ازمتان عابرتان.. ولكنهما تعطيان المثال على المناخ الذي نعيشه, وعلى العشوائية التي نواجه بها مشاكلنا في مختلف المجالات, والانفعال الذي يسيطر على تصرفاتنا فيجعلنا نقاتل بعيدا عن ميادين القتال الحقيقية, ونبدد جهودنا بعيدا عن المعارك الاساسية . ازمتان.. واحدة رياضية واخرى سياسية شغلتا الرأي العام وكشفتا عن امراض كثيرة نعاني منها, ولابد من مواجهتها مواجهة صريحة اذا كنا جادين في التقدم ــ مؤمنين بقدرتنا على ان نكون جزءا من عالم جديد لا حدود لما يحمله من انجازات.. ومن تحديات. الازمة الاولى كانت مع مباراة كرة القدم بين مصر والسعودية في كأس القارات, كانت كل الدلائل تشير الى فوز سهل للمنتخب المصري بعد تعادله مع منتخب المكسيك (الذي فاز بعد ذلك بالبطولة) فاذا بالمفاجأة تقع وينهزم الفريق بخمسة اهداف مقابل هدف واحد.. وكل شيء وارد في كرة القدم, ومع ذلك فقد كان وقع الهزيمة قاسيا على الجماهير المصرية وبدأت ردود الفعل تتوالى لتشكل ازمة في مصر, ولتشكل ــ وهذا هو الاخطر ــ نقطة اشتباك في الصحافة الرياضية في القطرين الشقيقين زادتها اشتعالا تصريحات بعض صغار المسؤولين الرياضيين, تبريرا للهزيمة, او فرحا بالفوز الكبير. وطبيعي ان يكون التنافس بين الاقربين له مذاق خاص. ومباراة الاهلي والزمالك ــ ومهما كان مستواها ــ تتوقف لها الحياة في مصر ويتابعها العالم العربي كله.. وهكذا الحال في كل قطر عربي حيث تشتد المنافسة بين فريقين محليين او اكثر وتلتهب المشاعر وايضا من الطبيعي ان تكون المنافسة بين اي بلدين عربيين شقيقين لها ايضا مذاقها الخاص, والفوز على منتخب مصر بكل تاريخه الحافل امر يستحق الاحتفال في كل الاحوال من الفائز, فما بالك اذا كان فوزه بهذه النتيجة الكبيرة, والهزيمة بالنسبة لمنتخب مصر امر لابد ان يجلب مشاعر الاسى لجمهور الكرة في مصر الذي طالب بحساب المسؤولين عن الهزيمة, وله كل الحق في ذلك. لكن غير الطبيعي ان يشتط البعض هنا او هناك, فيسيء للمشاعر, وهو امر تم تداركه بعاملين اساسيين واحد من صنعنا, وواحد من صنع الآخرين. فمن ناحيتنا.. كان القرار الحكيم بالتخلص من اتحاد الكرة في مصر.. ليس فقط بسبب الهزيمة, وانما ايضا بسبب تصريحات غير مسؤولة عن رئيسه وهو امر نشر الارتياح بين الجماهير المصرية, كما كان عاملا في تطويق ازمة كان يمكن ان تنشأ بلا مبرر وتنعكس اثارها على مشاعر الناس في القطرين الشقيقين. والامر الثاني, انه بعد 48 ساعة فقط, انهزم منتخب السعودية من البرازيل بثمانية اهداف, وادرك الجميع انهم في الهم شرق وفي المستوى الكروي لامكان لهم بين المتقدمين.. حتى اشعار آخر. مرت الازمة, ولكنها تكشف عن بعض ما نعانيه في عالمنا العربي: المبالغة في كل شيء.. عندما نفوز وعندما ننهزم, وعندما نغضب وعندما نفرح, وتعودنا على (الهرجلة) في تناول الامور بعيدا عن الموضوعية ثم عدم تحملنا المسؤولية بشجاعة عندما نخسر, والافراط في تقدير انفسنا عندما نفوز, وتغافلنا عن الاخطاء اذا لم تظهر, وعدم الايمان بالعلم والتخطيط في كل جوانب حياتنا. فمدرب السعودية طالبوا باقصائه من اول مباراة في البطولة حين انهزم من المكسيك بخمسة اهداف, ثم تحدثوا عن عبقريته بعد يومين عندما فاز بنفس النتيجة على منتخب مصر, ثم نصبت له المشانق حين انهزم من البرازيل بثمانية اهداف. ونفس الشيء بالنسبة لمنتخب مصر ومدربه الجوهري هاجموه في المباراة الاولى حين تعادل مع بوليفيا وشكروه في المباراة الثانية حين تعادل الفريق المصري وهو يلعب ناقصا مع المكسيك, وخسر كل شيء عندما انهزم امام السعودية! لقد مرت الازمة او كادت.. فهل نتعلم منها فندرك ان الرياضة هزيمة وفوز, وان العلاقات بين شعبنا العربي في مختلف اقطاره فوق اي شيء, وان (الفهلوة) لم تعد تجدي بعد ان اصبحت الرياضة علما وصناعة وتخطيطا لابد ان نملكها اذا اردنا التقدم.. في الرياضة او في غيرها. اما الازمة الطارئة الثانية فانفجرت مع التصريحات المنسوبة لوزير الدفاع السوري العماد مصطفى طلاس والتي هاجم فيها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بألفاظ لا تليق. ورغم المحاولات السورية للتنصل من هذه التصريحات واعتبارها رأيا شخصيا! ورغم جهود بعض المسؤولين الفلسطينيين والسوريين لاحتواء الوضع, فان تداعيات الازمة مازالت مستمرة, و(فتح) تطالب بإعدام الوزير, والمظاهرات ترد الصاع صاعين, والبعض ــ على الجانب العربي ـ يبذل جهودا للتهدئة, والبعض يحاول صب الزيت على النار. وتصريحات طلاس تعكس عمق الازمة في العلاقات بين القيادتين السورية والفلسطينية, وفشل كل الجهود لاحتوائها, وآخرها الجهود التي بذلت في الشهور الاخيرة في إطار محاولة عقد قمة لدول الطوق المحيطة باسرائيل, والتي فشلت في النهاية في تخطي عقبة الخلافات السورية ــ الفلسطينية, والتي بدأت قبل سنوات وازدادت لهيبا بعد اوسلو, واستمرت حتى الان. لقد فشلت كل الجهود لبناء موقف عربي واحد لمواجهة اسرائيل ما بعد نتانياهو, ولم نفلح حتى في تنسيق المواقف حين كانت موجات التفاؤل بباراك تفيض على التصريحات العربية بسبب او بدون سبب. وظهر واضحا ان اسرائيل اذا فاوضت فستفاوض العرب فرادى, وستحاول ابتزاز الجميع. وتجيء الواقعة الاخيرة لتضرب المثل في (الانفعالية) التي نتعامل بها مع اهم قضايانا, ولتوقف الجهود التي كانت ماتزال تبذل في محاولة تنسيق المواقف العربية بعد ان تعذر بناء موقف تفاوضي عربي واحد. وان كان البعض يعتقد ان (تسخين) الموقف قد يكون هو الطريق الوحيد لايجاد ثغرة للحل, وان (الفرج) العربي لا يأتي عادة الا بعد ان تضيق الامور وتستحكم. لكن هذا ليس الا وجها واحدا للازمة, فالأهم هنا هو (الشخصانية) التي تحكمنا, والتي تحيل القضايا العامة الى قضايا شخصية, فتتحول المعارك السياسية الى مجرد شتائم, والخلافات حول ما يمس حياتنا ومستقبلنا الى انحياز (مع او ضد) هذا المسؤول او ذاك. ولقد ساهم في ذلك غياب الديمقراطية الحقيقية في مجتمعاتنا, وتركز السلطة في يد الحاكم, ليصبح الامر كله في يده, ويتم تهميش باقي المؤسسات ومن هنا تتحول الخلافات بين الدول الى خلافات بين الحكام. وبدلا من ان تساهم المؤسسات في ترشيد المواقف تتحول الى مجرد كورس يردد الموقف الرسمي, وبدلا من ان يساهم المثقفون والمفكرون في اجتياز الازمات للوصول الى الموقف الصحيح, تضيق بهم وسائل الاعلام التي تدخل المعركة احيانا دون ان تعرف السبب او تدرك التفاصيل, ويستمر الحال على ذلك حتى تتبدل الاوضاع وتتم تسوية الازمة من فوق, فيتغير كل شيء, وتختفي فواصل (الردح) لتجيء بعدها قصائد المدح. اما الثمن فتدفعه المصلحة العربية بل والفكرة العربية في حد ذاتها, ويدفعه المواطن العربي.. ليس فقط من تراجع ما يؤمن به من وحدة المصير العربي, ولا من غياب تواجده في قلب الاحداث والمشاركة فيها, وانما ايضا من لقمة العيش التي تتأثر بما يجري.. وكم قاسى عشرات الالوف, بل مئات الالوف, من العاملين العرب في قطر عربي اخر بسبب خلاف بين (الناس اللي فوق) لا يعرفون له سببا, ولكنهم يتحملون قبل غيرهم ــ اثاره ونتائجه. الامر الاخر المتصل بهذه القضية هو غياب تداول السلطة وآثاره الوخيمة على العلاقات (الاخوية!) . ففي ظل الاوضاع الراهنة قد يختلف مسؤول في هذه الدولة العربية مع مسؤول آخر في دولة عربية آخرى, ويستمر المسؤولان في موقعيهما عشرين سنة, ويستمر معهما الخلاف, وتضيع كل فرصة لاعادة النظر في الموقف حتى تتغير الوجوه او تتبدل المواقع وما اقل حدوث ذلك عندنا. ولعل المثال البارز هنا هو ما تعيشه العلاقات السورية ــ الاردنية من ازدهار في هذه الايام, هناك بالطبع ظروف موضوعية كانت تدفع في هذا الاتجاه ولكن هل كان يمكن ان تصل العلاقات الى مداها الحالي, لولا التغيرات الدرامية في الاردن وتولي الملك عبدالله, وما رافقه من قرار سوري جريء بفتح صفحة جديدة في العلاقات تتجاوز كل الخلافات السابقة. واظن ان الفرصة مهيأة لنفس التطور في اقصى المغرب بعد تغير التيارات في الجزائر ثم المغرب وهو ما يسهل فتح الصفحة الجديدة التي يتهيأ الجميع لها. وقبل ذلك كافة المثال الاوضح في مصر ما بعد السادات وكيف استطاع الرئيس مبارك انهاء القطيعة مع العالم العربي, واعادة مصر الى مكانها حيث لا تستطيع هي الاستغناء عن اشقائها العرب ولا يستطيعون هم الاستغناء عنها. والامثلة كثيرة, وكلها تدل على ان مثل هذا التغيير قد يكون طريقاً لحل الكثير من المشاكل المعلقة ليس فقط في العلاقات بين الدول, ولكن ايضاً واولاً.. في العلاقات الداخلية بين قوى المجتمع المختلفة. ان استعراضنا هنا للأزمتين الطارئتين في دنيا الكرة العربية ودنيا السياسة العربية يؤكد ان مثل هذه الازمات ليست الا اعراضاً لامراض متوطنة تحتاج للعلاج, وليس في هذا ما يسيء فالأمم كلها تواجه مثل هذه الازمات وما هو اشد منها ولكنها تعرف كيف تتعامل معه, ليس فقط بالوصول للحلول الناجحة او الممكنة, وانما ــ قبل ذلك ــ بالدراسة والتحليل والوصول الى الأسباب وسبل العلاج, واستيعاب التجربة وتحسين المجتمع, بالعلم والحرية والموضوعية حتى تكون الازمة طريقاً للمزيد من القوة اما عندنا فالتعامل يتم بالقطاعي, وبعيداً عن الموضوعية, ودون وضع قواعد تحكم العمل في مختلف المجالات حتى لا تتكرر الازمات, فالمهم عندنا ان نستخدم المسكنات حتى تزول الاعراض بينما الامراض تستفحل دون علاج حقيقي, وبلا مواجهة جادة. ومع ذلك.. فدعونا نأمل خيراً, ونتصور ان المخاطر التي تحيط بنا سوف تجبر الجميع للبحث عن نقاط الالتقاء ومحاصرة عوامل الفرقة التي تنخر في الجسد العربي ودعونا ننتظر الفرج على طريقة.. اشتدي أزمة, تنفرجي!!