ينقل عن لينين انه قال: (يوما واحدا في السلطة هو كتجربة عشرين عاما خارجها) ولا اعتقد ان لينين قد قال ماقاله في السنوات الاولى من الثورة البلشفية في بداية هذا القرن وفي أن ظنه(السلطة)التي يعنيها في مقولته هي السلطة الفلسطينية , ولكن جورج حبش ونايف حواتمة والمعارضة الفلسطينية بمجملها قد وعت هذا القول للينين, وليس غريبا ان تستشهد هذه القيادات بهذه المقولة في القادم من الايام, تبريرا للهرولة الى مضارب ياسر عرفات من اجل الحصول على شيء ما, بعد هذه القطيعة الطويلة في الظل السياسي, فبعد رفع شعار تحرير القدس عن طريق عمان او اية عاصمة عربية اخرى لفترة طويلة وقد صدق بعضنا ذلك, تعود هذه القيادات من جديد لتلقي بقايا ما حققه ياسر عرفات ان حقق شيئا, اليس ذلك مفارقة تاريخية! اوافق ان هذا المشهد هو مشهد حزين, والحزن الذي ينتابني هو ليس ان يبحث جورج حبش ونايف حواتمة ـ على ما بينهما من اختلاف بين وتناقض حاد ــ عن مخارج وتبريرات للعودة اليوم الى معسكر ياسر عرفات, ولكن مايحزنني انهما باشكال مختلفة ومن زوايا متناقضة, قد زايدا على كل قضية عربية في فترة الاربعين عاما المنصرمة, وتأرجحا بشكل سافر بين النقيض والنقيض في اطروحاتهما السياسية, وفي تصرفاتهما العملية الى درجة تشويش المشهد السياسي العربي تجاه القضية الكبرى, فلسطين. ما يخفف من هذا الحزن ان ماقام به جورج حبش ونايف حواتمة, ومن سار مسيرتهما هو جزء لايتجزأ من مسيرة سياسية عربية طويلة شهدت المزايدات الشخصية والوطنية ومازالت تقوم بذلك غير مدركة لاختلاف الظروف وتقلب الازمان. لذلك فان الحديث هنا يتجاوز اشخاص من نعرض لهم, بمن فيهم الرئيس عرفات, للانصراف الى البحث الجاد عن جذور هذه الظاهرة, التي يمكن ان تسمى بظاهرة البحث عن دور, ومجالها هو المزايدة السياسية, وهنا قد تصدق مقولة لينين جزئيا ولكن بشكل ساخر, وهي: (تجربة يوم واحد في السلطة هي تجربة عشرين عاما خارجها), الاختلاف هو في عدد السنوات واعتبر هنا ( السلطة) هي معنى مجازي يحتوي على تحكيم العقل والنظر الى الامور بمنظار واقعي وعملي مع الالتزام بالثوابت. بيت القصيد فيما اراه هو التشبث بالسلطة ايا كانت, سواء في شكل زعامة عدد محدود من الرفاق والخلان والمريدين, او زعامة مجموعة من (السلط) المحدودة في القوة والتأثير, كما هو الحال في السلطة الفلسطينية, هذا التشبث هو عكس تيار تاريخي يقول لنا ان التجديد هو الذي يبقي على الفكرة مبثوثة في قلوب الجماهير وقابلة للتطور الخلاق, اما الجمود والبقاء على ما نحن عليه, فهو موت الفكرة وتكلس الممارسة وتضييع الحقوق في آخر المطاف. ولكن لابد من تحفظ هنا يدعو الى القول ان تاريخ العرب في مجمله هو تاريخ بطولات فردية, لاجماعية, لذلك فان من يتصدى لشأن عام, كبر او صغر, يعتقد انه يجب ان يحقق النتائج الايجابية في حياته, لأبعد مماته, من هنا يأتي التفسير المعقول للوفاق المرتقب بين اهل الرفض واهل القبول. وان كان لنا ان نقارن فان شخصا مثل ياسر عرفات في زمن العداء السياسي ( التاريخي) مع سبعة من رؤساء الوزارات الاسرائيليين, ثم مع اربعة منهم وقت السلم المؤمل, اي انه تعامل بشكل او بآخر مع احد عشر رئيسا للوزراء في اسرائيل, جاء بعضهم وذهب الى التقاعد او الى خالقه, ولكن في الطرف الآخر شخص واحد في المقابل هو ياسر عرفات بالمهمة الطويلة, وادار ولايزال يدير شأن شعب كامل, وبرضاء ظاهر من البعض او عدم رضا خفي من المجموعة المسايرة. لذلك فان توجهات جورج حبش الاخيرة وممارساته السياسية, وغيره من (المناظلين) في الفترة الاخيرة تأتي في سياق لمسيرة العمل العربي السياسي, تاريخي صحيح ولكنه غير صحي سياسيا, فالعربي يريد ان يبدأ مناضلا ثم قائدا ثم محررا وربما رئيسا, وفي فترة حياته القصيرة, هو لاغيره يجب ان نحقق في حياته المعجزات, وذلك ضد الطبيعة البشرية, التي من طبيعتها الفناء, وضد طبيعة السياسة التي من شروطها الاستمرار الا ان المحصلة هي من صميم طبيعة الثقافة السياسية العربية المستعجلة, والتي يبدو انها لا تؤمن بالتوالي, وايضا من قصر نظر شنيع في فهم التاريخ, خاصة تاريخ الشعوب. ما ضر جورج حبش مثلا لو تنازل عن قيادة المجموعة الصغيرة التي تأتمر بأمره الى اليوم, لجيل جديد, قد يرى مايراه في موضوع الشعب الفلسطيني, وهو بذلك يستطيع ان يحفظ لاسمه ليس البقاء في صفحات التاريخ فقط, ولكن لضرب المثل الذي تتعطش اليه الاجيال العربية الجديدة, وفي النهاية فان جيل الغروب لايضطر ان يطلق التبرير بعد التبرير, او لنقل لتقديم تبرير اقل مأساوية صلبة عدم البقاء على رأي سياسي واحد. وهذا ينطبق على القيادات الاخرى التي مازالت تقود, وبصرف النظر عن الاخطاء الجسام التي ارتكبتها, ومازالت ترتكبها, فهي مطالبة بالتوقف لحظة عن اللهاث خلف السراب, والاقتناع, بما تم, ثم تسليم الراية لجيل جديد. حسن الخاتمة في ثقافتنا هو الذي يدعو فيه كل فرد منا ربه بان يلقاه عندما يغادر الدنيا الفانية وهو في احسن حال, وهو راسخ في تراثنا, يبدو انه لم يمر بفكر هؤلاء السادة, فمفهوم التقاعد او الاعتزال او حتى الاستقالة شيء ينطبق على الآخرين, لذلك فان اهداف آلية العمل السياسي عند هؤلاء تبدأ وتنتهي بالبحث عن تبريرات لتصرفاتهم السياسية والتي لم تعد تقنع احدا, بل ان بعضها بدا مربكا ومضحكا الى حد السفه, فالسيد جورج حبش يقول في تصريح علني اننا جئنا ( للتفاوض ) مع ياسر عرفات من اجل التأكد من عدم اختراق الميثاق الفلسطيني! والسيد نايف حواتمة ينقل عنه في تقديمه لطلب سمة دخول لزيارة الولايات المتحدة انه مع السلام منذ زمن طويل! وانه ذاهب للولايات المتحدة لاقناع سياسييها بالحق الفلسطيني. ترى ماذا تغير خلال الاشهر ولا اقول السنوات الاخيرة لدى هذه القيادات من قناعات كي يخرجوا بهذه المخارج الساذجة في العودة عن آرائهم السابقة ومن النقيض الى النقيض. لاشيء البتة, بل على العكس فان الوضع الحالي في المشهد الفلسطيني هو من اسوأ المشاهد واحتمالاته اقل نسبيا في تحقيق حد ادنى للمواطن الفلسطيني, مما كان في وقت سابق. ما يربك العاقل ويثير الحكيم انه كان ثمة احتمال لنتائج ايجابية نسبية لو تمت هذه الخطوات التصالحية في الجسم الفلسطيني الفلسطيني قبل سنوات من الآن, بل ربما حقنت دماء سالت بسبب هذه الخلافات, وربما غدا الموقف الفلسطيني اكثر تماسكا وصلابة مما كان عليه ايام بيروت او ايام اوسلو, وكان من المتوقع ان يحصل المواطن الفلسطيني على أكثر مما حصل عليه من ارضه وحريته. اعتقد ان ذلك كان ممكنا, ولكن البعض استمرأ ان يبقى في الشتات يناضل بالكلمات محتميا بغطاء سياسي ايديولوجي يدخل الطمأنينة ولا يقدم شيئا على الارض, وسعى الباقون حثيثا مستقوين بدول عظمى لتحقيق ما اعتقدوا انه النصر المبين. مثلي كثيرون من العرب همهم الثقيل هو المواطن الفلسطيني البسيط في مدن فلسطين المحتلة او في المدن والقرى القريبة منها, مدن الضفة والقطاع, والذي يخضع يوميا لافظع اشكال التمييز والمراقبة والاثارة صاغرا دون قدرة على رد الفعل, دون ان يتمكن احد من تقدير حساب ما يعانيه ليس من حرمان مادي, ولكن معنوي ايضا, منشغلين عن ذلك كله بالمزيد من المزايدات! امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب