يبدو أنه لم يعد هناك ثمة مبرر للتغاضي عن جملة الأخبار والتقارير والإشارات المتبادلة بين دمشق وتل أبيب حول ترتيبات تتم على قدم وساق تقضي إلى وصل ما انقطع من مفاوضات السلام منذ ثلاث سنوات حول مصير الجولان .. فأي مصلحة إذن للإنكار والتعتيم بعدما أصبح العالم في ضوء وسائل الاتصالات الحديثة والتنافس الإعلامي والمخابراتي المحموم مجرد قرية صغيرة عارية من الأسرار! على أ حسن الفروض التي تؤكد عزم الجانبين على التحرك نحو السلام أو بمعنى أكثر دقة مفاوضات السلام.. وبصرف النظر عن ترويج رئيس الحكومة الإسرائيلية باراك عن استعداده لتفعيل السلام الناجز على كافة المسارات خلال 15 شهرا.. إلا أن جملة الشواهد والممارسات الإسرائيلية تقطع بأن السلام الذي تنشده إسرائيل يختلف ويتناقض مع السلام الذي ينشده السوريون والفلسطينيون.. هو سلام غنم بالنسبة لإسرائيل يتيح لها إملاء شروطه وحدوده وفرضه على العرب من منطق الإذعان للقوة من دون أن تأبه لاتفاقيات سابقة ولا لكم القدرات الدولية.. ولم لا والولايات المتحدة تحميها من عملية تنفيذ تلك القرارات.. وتكيل لها بالمكيال الأوفى من السلاح والمعونات المالية بدعوى تشجيعها على المضي قدما نحو السلام.. وضمان أمنها عبر التفوق العسكري في الأسلحة التقليدية على مختلف الجيوش العربية مجتمعة.. بل وانفرادها بترسانة ضخمة من الرؤوس النووية! النوايا والخطط الإسرائيلية معلنة وواضحة وضوح الشمس.. ولا جدوى من وضع العرب رؤوسهم في الرمال والتعلق بخيوط الأوهام الواهية.. لأن السلام المطروح والممكن في ظل حالة الخلاف والضعف العربي.. إنما السلام الإسرائيلي فحسب.. سواء بتعنت نتانياهو سابقا.. أو لاءات باراك الأربعة لاحقا.. فلا عاصمة للفلسطينيين في القدس وإنما العاصمة الأبدية ولإسرائيل.. ولا عودة لأكثر من أربعة ملايين فلسطيني إلى أرضهم السليبة.. وإنما توطينهم أينما يعيشون منذ نكبة 1948 وما تلاها من النكبات.. وأما ما تم بناؤه من المستوطنات على أرض وبيوت فلسطينية مغتصبة.. وراسخة في مكانها وقابلة للتوسع الأفقي والرأسي فلا داعي إذن لإثارة الجدل العقيم حولها.. ولا مانع من إرضاء النعرات الوطنية الفلسطينية بأن يقتطع من ضواحي القدس مساحة صغيرة لإقامة دولتهم بحيث تشخص أبصارهم إلى المسجد الأقصى عن بعد.. لكن وفي كل الأحوال تظل هذه الدولة المرتقبة منزوعة السلاح.. مقطعة الأوصال.. إلا من بعض الكباري والطرق والمنافذ الخاضعة لسلطة الرقابة والأمن الإسرائيلي! إن كل الشواهد تؤكد ولا شك على أن السلام الإسرائيلي المعروض على العرب بعد نصف قرن من الصراع والحروب والشهداء وفداحة التضحيات.. غنم لإسرائيل.. وغرم للعرب.. لا بمعيار العدل.. وإنما بمعيار القوة.. والأدهى والأمر أن يفرط العرب طواعية فيما تبقى لديهم من معالم القوة قبل أن تفي إسرائيل باستحقاقات السلام.. بل وقبل أن تبدأ مفاوضات السلام.. تحت مبرر إثبات حسن النية والرغبة الأكيدة في السلام. رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز يؤكد يوم 24 يوليو الماضي أن تأثير القيادة السورية ورهانها على إحياء عملية السلام.. دفعت حزب الله إلى التخفيف من نشاطاته العسكرية ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان بشكل ملحوظ.. وأضاف في تصريحه للإذاعة الإسرائيلية عقب خروجه من اجتماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست أن السوريين شرعوا بالفعل في احتواء حزب الله.. ويمنعونه من إطلاق صواريخ (كاتيوشا) على الأراضي الإسرائيلية.. وهذا عائد إلى أجواء السلام القادم.. والتي تترجم أيضا بأن السوريين اصبحوا ناضجين لإجراء مفاوضات مع إسرائيل.. وأشار إلى أن العمليات التي شنها الطيران الإسرائيلي على أهداف مدنية في لبنان يوم 25 يونيو الماضي.. تعتبر سببا إضافيا لهذا الموقف أيضا.. لكنه يأسف لكون سوريا لا تؤثر على حزب الله في كل ما يتعلق بالعبوات الناسفة التي تستهدف الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان.. موضحا أن المواجهات العسكرية ما تزال متواصلة بين الجانبين ! انتهى تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي.. مخلفا وراءه هما ثقيلا وشكوكا شتى.. ولا أن يشك لحظة في صلابة الموقف السوري وحنكة الرئيس الأسد.. ومن حق سوريا أن تناور.. وتطلق بالونات الاختبار.. وتتحسس مواقع أقدامها قبل أن تخوض غمار المفاوضات الصعبة مع إسرائيل.. وهي في كل الأحوال لن تفقد شيئا من حقوقها وكرامتها وهي تتبادل الرسائل مع إسرائيل عبر وساطة واشنطن وباريس ومدريد وعمان.. أو تجري ـ حتى ـ مباحثات سرية تمهيدية مع الإسرائيليين على غرار ما فعل الفلسطينيون في أوسلو! كل هذه المسالك البراجماتية التكتيكية مشروعة.. فقد قبلت سوريا بالجلوس من قبل وجها لوجه على مائدة المفاوضات مع الإسرائيليين في مدريد.. وارتضت هذه الآلية معبرا للوصول إلى السلام الشامل العادل.. الذي يعيد لها الجولان كاملة غير منقوصة دون قيد أو شرط.. وإلى حد تسليم إسرائيل بوجهة النظر السورية واستعدادها للجلا ء عن كامل تراب الجولان في عهد حكومة إسحاق رابين. الآن. . اختلف الوضع.. صحيح أن يهود باراك أعلن استعداده لبدء المفاوضات مع سوريا من حيث انتهت.. لكن الانسحاب من كامل تراب الجولان غير وارد.. وربما كانت الموافقة على مساحة الانسحاب معلقة بنتائج استفتاء شعبي.. وموصولة بالتطبيع الكامل لعلاقات البلدين في شتى المجالات. ومن هنا يمكن التنبؤ بنتائج صراع الإرادات في ضوء عدد من المعطيات العربية والإقليمية والدولية.. وبينها مديونية سوريا الكبيرة للاتحاد السوفييتي السابق مقابل صفقات السلاح في حقب سابقة.. ولعل الاتفاق على جدولتها.. وراء عدم وفاء روسيا باحتياجات سوريا لصفقة جديدة من العتاد والسلاح الدفاعي في حدود مليار ونصف المليار دولار إضافة إلى الضغوط الأمريكية لمنعها وكوريا الشمالية والصين من تزويد سوريا بالسلاح في مواجهة تنامي القو ى العسكرية الإسرائيلية.. والتحالف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي. وفي السياق نفسه لا مفر من تحسب دمشق مغبة تهميش الدور الأمريكي.. وتراجعه عن كونه شريكا في عملية السلام إلى مجرد بذل الجهود لتسهيل التفاوض بين الأطراف المعنية استجابة لمطلب باراك.. وجنوح فصائل المعارضة الفلسطينية لنهج ياسر عرفات والتي تتخذ من دمشق مقرا لها إلى المصالحة معه والسير في ركابه بينما كانت تتهمه من قبل بالخيانة.. فلعل هذه البادرة مدعاة لاستبعاد سوريا من اللائحة الأمريكية التي تضم الدول التي ترعى الإرهاب الدولي.. نهاية بما تردد مؤخرا حول إحالة عدد من القيادات السورية النافذة للتقاعد أو الإبعاد من مناصبهم السياسية والأمنية والعسكرية تمهيدا لاستبدالهم بوجوه جديدة أقرب للانسجام مع واقع التسوية النهائية! لكن وفي كل الأحوال يظل للثقة في صلابة وحكمة القيادة السورية ضروراتها ومصداقيتها.. حيث لم يرصد لها تصريح واحد إلا ويقرن بشرط التفاوض مع إسرائيل بالانسحاب الشامل غير المشروط من الجولان.. وتصريح الشيخ حسن نصر الله أمين حزب الله الذي نفى أن تكون سوريا مارست ضغوطا حتى يتوقف عن ممارسة نشاطاته العسكرية ضد إسرائيل وقال: سواء عاد الإسرائيليون إلى طاولة المفاوضات أم لم يعودوا فهناك معادلة يلتزمون بها: (إذا كان هناك أرض محتلة فلا مفر من قتال يحررها) فهل يا ترى يلدغ العرب من جحر للمرة الثالثة.. فعندما كبحت السلطة الفلسطينية الانتفاضة الشعبية كانت اتفاقية أوسلو ولما توقفت العمليات الاستشهادية لعناصر حماس وتنظيم الجهاد كانت اتفاقية واي بلانتيشن.. فأي مصير انتهت إليه نتائج تلك الاتفاقيات سو ى المماطلة والتسويف من جانب إسرائيل.. لكن حتى إذا ما تم وقف مقاومة حزب الله وتحول إلى كيان سياسي.. ألا يحتمل أن يمارس نشاطه ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية خارج لبنان بدعم من إيران ومن يضمن سكوت الفلسطينيين من سكان المخيمات على ما آل إليه مصيرهم في ظل التسوية السلمية الظالمة بعد نصف قرن من التشريد والشتات!؟.