية الخاصة باستمرار العقوبات او بسياستها عموما تجاه العراق, وسواء كانت دوافع هذه السياسة متعلقة بالقدرات التسلحية للعراق, او بمحض توجه سياسي يتدثر بالاخلاق والقيم! وهو الامر الذي ينبغي بعد تسعة اعوام ان يوضع ضمن دائرة الشك والريبة وان يصار الى اعادة النظر فيه بصورة كاملة وشاملة. * كاتب بحريني