ليس هناك علم طيب وعلم خبيث. ولكن هناك استخدامات طيبة وتطبيقات خبيثة لثمرات العلم ونتائجه نحن ننتمي ـ بحمد الله ـ الى تراث امة يوازن بين دماء الشهداء وبين المداد الذي تكتب به اقلام العلماء. فدم الشهيد طاهر بفضل التضحية واقدام الايثار ومداد العلماء نقي بفضل ما بذله العالم ايا كان تخصصه ـ من جهد وفكر ومن مثابرة على تقصي الحقيقة خدمة للحقيقة وعمرانا للارض ومنفعة للناس . وبقدر ما يوضع العلماء في منزلة رفيعة ضمن سياق تراثنا وهي منزلة ورثة الانبياء, بقدر ما تطالب هذه المنزلة العلماء والمفكرين ومن في حكمهم من اكاديميين ودارسين وباحثين ـ بان ـ يجهدوا في النضال على طريق الطهارة والنقاء والتضحية والمجاهدة والشرف والنزاهة ـ تلك التي سارت عليها عبر تاريخ البشرية مواكب البشر الذين اصطفاهم الحق تبارك وتعالى رسلا يبلغون بشارته الى الناس وانبياء صديقين يبشرون وينذرون ويدعون الى سبيل الله بالحق والمحبة والعدل والسلام. وبديهي اننا حين نستخدم لفظة (العلم ومصطلح العالم) فإنما نقصد علم الدنيا والدين على السواء.. فليس في الاسلام مؤسسة دينية بمعنى مؤسسة كهنوتية ولا يعرف تراثنا عبر عصوره المضيئة الباهرة فضلا او تمييزا بين عالم دين وعالم دنيا.. ولكم شهد هذا التراث الطيب فلاسفة ومفكرين كانوا ائمة في الدين وممارسين للطب ومختصين في علوم النفس.. وكان بينهم فوق ذلك كما يقولون مشتغلا الى جانب هذا كله بعلوم الرياضيات والموسيقى.. وهنا يتبادر الى الذاكرة على الفور اسماء اعلام كبار في تراثنا من امثال الكندي او الفارابي او الشيخ الرئيس ابن سينا او العالم الطبيب الرازي. فضيحة عالم كبير تداعت كل هذه الافكار والمعانى على خاطر كاتب السطور ونحن نطالع احدث ما نشرته الصحف الامريكية عن قضية البروفيسور (روبرت لا ليبوردي( وهو استاذ اكاديمي في علم الاحياء.. ومتخصص في بيولوجيا الخلية في معامل جامعة كاليفورنيا الشهيرة في بيركلي وكان ايضا يعمل لحساب وزارة الطاقة الامريكية مما يضفي على بحوثه وكشوفه العلمية اهمية لا تخفى. وترجع هذه الاهمية الى ما راج من معلومات وما تواتر من اقاويل بأن خطوط الجهد العالي او الطاقة الكهربائية الفائقة يمكن ان تسبب الاصابة بالسرطان لمن يسكنون بالقرب منها وخاصة بين الاطفال وقد تعززت هذه المقولات على مدى سنوات قليلة ماضية وكادت تنشر الذعر بين سكان الاحياء والمواقع التي تنصب فيها ابراج خطوط كهرباء الجهد العالي التي ربطوا بين وجودها وبين الاصابة بالسرطان.. ولعل السبب في هذا الذعر كان راجعا الى ما نشره الدكتور ليبوردي السالف الذكر من ابحاث تشير الى هذا الربط وكان في مقدمتها ورقتا بحث علمي تدوران حول موضوع خطير هو. .. (الاثر البيولوجي الناجم عن مجالات الكهرومغناطيسية بالنسبة للخلايا البشرية) وعندما نشر البحثان المذكوران هرعت اكثر من جهة مسؤولة, علمية وبحثية وحكومية الى صاحبهما تطلب منه الاستزادة والاسهاب في هذا الاتجاه.. وتسخو معه في اكثر من منحة مالية قدمتها الى الاستاذ العالم حتى بلغ ما تلقاه خلال السنتين الاخيرتين وحدهما مبلغ 3.3 ملايين دولار. انكشاف الخديعة ولما كانت الاكاديمية الوطنية للعلوم في امريكا لم تتوصل في بحوث اعضائها على اي نتيجة تفيد الربط بين ابراج الكهرباء وبين السرطان.. فقد بدأت تراودها الشكوك, لا في بحوث الزميل المقيم في كاليفورنيا, بل وفي مقاصده وبالتحديد في نزاهته الشخصية. هكذا استغرق الامر اكثر من 20 شهرا في تحقيقات مكتومة قام بها ـ وارجو ان تلاحظ الاسم جيدا ـ (مكتب نزاهة البحوث) التابع لوزارة الصحة والخدمات البشرية في امريكا.. الذي اذاع في الفترة الاخيرة ما توصل اليه بعد التمحيص والتحقيق بأن الدكتور روبرت ليبوردي لم يراع حق الله وجلال العلم والنزاهة الاكاديمية وانما كان يعمد الى حذف جوانب من النتائج التي كان يتوصل اليها في مختبره العلمي اذا ما كانت هذه النتائج لا تؤيد ما ذهب اليه من مغبة الاصابة بالداء اللعين بسبب خطوط الكهرباء وانه تقاضى اموالا بغير حق من اجل بحث رابطة او صلة غير قائمة علميا ومعمليا بين السرطان وابراج الضغط العالي. حوار مع نوبل ورغم ان مثل هذه القضايا المتعلقة بالعلم والعلماء تشق طريقها بصعوبة وعلى استحياء شديد بين سطور واهتمامات الميديا العالمية, إلا ان الاوساط العلمية الرفيعة في بلد مثل امريكا مازالت تشتغل بالقضية وتقيم من أجلها اكثر من حوار واكثر من رأي وتقول الاوساط (الرفيعة) التي عبرت عنها افكار عالم جليل اسمه البروفيسور (ليون ليدرمان) طرح مؤخرا القضية التي ينبغي ان نهتم بها بدورنا وهي: ــ اخلاقيات العلم ـ ونزاهة العلماء. الاستاذ ليدرمان ـ لمعلوماتك ـ حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1988 وقد لفت انظارنا في اطار اهتمامنا بهذه المسألة ـ مقالة متواضعة وموجزة نشرها في جريدة نيويورك تايمز (عدد 24/7/1999) واستهلها بعبارات تقول: ـ في اوائل مايو الماضي.. التأم شملنا.. وكنا ستة من حاملي جوائز نوبل في العلوم في قاعة فيلادلفيا الباذخة للموسيقى ـ على شكل ندوة لنتحاور فيها مع مجموعة قوامها 1100 من طلاب المراحل النهائية في الدراسات العليا في مجالات العلم والهندسة, توقعنا بطبيعة الحال ان تنهال اسئلتهم علينا ضمن مجالات الاهتمام المعروفة: الثقوب السوداء في الاوزون.. البقع الشمسية.. مشاكل زرع الاعضاء في الجسم البشري... الخ, وشد ما كانت دهشتنا حين جاءت تساؤلات هذه المجموعة من هذا الصنف النابغ اللامع من العلماء الشباب عن قضايا لم تكن في الحسبان هي: .. اخلاقيات العلم.. ونزاهة البحث العلمي. .. وسلوك العلماء من موقع شعورهم بالمسؤولية وكانت الاسئلة من قبيل: ــ ماذا كان شعور العلماء وهم يعملون في بحوث الاسلحة الذرية؟ ـ هل يمكن ان تؤدي معارفنا عن الجينات ـ الصبغيات الوراثية الى تطبيقات خبيثة او شريرة في حقل الاستنساخ مثلا؟ بعد هذه المقدمة ذات الدلالة المعبرة ذاتيا عن نفسها.. بل الدلالة الباعثة نسبيا ومن وجهة نظرنا العربية على الاطمئنان, يسترسل البروفيسور ليدرمان في افكاره التي يعرضها لنا بإيجاز يقول فيه: ـ ان سلوك العلماء ومدى شعورهم بالمسؤولية التي القاها على عواتقهم المجتمع هو المعول عليه في ان يكون البحث العلمي مجديا ونافعا للناس. صحيح انه يلزم توفير كل الحرية للعالم كي يستخدم فضوله (المقدس) تحريا للحقيقة وسط بيئة ديمقراطية, (بمعنى عدم التجرد للبحث بعيدا عن ارضاء من بيدهم صولجان السلطان) . لكن الصحيح ايضا ان يكون رائد العلماء دائما هو موضوعية الحق بغير تحيز او تزويق ومصداقية الحقيقة بغير مصالح او تربح وكل هذا في اطار (توقير) الطبيعة واجلال مكانة البشر في اطارها. العلماء ليسوا ملائكة ـ ليس معنى هذا.. يضيف الاستاذ الباحث ـ ان العلماء قديسون على طول الخط.. انهم بشر في كل حال ـ فهم طماعون.. انانيون, عنصريون ومغرورون ومن ثم فهم الى طريق الشر سائرون ومن العلماء ـ يضيف صاحبنا النوبلي ـ من يفشى ويدلس ومن يسرق بحوث غيره (في جامعاتنا العربية بالمناسبة ـ قضايا كثيرة في هذا الباب) ومنهم من لا يزال يعمل في مجالات الغازات السامة او لدى شركات الدخان ومنهم ايضا من يجلس في مقاعد المستشارين لدى الطغاة والمستبدين. لكن الكثرة الكاثرة من اهل العلم ليسوا على هذه الشاكلة.. لم تر لفيفا منهم رهبانا او كالرهبان في صوامع البحث ومختبرات التجاريب صبرهم من صبر ايوب وهم يجهدون في التماس علاج للايدز او السل او السرطان.. وهم الذين قدموا الحاسوب الالكتروني بكل امكاناته الهائلة وكل وعوده السابقة الى البشرية, وهم الذين جعلوا كرة الارض ـ بفضل جهودهم في علم الاتصال اللاسلكي ـ قرية او شبه قرية مترابطة متواصلة. العلم اداة تمكين المشكلة ـ والتعليق من عندنا ـ ان العلم موضوعي بمعنى انه حمال اوجه كما يقول المصطلح الفقهي المعروف فليس هناك علم طيب وعلم خبيث.. ولكن هناك استخدامات طيبة وتطبيقات خبيثة لثمرات العلم ونتائجه بل هناك ايضا آثار جانبية سلبية بطبيعة الحال لايجابيات العلم وينبغي للبشرية ان تجهد وتناضل للتخلص منها او تخفيض وطأتها. الا ترى الى العلم وقد اعطانا السيارة فإذا بها تؤدي الى تثوير حياتنا فائدة ومتعة وراحة ـ ولكنها تؤدي ايضا الى تسميم اجوائنا بغازات اكاسيد الكربون بكل خطورتها على الحرث والنسل والكوكب الارضي بأسره! من ناحية اخرى.. جاء العلم المعاصر بشبكة الانترنت ذات الوجه المضيء عندما يتسلم الناس منها شيئا مفيدا وجديدا. وذات الوجه الحالك الماحق عندما يعكف قوم على الجلوس اليها ساعات طوالا وقد انشغلوا عن امور بيوتهم وعائلاتهم.. لماذا؟ لانهم يدخلون في عملية اقرب الى القمار.. الالكتروني كما قد نسميها.. يشترون فيها ويبيعون في لمح البصر اسهما وسندات.. يربحون بغير جهد ويخسرون بغير حدود.. وكم عصفت هذه (الروليت) الجهنمية بافراد وجدوا انفسهم وقد خسروا في ساعات وهم جلوس امام الشاشة الزرقاء.. حتى المقعد الذي يجلسون عليه وكان آخرهم.. كما رددت الانباء في الشهر الماضي.. رجل امريكي سدت امامه كل المسالك.. فلم يجد امامه سوى ان يمتشق بندقيته ويقتل كل اسرته ويغتال معهم كل من صادفه في الطريق ثم يحول البندقية الى رأسه شخصيا في نهاية المطاف. الخير والشر قل الشيء نفسه عن احداث المعارف المبهرة التي جاء بها علم الجينات البشرية.. او التي توصل اليها علم تسجيل المعلومات بالصوت والصورة والطيف والبصمات ـ أليس في هذا ما قد يوصل الى محو او تمييع التمايز بين البشر.. او قد يجتاح قدسية المحارم وحرمة الخصوصيات. واخيرا.. أليس في ظاهرة انفجار المعرفة التي تدخل بها القرن الحادي والعشرين ما يهدد بأن تقتصر القوة والمنعة, والجاه والنفوذ على من يملكون مفاتيح هذه المعرفة دولا كانوا او حاكمين او طبقات او شرائح في المجتمع او فئات.. وفي هذا ما يوسع الثغرة الفاصلة بين الاغنياء والفقراء اكثر من هذا.. يقول البروفيسور ليدرمان: ـ العلم الحديث, المعاصر ليس سلاحا للتدمير ولا هو عصا موسى بيد قديس العلم (هو اداة تمكين) في التحليل الاخير, نستخدمها بالخير فتؤدي الى ترقية حياة البشر وقد نستخدمها في شر وربما تؤدي الى هلاك الكوكب الذي عليه يعيشون.. والمعنى ان العلم يزود الناس بالماكينة المحركة.. بالموتور.. وعلى الناس ان يتولوا هم ادارة الماكينة وتشغيل الموتور. مسؤولية اهل العلم وليس معنى هذا بحال من الاحوال ان يقف العلماء ساكتين او مجرد منتجين للماكينة المقصودة او موتور التقدم المنشود, ان عليهم مسؤولية اخلاقية جوهرية يلخصها الاستاذ ليدرمان في ضرورة اتباع النهج الاخلاقي الذي يحثهم على توضيح مغبة ما يقدمونه للناس من ثمار العلم والاختراع حيث يبينون لهم ما ينطوي عليه من ايجابيات وما قد يفضي اليه من سلبيات.. يقول لهم ما يليق بالعلم والعلماء وما لا يليق.. ويرفعون عقائرهم بالنذير والتحذير ـ لا يخشون في هذا لومة لائم ـ اذا ما عاينوا انحرافا بين صفوف اقرانهم العلماء والباحثين. وهو كلام صحيح. ان العلم يبدأ بالمعلومة ويتطور بالنضج الى المعرفة, ومن ثم يرتقي الى ذرى نسميها الحكمة. و الحكمة لها تعريف باهر وبسيط يقول: ـ انها استخدام المعرفة لمصلحة البشر. * كاتب سياسي من مصر