كان واضحا ومنذ ان جاء الرئيس بوتفليقة إلى رئاسة الجزائر ان هناك نوعا من التحول الكبير, وان هذا التحول قد يكون صحيحا, كما تردد انه في مصلحة الجزائر شعبا وارضا اولا, لكنه في ذات الوقت هو بكل تأكيد في مصلحة بلدان المغرب العربي كذلك . وللتاريخ فقد رأينا كيف تغير الوضع بعد انعقاد القمة الافريقية في الجزائر حيث ظهرت مؤشرات كبيرة تدل على ان العلاقات فيما بين دول المغرب العربي ليست آخذة بالتحسن وحسب, بل ان الرئيس الجزائري بوتفليقة الذي استطاع بحنكته السياسية المعروفة البدء بوضع الجزائر على الطريق الصحيح وتخليص هذا البلد الشقيق المناضل والمعطاء بلد المليون شهيد من حمام الدم الذي يعيشه منذ سنوات, نقول ان الانفراج الذي حصل في الجزائر لاشك سوف ينعكس على العلاقات بين دول المغرب العربي, ومن هنا فقد كان مؤملا ان ينتهي الخلاف الجزائري المغربي عند اول لقاء يتم بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس بوتفليقة, وبالفعل كان قد تم الاتفاق على اللقاء من حيث المبدأ, وقد ارسل الجانبان مجموعة اشارات تبشر بالخير لصالح البلدين والمغرب العربي ككل, والعمل على تطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين وبالتالي لاعادة الروح إلى (اتحاد المغرب العربي) الذي اصبح انجازه مهمة وطنية وقومية لما في ذلك من فوائد ليس لدول المغرب العربي وحسب بل وللدول العربية قاطبة. لقد جاء اتحاد المغاربة بعد مرور ثمانية اعوام على قيام مجلس التعاون الخليجي, الذي مازال قائما على الرغم من الهزات والتطورات الكثيرة التي شهدتها المنطقة, وعودة إلى اعلان اتحاد المغاربة نلحظ اهمية انجازه حيث ركز على مضاعفة الجهود لتطوير التعاون بين دول المجموعة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وصولا إلى التكامل والعمل على انشاء (مجال اقتصادي متكامل) تلغى فيه على مراحل الحواجز الجمركية وغير الجمركية ويطبق فيه مبدأ التكامل التفضيلي الكامل للسلع والخدمات ولعناصر الانتاج ذات المنشأ المغاربي, وشدد اتفاق اتحاد المغاربة ايضا على توحيد المناهج التعليمية والتربوية بما يكفل تأكيد القيم الروحية والدينية, وترسيخ الايمان والوعي بالبعد المعاصر لحركة الوحدة العربية ومكافحة الاستلاب الثقافي بكل اشكاله, والعمل على توحيد سياسة البحث العلمي والسعي الجاد إلى توحيد السياسات الاعلامية والثقافية والاجتماعية وتحقيق حرية تنقل المواطنين عبر اقطار المغرب العربي وتمكينهم من التملك والاقامة حيث شاءوا. غير ان اتحاد المغاربة كان محكوماً منذ البداية بتوجهات متناقضة إلى حد بعيد, وهنا يصح القول.. ان الذي اتفقت عليه دول المغرب العربي في مراكش عام 1989 هو في حقيقة الأمر معاهدة تعاون تتناول مختلف المجالات على أن يتوج ذلك فيما بعد باقامة وحدة أو اتحاد.. والدليل ان اعلان مراكش لم يتعرض إلى الوحدة السياسية الخارجية لبلدان المغرب العربي بل انه طالب بالتنسيق فيما بين هذه السياسات فقط لا أكثر.. وبالتالي ومنذ ان انفض لقاء مراكش لم يشهد (الاتحاد) تحركا جادا لتحقيق الأهداف التي حددها اعلان تأسيسه, رغم انه يبقى حلما شعبيا لا مفر من حدوثه في المستقبل. وفي هذا الاطار ومع تركيز الرئيس الجزائري بوتفليقة على الشأن الداخلي فقد أولى الشأن الخارجي, سيما علاقات بلاده بالجار والشقيق المغرب, أهمية ملحوظة ووضع نصب عينيه تحسين العلاقات بين البلدين مستثمرا رصيده الشخصي لدى القيادة المغربية وما جمعه بها من روابط حديثة وقديمة, ولا شك ان العلاقات بين المغرب والجزائر كانت ستشهد تحسنا يؤهلها للخروج من نفق المشكلة الصحراوية المزمنة.. لكن رحيل العاهل المغربي الفجائي سيؤجل ذلك لبعض الوقت نظرا لان الأولويات في المغرب ستنصب على ترتيب البيت الداخلي في ظل غياب الحسن الثاني. * مدير تحرير (البعث) السورية