خلال زيارته القاهرة مؤخرا حرص الرئيس التركي سليمان ديميريل على اعطاء طابع عام لزيارته, خصوصا انها اتت عقب جولة قام بها الى كل من تل ابيب وغزة وعمان , كان مضمون زيارة ديميريل وجولته: تركيا دولة اقليمية تأخذ بعين الاعتبار التطورات الجارية في منطقة الشرق الاوسط في ظل الاجواء السلمية التي (تسبح) فيها المنطقة منذ مجيء ايهود باراك الى سدة الحكم في تل ابيب, فالرئيس ديميريل اكد في محطات جولته على تعميق العلاقات الثنائية مع الدول التي زارها وعلى اهمية التوازن في علاقاتها مع العرب واسرائيل, وتركيا لديها رؤية لمستقبل المنطقة وهي على استعداد لتنفيذ العديد من المشاريع الاقليمية في مجالات: المياه, النقل, المواصلات والامن, في الوقت نفسه حرص ديميريل على نفي تكهنات المراقبين والاعلاميين من نوع: تركيا تخشى من ان يكون للسلام المحتمل بين سوريا واسرائيل اثره السلبي على تركيا ودورها, وان يؤدي هذا السلام الى خيارات عربية جديدة لسياسة اسرائيل تؤثر سلبا على العلاقات التركية ــ الاسرائيلية المميزة والتي وصفت بالتحالف الاستراتيجي منذ توقيعهما على اتفاق عسكري في فبراير عام 1996, كل ذلك في وقت لاتزال فيه العلاقات التركية مع سوريا والعراق يعتريها العديد من المشاكل بخصوص مياه نهري الفرات ودجلة وكذلك مواضيع الامن الحدودي, حيث تقيم تركيا شريطا امنيا داخل الاراضي العراقية, كما ان اجتياحاتها العسكرية لمنطقة شمال العراق مستمرة من وقت لاخر, فضلا عن ان الطائرات الامريكية والبريطانية تقصف العراق دوريا انطلاقا من قاعدة انجرليك التركية. السؤال الذي يطرح نفسه, هل الدور الاقليمي المحوري الذي تتطلع اليه انقرة هو بمعزل عن الاستراتيجية الامريكية ــ الاسرائيلية الرامية الى رسم المستقبل السياسي للمنطقة او ما يعرف باسم (النظام الاقليمي الشرق اوسطي) ؟ قراءة فاحصة للمشروعات التي طرحت والاتفاقات التي وقعت عليها خلال جولة ديميريل الى اسرائيل ومصر تؤكد بأن الطموح التركي الاقليمي ليس بعيدا في سياقة العام وتفاصيله عن الاستراتيجية الامريكية ــ الاسرائيلية التي ترى ان الأمن الاقليمي في الشرق الاوسط يقوم بتنفيذ مشاريع اقتصادية ضخمة على ارض الواقع بين دول المنطقة بما فيها اسرائيل, وان هذا الواقع الاقليمي المنتظر هو الذي يكرس السلام بعيدا عن المشاريع القومية العربية التي حلم بها العرب منذ بداية هذا القرن. هذه الرؤية لمستقبل المنطقة ليست جديدة فقد طرحت بقوة في عهد الحكومة الاسرائيلية الاسبق برئاسة اسحق رابين, وهي في الاساس تشكل جوهر سياسة حزب العمل الاسرائيلي رغم ان باراك تجنب حتى الآن الحديث في هذا المجال بشكل واضح ومباشر. وعودة الى المشاريع التي طرحها الرئيس ديميريل نجد بأن مجمل هذه المشاريع لم تخرج عن الطابع الاقليمي الشرق اوسطي, فخلال زيارته الى تل ابيب قررت تركيا واسرائيل اقامة مشروع لنقل مياه الشرب من تركيا الى اسرائيل في خط انابيب يمر تحت مياه البحر المتوسط, كما ا تفق وزير التنمية الاقليمية الاسرائيلي شمعون بيريز مع نظيرة التركي على المساهمة في اقامة صندوق مشترك في مجال الاستثمارات من اجل انشاء مؤسسات جديدة في المنطقة وسط الحديث عن مشروع خط نقل بري يربط بين استانبول والقدس يمر عبر سوريا والاردن على ان يصل لاحقا الى الاسكندرية والحجاز واليمن. وفي القاهرة تم التوقيع على بروتوكول بقيمة ملياري دولار لنقل الغاز من مصر الى تركيا ولم يتضح بعد اذا ما كان تنفيذه سيكون تحت البحر او عبر سوريا والاردن (لاحظ لم يتم طرح مشاريع مماثلة او مشابه مع الاردن او السلطة الفلسطينية رغم حاجة الفلسطينيين الماسة الى المياه). طرح المشاريع التركية السابقة وغيرها تزامن مع اعلان تركيا للمرة الاولى عزمها على مراجعة خطتها الرئيسية المتعلقة باقامة شبكة ضخمة للسدود ومحطات لتوليد الطاقة في اعالي نهري الفرات ودجلة والذي يعرف باسم مشروع جاب ــ GAP حيث الخلاف مع سوريا والعراق بشأن ذلك, وقد عللت تركيا موقفها هذا بـ (حدوث تطورات عديدة لم تكن في الحسبان او ضمن الافتراضات) ! وحقا لابد للمرء ان يسأل ماهي التطورات التي حدثت ولم تكن في الحسبان بخصوص هذه المشاريع؛ على الرغم من ان الجواب غير واضح الا انه يمكن القول ان تزامن طرح هذه المشاريع مع اعلان انقرة عزمها مراجعة خطتها بشأن مشروع جاب, اضافة الى حديثها المسهب عن سعيها الى اقامة علاقات متوازنة مع العرب واسرائيل ليس من دون دلالة سياسية في هذه المرحلة بالذات, واللافت للنظر ايضا ان الرئيس ديميريل خلال محادثاته مع المسؤولين الاسرائيليين تجنب الحديث (على الاقل علنا) في الجانب العسكري والامني لعلاقات بلاده باسرائيل خلافا للقاءات السابقة بين المسؤولين الاتراك والاسرائيليين خلال عهد نتانياهو, كما ان الخطاب التركي خلال الاسابيع الاخيرة يركز على اظهار الدعائم السلمية و(الفرصة الذهبية) للسلام بدلا من التركيز على النظرة الامنية وسياسة المحاور العسكرية, فما هو سر التحول التركي من سياسة المحاور والاحلاف الى سياسة التوازن والتعاطي الايجابي مع القضايا الاقليمية؟ بالتأكيد تركيا شأنها شأن دول المنطقة الاخرى تلقت رسالة امريكية واضحة, مفادها: حان وقت السلام ــ التغيير في منطقة الشرق الاوسط بعد ان هدأت حرب (عاصفة البلقان) فالولايات المتحدة التي هي بصدد عمل يطال شرقي اسيا ترى انه من الضروري ارساء اسس منجزة لنسق جديد في العلاقات الدولية في الشرق الاوسط, وهي ترى في تركيا نقطة توازن سياسية وعسكرية مهمة حيال المنطقة العربية وايران واسيا الوسطى وحتى حيال السياسات الاوروبية المتوسطية, وتركيا التي تدرك انها محكومة استراتيجيا بالسياسة الامريكية تسعى جاهدة اكثر من اي وقت مضى الى صياغة اولويات سياستها الاقليمية في ضوء هذه الاستراتيجية تطلعا الى دور اكثر فعالية, وعلى هذا الاساس تحرص تركيا على تمتين علاقاتها مع اسرائيل اكثر فاكثر على قاعدة انهما الحليفان الاستراتيجيان للولايات المتحدة في المنطقة, وعليه تقوم تركيا بدور تسويق المشاريع الاقليمية المنسجمة مع خطوات هذه الاستراتيجية في مجالات: المياه, النقل, المواصلات, النفط, الغاز.. الخ, كمسار مواز ومكمل ومتزامن مع ايقاع مسار السلام العربي ــ الاسرائيلي, وينبغي القول ايضا ان اسباب مثل هذا التوجه الاقليمي الشرق اوسطي في سياسة تركيا ليس بمعزل عن علاقاتها المضطربة مع الاتحاد الاوروبي في السنوات الاخيرة لاسباب كثيرة لايسع المجال هنا لذكرها, اضافة الى هذا فان تركيا بدأت تراهن على علاقاتها مع دول المنطقة وخصوصا الجوار منها للحد من مشكلتها الكردية التي تفاقمت في السنوات الاخيرة. وفي الواقع الدور التركي يبدو هاما جدا في الوقت الحالي بالنسبة للولايات المتحدة, وتركيا التي تتطلع الى الربط ما بين اسيا الوسطى والبلقان والشرق الاوسط, تؤسس لدورها في النظام الاقليمي الشرق الاوسطي الذي لايمكن ان يستمر دون البعد الامريكي, وعليه تحرص تركيا على اظهار نفسها كجزء من النظام الدولي واستراتيجياته في منطقتنا, فهي تبلور نفسها كبعد امني في التشكيلات الدولية التي يمكن ان تنشأ في المستقبل.. ومن المؤسف ان كل ذلك يجري في ظل انحسار النظام العربي, والمسألة المهمة هنا ينبغي قراءة الدور التركي في ظل ما يخطط للمنطقة من مستقبل وذلك في ضوء المصلحة القومية وربما بتناقضها مع هذا الدور. صحفي سوري