دعوني اقول لحضراتكم بصراحة, العبد لله بالرغم من حكايات الانفلات وروايات الفساد. وبالرغم من نواب القروض ونواب الهبور.. الهبور وليس العبور. بالرغم من الحكايات الكثيرة المتناثرة عن قضية السكرتيرالمثقف محمد فودة , بالرغم من الروائح الوسخة المنبعثة من مكتب السيد مستحفظان اغا, الذي له في كل يوم تصريح في جريدة شكل, وحديث في الحضارة والشطارة كل اسبوع في قناة على القمر الصناعي واحيانا على القمر الطبيعي. اقول بالرغم من هذا وذاك فالعبد لله مطمئن على مستقبل مصر, والسبب وجود بعض الشخصيات الشريفة النظيفة في قمة السلطة في بر مصر. عندك مثلا المستشار جابر ريحان المدعي الاشتراكي, انه رجل من عصر الخلفاء الراشدين, وهو في هيئته ومعيشته لا يزيد عن موظف من الكادر المتوسط بوزارة الاوقاف. وهو في الحق كالسيف, وفي الجد لا يفرق بين شقيقه وعدوه, ووجود رجل مثله في منصبه يجعل الانسان يطمئن على مستقبل بلده. هناك ايضا اللواء هتلر طنطاوي, وجود هذه الشخصية التي هي انظف من الصيني بعد غسيله على رأس هذا الجهاز الخطير, يجعل الانسان يتفاءل بالمستقبل انه رجل ضد الغواية وضد الاغراء, ووجوده كفيل ببث الرعب والفزع في قلوب المتربحين والمرتشين في كل مكان. هناك ايضا النائب العام الجديد المستشار ماهر عبدالواحد. وهو رجل دلت خطواته الاولى على انه لا يخشى في الحق لومة لائم. وعندك ايضا المستشار محسن صبحي القاضي الشجاع الذي لم يتردد لحظة في سجن نائب برلماني ووزير سابق وضابط من الضباط الاحرار. هؤلاء فقط هم عينة من الرجال الشرفاء الذين يملؤون مصر بالرغم من القشرة الرديئة التي لا تكفي لتغطية الجواهر الثمينة المنتشرة هنا وهناك. وهل ننسى الشرفاء من المسؤولين الكبار في مصر وعلى رأسهم حسني مبارك الذي يتصرف من اجل متابعة المشروعات وكأنه شاب في الثانية والاربعين. احيانا اتساءل.. متى يمارس حسني مبارك حياته وهل له حياة خاصة شأنه شأن الناس الاخرين؟ وعندكم الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء. ولا استطيع القول بان الدكتور الجنزوري يعيش بيننا, صحيح انه يتنفس وعروقه تنبض ولكنه لا يعيش بالمعنى الذي اقصده, منذ فترة قصيرة دخلت مطعم عائم على النيل وشاهدت الدكتور الجنزوري جالسا وسط شلة من الاصدقاء, وهتفت بيني وبين نفسي.. يا ميت حلاوة يا جدعان, اخيرا رأيت الجنزوري يمارس الحياة. واتجهت نحو مائدة الجنزوري لمصافحته, ومددت يدي نحوه بالفعل, وصافحته بشدة ثم اكتشفت ان الشخص الذي اصافحه ليس هو الجنزوري بالتمام والكمال هناك فروق بين الاثنين, ولكنها فروق بسيطة لاتكاد تراها العين المجردة, ثم اكتشفت في النهاية انه شقيق الدكتور الجنزوري! وهناك وزراء كثيرون يواصلون الليل بالنهار في مكاتبهم, على رأس هؤلاء الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التربية والتعليم, والدكتور احمد الجويلي وزير التموين, والدكتور ماهر اباظة وزير الكهرباء,والدكتور يوسف والي وزير الزراعة, وهناك محافظون يطفحون الدم في العمل, عندكم عبدالسلام المحجوب في الاسكندرية, والدكتور عبدالرحيم شحاته في القاهرة وصبري البيلي في القليوبية وفخر الدين خالد في الدقهلية وسعد ابو ريدة في الغردقة والدكتور التلاوي في البحيرة وصلاح مصباح في اسوان وحسين طنطاوي في الفيوم, ومصطفى عبدالقادر في المنيا وسلمي سليم في الاقصر, صحيح هناك محافظون (نايمين في العسل), ولكنهم قلة وهو الشذوذ الذي يثبت القاعدة ومنصب المحافظ هو اكثر المناصب اهمية الآن, ولذلك فاختيار المحافظين يفرض الخروج من القاعدة التي تحكم عملية اختيار المحافظين في الوقت الحاضر. الواضح ان المحافظين يتم اختيارهم من فئات محددة رجال الجيش, رجال الشرطة, القضاة واساتذة الجامعة, وفي رأي العبدلله ان هناك فلاحا يصلح لمنصب المحافظ, وهناك عمدة يصلح محافظا, وهناك محامون وصحفيون واطباء وبعض رجال السلك الدبلوماسي يصلحون لمهنة المحافظ, واقول لكم بصراحة التجربة الماضية اثبتت ان اكثر المحافظين فشلا كانوا من بين رجال القضاء والنيابة, وهؤلاء لهم عذرهم, فالوظيفة تفرض على ابناء هذه المهنة الابتعاد بقدر الامكان عن الناس. وهم يتحركون في ثلاث دوائر لاغير, البيت والمحكمة ونادي القضاة بل ان اي فرد في هذه المهنة يشاهد اكثر من مرة في قهوة كتكوت او في سهرة تضم نوعيات مختلفة مثل التجار والفنانين والموظفين تجعله موضع شبهة, فكيف لرجل في هذا الوضع ان يدير الحياة في محافظة بأكملها تضم اعدادا لاحصر لها من الفلاحين والعمال والموظفين والطلبة والصياع ورجال المال والاعمال, بعض المحافظين من رجال الجيش دخلوا تاريخ الادارة المحلية من اوسع الابواب, على رأس هؤلاء المرحوم وجيه اباظة محافظ البحيرة والغربية والقاهرة ايضا, والمرحوم شعراوي جمعة محافظ السويس, وهناك يوسف صبري ابو طالب محافظ القاهرة, وهناك سعد زايد وعمر عبدالآخر, ومن بين رجال الشرطة.. هناك تجربة شيخ العرب عبدالحليم موسى في اسيوط, وهي تجربة رائدة وممتازة, ولو كان الامر بيدي لحددت اقامة عبدالحليم موسى في منصب المحافظ حتى يأتي امر الله الذي لا مفر منه ولا مهرب, وهناك تجربة اللواء احمد علي في طنطا بالرغم من انها كانت تجربة قصيرة مرت كالحلم, رجل القضاء الوحيد الذي حقق نجاحا في منصب المحافظ هو المستشار عصام حسونة في بورسعيد هناك ايضا تجربة عبدالمنعم عمارة في الاسماعيلية, واختياره جاء من خارج الدوائر الاربع التي يأتي منها المحافظون. وتسألني عن السادة الدبلوماسيين الذين يصلحون لمنصب المحافظ, واجيبك هناك السيد محمد شاكر سفير مصر السابق في لندن, وهناك الدكتور مصطفى الفقي سفير مصر الحالي بالنمسا, واقول لكم بعد ذلك, خصوصا ونحن على اعتاب مرحلة جديدة, الواجب يدعونا الى توسيع القاعدة التي يجري اختيار المحافظين منها, لان المحافظ الممتاز هو عون للدولة وهو القاطرة التي تجر الاقليم الذي يحكمه الى طريق الخير والرخاء والنماء اما المحافظ الكارثة فهو عبء ثقيل على الدولة, وهو خراب مستعجل على اقليمه وعلى التجارة وعلى السكان, وامامنا تجربة على ارض الواقع الآن, قارنوا بين ما يجري في القاهرة وما يحدث في الجيزة, والطموا على الخدود بشقافة على ما حل بالمحافظة من خراب ودمار, وابكوا بالدمع وبالدم ايضا على حال الناس في المحافظة, اقصد القاهرة طبعا, اما الجيزة.. فالناس في خير حال والحمدلله الحمدلله الحمدلله, وعلى طريقة الشيخ محمد عبده, الذي كان اذا حلت به كارثة قال الحمدلله ثلاث مرات, واعتقد ان في حالتنا نحن علينا ان نرددها ثلاثين مرة!