روجت في الغرب افكار خاطئة كثيرة, منها حمل الغرب لرسالة اشاعة الحضارة في العالم غير الغربي, وفكرة ان اوروبا هي المنبع الوحيد للعلم والفلسفة, وفكرة ان العالم غير الغربي لم ينتج علما وفلسفة , رغم ان سجلات التاريخ والآثار التاريخية تبين نشوء العلم والفلسفة في كثير من البلدان غير الغربية مثل وادي النيل وبلاد الرافدين وبلاد الشام والصين والهند, وفكرة ان العنصر او الجنس الاوروبي أفضل من الاجناس التي تنتمي الشعوب النامية اليها, وفي الغرب من شوهوا ثقافات وحضارات الشعوب النامية ولم يعرضوها عرضا دقيقا ولم يدرسوها دراسة صحيحة وافية, وتشيع لدى الغربيين صور خاطئة عن شعوب العالم الثالث, ومن هذه الصور صورة العربي العاجز عن كبح جماحه الجنسي والعاطفي, واشيعت افكار غربية تحقر حضارات الشعوب غير الغربية وتؤكد على العيوب فيها وتتجاهل جوانبها الايجابية, متجاهلين ايضاً الجوانب السلبية في الحضارة الغربية, ومن هذه الافكار فكرة ان قسماً كبيرا من حضارات العالم غير الغربي قام على الخزعبلات والخرافات. وذلك عرض غير متوازن, فالحقيقة هي ان العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والانسانية والفلسفية ادت دورا ذا شأن في اقامة صرح حضارات مثل الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة العربية الاسلامية, وان الفلسفة اليونانية تأثرت تأثراً بالغاً بحضارة وادي النيل, وكان للحضارة العربية الاسلامية اليد الطولى في حدوث التنوير والبعث اللذين انتشلا اوروبا من ظلمات العصور الوسطى, وكان لفلسفة ابن رشد اليد الطولى في بعث ونشر التفكير الفلسفي العقلاني في اوروبا العصور الوسطى, وليس ادل على عبقرية الفكر العربي السامي من الاتيان باللغة العربية بنحوها وصرفها واشتقاقها واوزان افعالها واسمائها وعن طريق الاستعمال الصحيح لأوزان الافعال والاسماء في اللغة العربية يمكن للانسان ان يحقق التقدم في الفهم الصحيح لتطور الفكر البشري وللطبيعة المنطقية والعقلية للعلاقات بين الظواهر الاجتماعية والطبيعية. ومن المؤسف, من المنظور القومي والانساني, ان قسما لا يستهان به ــ على الأقل من الشعوب النامية, بما في ذلك قسم من الشعب العربي, بات فعلاً يقبل هذه الصور ويتبنى هذه الافكار الخاطئة التي اشاعها غربيون بسياستهم عن شعوب العالم النامي. وبذلك القبول والتبني انطلى على كثير من افراد هذه الشعوب الخطأ وامسى كثيرون منهم ضحية لتلك الصور والافكار. لقد باتوا يظنون, على سبيل المثال, ان العرب امة متخلفة من جميع نواحي التخلف وان العمل العربي غير متقن وان الشخص العربي يفتقر الى الحس بالوقت وان العرب شعب عاطفي وانه غير عقلاني وان عقل الشخص غير الاوروبي ادنى من عقل الشخص الاوروبي وان الساميين ادنى من الناحية الجينية من الآريين وغيرها من المقولات السخيفة التي يرفضها العقل والتي لا تقوم على اسس علمية موضوعية صحيحة والتي تنم عن وجود هذه الصفات او قسم منها في الذين ينسبون وجودها الى الشعوب النامية. ومن الامثلة ايضاً على تبني تلك الافكار الخاطئة تلقين بعض هذه الافكار في مدارس وجامعات في العالم النامي, وورود الجملة التالية في كتاب وضعه مفكر يعتبر من اكبر المفكرين العرب(بدأت الفلسفة في اليونان, والحضارة المصرية قامت على الخرافات والخزعبلات) ولعل ذلك المفكر الكبير جداً جداً نسي او تناسى او جهل ان العالم الغربي لا يزال يستفيد من بعض جوانب الحضارة المصرية في الفلك والرياضيات والطب وغيرها. ومن العيوب التي تعتور ابناء الشعوب النامية ما يمكن ان يسمى (عقدة) الاجنبي. وتتمثل هذه العقدة في جملة ما تتمثل فيه في ان منا من ينسب الى الاجانب فضلاً قد لا يكون فيهم, او قدرا من الفضل اكبر مما هو متوفر لديهم ومما يتصل بهذه العقدة شيوع ظاهرة مؤلمة من المنظور القومي ومن المنظور الانساني, وهي الغاء قسم من ابناء الشعوب النامية لشخصيتهم ازاء شخصية الاجنبي, وتتمثل هذه الظاهرة في جملة امور منها اعتبار الاجنبي افهم منا واعتبار طرق غربية في الحياة انها طرق طبية او طرق مثالية تحتذى, والاستعداد الى الاسراع بقبول عادات وتقاليد وطرق غربية دون التساؤل والدراسة والتأني وكأنها العادات والتقاليد والطرق المثلى. ولا حاجة بنا الى القول ان هذا الالغاء للشخصية خاطىء لانه يجب الا يلغي الشخص الانسان, اي انسان, شخصيته ازاء اي انسان آخر, اذ يجب ان يعتز الانسان بشخصيته, الشخصية العربية لا تستحق هذا الالغاء ازاء شخصية الغربي, فلكل شخصية بشرية جوانبها القيمية والسلوكية والفكرية والعاطفية الايجابية والسلبية, وقد توجد في شخصية العربي جوانب ايجابية لا توجد في شخصية العربية وبالعكس, كما انه يمكن ان توجد في شخصية العربي جوانب سلبية لا توجد في شخصية الغربي. وللعرب حضارة شامخة وعريقة مودعة في عشرات الالاف من الكتب المنشورة والمخطوطات العربية التي تتضمن الفكر الفلسفي والديني والعلمي والرياضي والانساني والاجتماعي. والمثال على ذلك مؤسس علم الاجتماع الحديث وفيلسوف التاريخ عبدالرحمن بن خلدون التونسي العربي الحضرمي الذي استمد منه اميل دركهايم المفاهيم المتعلقة بتفسير حركة التاريخ الديناميكية. وهذه النظرة الى النفس والى الغربيين, النظرة المتمثلة في اعتبار النفس متدنية ازاء الغربي وفي الغاء الذات او الشخصية امامه, نظرة لها اسباب, منها حالة التخلف التكنولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي عاشتها بلدان نامية وحالة التقدم التكنولوجي التي تسود المجتمعات الغربية, ومن هذه الاسباب ايضاً الصورة التي اسهمت اسهاماً كبيراً في ايجادها عن انفسنا وعن الغربيين في اذهاننا وسائط مثل كتابات وضعها مستشرقون طيلة عقود كثيرة وحتى الوقت الحاضر والتي اسهمت في ترويج هذه الافكار الخاطئة التي كان قسم منها مغرضاً لقد كان قسم من المستشرقين يكتب وهو واع او غير واع بالتحيز الذي لديه ضد الشعوب التي كتب عنها, لقد اتسم قسم من كتابات المستشرقين بقدر اكبر من الحيدة والموضوعية وقد سخرت بلدان في الغرب كتابات المستشرقين في خدمة سياستها اذ كان قسم كبير من تلك الكتابات معززاً للرؤية الغربية للعالم الثالث, ووفر ذلك القسم بعدا فكرياً ونظرياً وايديولوجيا استندت اليه جوانب من تلك السياسة وساعدت تلك الكتابات السياسيين في الغرب في الصياغة النظرية لتلك السياسة وفي تحديد كيفية التعامل مع شعوب العالم الثالث. واسهمت في ايجاد هذه الصورة ايضاً وسائط الاتصال (ولا نقول وسائط الاعلام, لانها ليست دائماً وسيلة اعلام) المقروءة والمسموعة والمرئية التي تنطق باسم مختلف الهيئات الحكومية وشبه الحكومية والعامة والخاصة لقد اوجدت تلك الوسائط في صفوف الشعوب النامية صورة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البراقة في الغرب, وهي الصورة التي بسببها تعتبر عادة تلك الحالة تدل على التقدم دون القيام بدراسة وافية لهذه الحالة لمعرفة خصائصها وحقيقتها. ولعقدة الاجنبي هذه اضرار بالغة بنا. واحد هذه الاضرار يتعلق بمسألة التقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي سيكون في مصلحة الشعب العربي والذي ينشده الناشدون منا, يتطلب تحقيق التقدم بجوانبه المختلفة هذه وسائل منها توفر الجامعات ومراكز البحوث والموارد المالية المتخصصة للطلاب الجامعيين واشاعة معرفة القراءة والكتابة والتصنيع ورفع مستوى المعيشة واشاعة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وردم الفجوة المالية والمعيشية بين الاغنياء والفقراء هذه كلها وسائل من شأنها ان تسهم اسهاماً كبيراً في تحقيق التقدم ومما من شأنه ايضاً ان يسهم في تحقيق التقدم توفر صفات نفسية مثل الاعتزاز بالنفس والثقة بالنفس والميل الى الابداع والروح الخلاقة والشعور بعدم التدني عن الآخرين, ان لم يكن الشعور بالتفوق عليهم, الثقة بالنفس هي المحفز الرئيسي على التفكير المستقل والابداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكريا وعاطفياً, وعلى محاولة الاكتشافات في مجالات الفنون والآداب والعلوم والتكنولوجيا وتعين الثقة بالنفس على تأكيد الذات وعلى مجابهة التحديات وتذليل المشاكل ولعقدة الاجنبي اثر كبير في اضعاف هذه الصفات او ازالتها فشعور المرء بأن آخرين افضل منه من شأنه ان يضعف او ان يزيل هذه الصفات وان يدخل الوهن في النفس الذي ينال طبعاً من القدرة على مواجهة التحديات ومن الحفز على التفكير المستقل والابداع وتكوين الشخصية المستقلة المنطلقة فكرياً وعاطفياً, وبالتالي لا يمكن ان نحقق التقدم ما لم نتخلص من هذه العقدة. وفي الحقيقة انه قد لا يكون من الممكن تصنيف بعض الشعوب حسب مقاييس جينية وذلك لاختلاط الشعوب عبر القرون بعضها في بعض عن طريق الهجرة والتشرد والتزاوج لقد اختلط الدم الاسباني في دم الهنود الحمر في امريكا الجنوبية, واختلط الدم الايراني في الدم العربي في العراق منذ الازمنة الغابرة واختلط الدم المصري في الدم الفلسطيني والسوري, واذا افترضنا بأنه يمكن القيام بهذا التصنيف فإنه لا تقوم دلائل علمية موضوعية حقيقية على ان الساميين من الناحية الجينية ادنى من الآريين, والعرب لا يقولون بهذه المقولة وان عدم قول العرب بهذه المقولة وقول القائلين من الغربيين بها يدلان على رفعة العرب الانسانية وعمق فكرهم وحكمتهم. وفيما يتعلق بعاطفية وغير عقلانية شعب من الشعوب فإن لدى اي شعب قدرا من العاطفية وغير العقلانية وليست العاطفية وغير العقلانية من الصفات الجينية فحسب ولكنهما نتاج الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية البنيوية والبيئة الثقافية اللتين يعيش الشعب فيهما, ومما يدل على قدر لا يستهان به من العاطفية وغير العقلانية في الغرب نشوب الحروب الكثيرة الطاحنة الدموية في الغرب واتباع سياسات تؤدي الى تردي بيئة الكوكب وتفضي الى التلوث النووي والكيميائي ونشوء الاحزاب النازية والفاشية المتطرفة المحتقرة لشعوب اخرى, وتكثر الامثلة على وجود النزعة العاطفية في الغرب. وتشير دراسات احصائية طبية الى ان نسبة المصابين بأمراض الاعصاب والقلب والسرطان والمنتحرين في الغرب اعلى من نسبتهم في بلدان العالم الثالث, وللاصابة بهذه الامراض اسباب ومما لا شك فيه ان من تلك الاسباب وجود النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي السائد في الغرب, وهو النظام الذي تركت النزعة العاطفية اثرها فيه. وباشاعة هذه الصور الزائفة والافكار الخاطئة اسهمت اوساط غربية اسهاما ذا شأن في الانتقاص من اعتزاز الشعوب النامية بنفسها وبهويتها وتراثها ووجودها وفي حرمانها من ثقتها بنفسها, مما يحرمها من الحوافز على الاستقلال الفكري والابتكار. ولاشاعة هذه الافكار والصور كانت ولا تزال اهداف منها تسهيل السيطرة على بلدان اجنبية وتسويغ الغزو الفكري والمادي لتلك البلدان, وتسهيل تبرير الدول المسيطرة امام شعوبها للسيطرة على البلدان الاجنبية وتسهيل التسويغ النفسي لهذه السيطرة, وتقوية موقف تلك الدول في حملتها لدحر الارادة القومية والسياسية في البلدان الاجنبية, وهي الارادة الرامية الى تأكيد ذاتها وهويتها والى تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والى رفع شأن شعوبها وتعزيز هيبتها للحفاظ على المصالح والقيم الحيوية لتلك الشعوب. وعبر القرون اثرت الحضارات بعضها في بعض, وكان يمكن للحوار بين الحضارات القائمة ان يكون عاملاً مفيداً للبشرية غير ان ما نشهده اليوم ان عددا من المفكرين الغربيين حريص على التمجيد الاعمى للحضارة الغربية والتحقير الاعمى لحضارات اخرى مثل الحضارة الكونفوشية والحضارة العربية الاسلامية, ولهذا الحرص دوافع من اهمها انه يندرج في اطار هدف تسهيل مواصلة السيطرة على بلدان اجنبية عن طريق تبرير السيطرة عليها باستخدام حجة ان شعوبها ليس ذات حضارة عريقة يعتد بها وعن طريق التشجيع على تجريد تلك الشعوب من الثقة بالذات للابقاء على التفوق على العالم غير الغربي. ويمكن التصدي لهذه الافكار الخاطئة الشائعة بوسائل منها تعزيز الانتماء القومي وبعث الجوانب ذات الصلة من التراث وتوكيد الذات والهوية الاصلية والاصالة الفكرية والنهوض بالجوانب الحضارية الرفيعة المشرقة. استاذ دراسات الشرق الاوسط ــ كلية اسكيس كاونتي ــ الولايات المتحدة