اثارت فضيحة ضخ اسرائيل المياه الملوثة في شبكة المياه الاردنية في صيف عام 1998 قضية العطش في الاردن, والتي عاد وأكدها قيام سوريا في العام الحالي بتزويد الاردن بثمانية ملايين متر مكعب من المياه لاستخدامها في ارواء عطش الاردنيين بعد موسم امطار قليلة في نتيجة فصل الشتاء الماضي. وقضية العطش في العامين الاخيرين, لم تكن مقتصرة على الاردن, بل شملت لبنان وسوريا اضافة إلى فلسطين, وكان السبب الرئيسي للعطش في هذه البلدان كما هو حال الوضع في الاردن شح مياه الامطار, والتي هي المصدر الرئيس للمياه سواء مياه الري أو مياه الاستهلاك البشري. وتجلت مظاهر العطش في الاردن ولبنان وسوريا بخفض استهلاك المياه في المجالات كافة, ولاسيما خفض ساعات جريان المياه في شبكات الشرب, وكان ذلك ظاهرا في العاصمة السورية دمشق البالغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة, حيث وصل وقت تقنين مياه الشرب فيها إلى سبع عشرة ساعة متوالية, وقد امتدت تلك الاجراءات إلى انحاء اخرى من سوريا. ولم تكن معاناة وعطش سوريا ناتجة فقط عن شح مياه الامطار في الموسم الاخير, بل انها عائدة إلى السياسة المائية التركية ازاء سوريا وجوهرها الاستمرار في خفض كمية المياه التي تمررها في مجرى نهر الفرات الذي يعتبر اكبر مصدر للري والشرب في مصادر المياه السورية, والامر في هذا يتماثل مع سياسة اسرائيل بصدد مياه نهر الاردن في تعاملها مع الاردن, حيث تستأثر بالكمية الاكبر من مياه النهر مستهينة باحتياجات الاردن. وفي الحقيقة فان واقع العطش مرشح للتزايد في بلدان المشرق العربي, ذلك ان المواسم المطرية تتجه إلى التردي من خلال قراءة مؤشرات الهطولات المطرية في العشرين عاما الماضية, مما يعني استفحال العطش, وتقدم موضوع المياه ليغدو اكثر الموضوعات خطورة في اهتمامات الدول والشعوب وحاجاتها المتزايدة للمياه سواء للتنمية أو للاستهلاك البشري. ويفرض واقعا كهذا توجه دول المشرق العربي إلى تطبيق سياسات مائية جديدة في بنودها الاساسية, البحث عن موارد جديدة باستغلال المياه الجوفية, أو القيام بتحلية مياه البحر, وكذلك تقنين استهلاك المياه وترشيدها عبر طرق واساليب علمية جديدة, وإلى ذلك اعادة استخدام المياه العادمة, وهذه جميعا ينبغي ان تترافق مع حلول عادلة ودائمة بصدد اقتسام المياه الدولية الجارية, ولاسيما اقتسام مياه اكبر نهرين في المنطقة, وهما الفرات ودجلة اللذان يخترقان اراضي كل من تركيا وسوريا والعراق, ومن شأن ذلك اعادة ترتيب الوضع المائي بصورة مقبولة وعادلة في شرق المتوسط. غير ان تطبيق سياسات مائية جديدة, واجراء حلول مقبولة وعادلة لاقتسام المياه في شرق المتوسط امور ليست متيسرة بفعل عوامل متعددة لعل الابرز فيها ضعف الامكانيات المادية والفنية التي يتطلبها البحث عن موارد مائية جديدة في مثال تحلية مياه البحر, او اعادة تأهيل المياه العادمة والتي تتطلب امكانيات افضل مما هو متوفر في دول المنطقة, هذا اضافة الى عدم توفر ارادة حل المشكلات المائية بين دول المنطقة, خاصة وان تركيا واسرائيل تحاولان فرض سياسة الامر الواقع كل على طريقتها. حيث تقوم الدولة التركية بالتحكم بمياه الفرات ودجلة انطلاقا من اعتبارهما (نهرين تركيين) والانطلاق من ذلك الى (حقها) في تسليع المياه وبيعها في اسواق المنطقة, وعلى اساس هذا المنطق تمت عدة اتفاقيات تركية ـ اسرائيلية لتزويد مياه تركية الى اسرائيل. والموازي الاسرائيلي لسياسة تركيا بصدد المياه في العلاقة مع الدول العربية المحيطة, هو استمرار اسرائيل بالسيطرة على مياه الضفة الغربية ومياه الجولان وحرمان اصحابها من الفلسطينيين والسوريين من استغلالها لصالحهم وتسخيرها لصالح المستوطنين والمستوطنات, والامر في سياسة اسرائيل المائية ازاء الاردن يتعدى ذلك الى التحكم بحصة الاردن من مياه النهر, بل في التراجع عن تزويد الاردن بكمية المياه التي نصت عليها الاتفاقيات الاردنية ـ الاسرائيلية بهذا الخصوص, مما اشعل معركة تصريحات بين الطرفين في الاشهر الاخيرة, ومن غير المنتظر ان تستجيب اسرائيل للمطالب الاردنية. وتتميز سياسة اسرائيل المائية في جنوب لبنان من خلال قيام سلطات الاحتلال باقامة شبكة تحتية في الجنوب اللبناني هدفها الاستيلاء على المياه من منابعها الاساسية واستجرارها الى الشبكة الفطرية للمياه في اسرائيل, وقد مضت سنوات طويلة على كشف السياسة الاسرائيلية في الجنوب دون ان يوضع حد لسرقة المياه اللبنانية. ومما لا شك فيه ان تزايد موجة العطش في دول المنطقة, مترافقة مع عجز الدول عن تجاوز الوضع في اجراءات وسياسات جديدة مع عدم توفر ارادة لحل مشكلات المياه وسياسة النهب التي تمارسها اسرائيل, سوف يدفع دول المنطقة الى صراعات جديدة محورها المياه لمواجهة العطش, لكن من الصعب تقدير اتجاهات وتفاصيل تلك الصراعات ونتائجها.