منذ استقرار النتائج التي أسفرت عنها حرب الخليج الثانية, وبضمن ذلك التحالفات الجديدة التي نشأت في المنطقة, ومعها موازين قواها, ومن بينها ايضا الدخول العربي الجماعي في عملية التسوية السلمية للصراع مع اسرائيل, كان واضحا ان القضية الفلسطينية قد دخلت طورا جديدا في تاريخها . وفي حين وجدت القيادة الفلسطينية (الرسمية) نفسها تدخل الى لجة السلام, مدفوعة بالضغوط الاقليمية والدولية, كانت فصائل الرفض والمعارضة تلتصق أكثر فأكثر بموقف دمشق. بيد انه منذ تلك اللحظة بدأ الانقسام الأشد, وإن لم يكن الأهم, في الساحة الفلسطينية. وبفضل التأييد الساحق الذي حظيت به القيادة الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات, وقرارها الدخول في عملية السلام, من جانب فلسطينيي الاراضي المحتلة, أمكن لاحقا تحدد أين يكمن الثقل الحقيقي للتمثيل الفلسطيني, وتاليا للاتجاه الذي ستسير فيه الأحداث. حتى ذلك الوقت لم يفقد المعارضون الفلسطينيون في دمشق ولبنان وفي غزة, العزيمة ولا الأمل في تغيير دفة الاحداث باتجاه التأثير في خيار السلام وعرقلة المفاوضات مع اسرائيل. لكن بعد توقيع اتفاقات أوسلو (93 و94) وانتقال قيادة منظمة التحرير ومؤسساتها من تونس والجزائر واليمن ودول عربية اخرى الى أريحا وغزة, وتاليا الى الضفة الغربية واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية, بدا ان واقعا جديدا آخذ في التشكل. وهو واقع يباعد بين المعارضة الفلسطينية وبين تحقيق أي من أهدافها, أكثر فأكثر. ثم جاءت انتخابات المجلس التشريعي وانتخابات الرئاسة الفلسطينية بعد ذلك بعام, ليتكرس هذا الواقع على نحو شبه نهائي. ولم تستطع المعارضة التي انتهجت اسلوب التفجيرات والعمليات الانتحارية (خصوصا حركتي حماس والجهاد الاسلامي). والبيانات والمؤتمرات الشجب والاستنكار والتهديد والتخوين في الخارج, لم تستطع ان تقضي على عملية السلام, أو تنسف اتفاقات أوسلو. رغم أنها نجحت أحياناً في إثارة كم هائل من الغبار في وجهها, واحياناً أخرى الجدل والشكوك حولها. غير أنه ومنذ منتصف العام 1996 ثم اضطرادا بعد ذلك بدا واضحا ان أجهزة الاستخبارات الفلسطينية والاسرائيلة (وبتدخل مباشر من الاستخبارات الامريكية) قد تمكنت من شل حركة ونشاط التنظيمات المسلحة التابعة لحماس والجهاد, وصولا الى إضعافها وتهميشها بصورة فعلية. وقد تزامن ذلك ايضا بنكسات أصيب بها النشاط الفلسطيني المسلح في لبنان بفعل الغارات الاسرائىلية والضغوط المحلية والاقليمية والدولية. ويمكن القول إجمالا, انه مع نهاية التسعينات, لم يبق للمعارضة الفلسطينية بصورة عملية, كي تعارض عملية التسوية, سوى النشاط السياسي والاعلامي, وهو نشاط آخذ في التضاؤل والخفوت. ان هذه النتيجة تبدو منطقية ومحصلة طبيعية لمسار الأحداث الذي أعقب حرب الخليج الثانية وانتهاء حقبة الحرب الباردة. ولن نبالغ حين نقول بأن قيادة منظمة التحرير أظهرت استيعابا جيدا, للمعطيات الجديدة التي أسفرت عنها هذه الحقبة, وأهمها بروز القطب الغربي, ممثلا في الولايات المتحدة, كقوة وحيدة مهيمنة على العالم, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الاشتراكية, وانعكاس ذلك على التوازنات الاقليمية في المنطقة, التي جاءت لغير صالح الفلسطينين. هذا في حين لم تستوعب المعارضة الفلسطينية ذلك, بل راحت في رفضها على حركة الشارع الفلسطيني والعربي المنهك من جهة ومن جهة أخرى على المواقف السورية الرافضة لاستمرار المفاوضات مع اسرائىل, قبل التزام هذه الأخيرة الانسحاب من الجولان المحتل. وقد اتضح ان هذه المراهنات ليس فقط أنها لم تكن في محلها, وانما أيضا كانت تفتقر الى الرؤية العميقة والموضوعية. من المفارقات الدالة في هذا المجال ان سوريا نفسها شريك اساسي في عملية السلام, وهي أدركت بصورة مبكرة اتجاهات السياسة الدولية في المرحلة الجديدة ــ مرحلة انتهاء الحرب الباردة ــ وفضلت التكيف والتعاطي بايجابية مع هذه الاتجاهات, ومن ذلك دخولها شريكا سياسيا وعسكريا في التحالف الغربي المناهض للعراق, خلال حرب الخليج. وعلى المنوال نفسه واصلت الجماهير الفلسطينية في الاراضي المحتلة تأييدها (وبغالبية ملحوظة) لعملية السلام, في حين لم يبد الشارع العربي اي معارضة تذكر لهذه العملية. والسؤال هنا اذن, ما الذي كانت تعول عليه الفصائل الفلسطينية الرافضة والمعارضة لعملية السلام واتفاقات اوسلو؟ وهل كان لديها بديل استراتيجي قابل للحياة والتطبيق في الواقع العملي؟ ينبغي ان نقول هنا من باب التوضيح, وقبل الاستطراد, ان من حق هذه الفصائل ان تعارض عملية السلام وان ترفض اتفاقات اوسلو, وتعدد نقائصها ومثالبها, وان تنتقد السلطة الفلسطينية لقبولها بهذه الاتفاقات. ففي النهاية تظل المعارضة والاختلاف امرين صحيين, لانهما يكشفان عن وجود آراء ومواقف اخرى في الجسم الوطني الواحد, وهي آراء ومواقف ينبغي ان تجد المجال للتعبير عنها بكل حرية. والحالة الفلسطينية بالذات تميزت منذ البداية بهذا التعدد والتنوع في الاجتهادات. لكن المعارضة والرفض رغم اهميتهما, لا يكفيان وحدهما لتغيير الواقع, طالما انهما عاجزان بالمقابل عنه تقديم حلول ورؤى عملية وواقعية للمشاكل المطروحة. ليس المقصود من حديثنا اذن توزيع صفات (الحق) و(الباطل) او قسرها على هذا الطرف او ذاك. المقصود هو استجلاء النهايات الطبيعية (في ضوء قراءة الاحداث) للصراع القائم بين فصائل الثورة الفلسطينية منذ ما قبل اوسلو وما بعدها. ونكمل فنقول بأن المعارضة الفلسطينية وابتداء من مطلع التسعينات, ظلت طوال الوقت حبيسة ردود الافعال الناتجة عن الفعل الاساسي المتمثل في التسوية السلمية. وهي لم تستطع ان تبلور اي بديل استراتيجي او مرحلي ذا قيمة لهذه التسوية, بل راحت عوامل قوتها الذاتية (القليلة اصلا) تتآكل واحدة بعد الاخرى, وفي الوقت نفسه ونتيجة لذلك اخذت مواقفها تزداد تطرفا وانسلاخا عن الواقع المحيط. وليس ادل على هذا محاولتها اليائسة تشكيل اطر فلسطينية وطنية موازية لتلك القائمة فعلا مثل المجلس الوطني او منظمة تحرير جديدة وما شابه. وبالطبع ليست هذه المحاولات فاشلة وحسب, وليست عبثية فقط, وانما تثير الشفقة والتندر, لولا كونها تعبيرا عن اليأس والعجز والشعور بالضياع. على أية حال ما يمكن ان نقوله هنا اختصارا: ان المعارضة الفلسطينية بعد سلسلة النكسات التي عاشتها, أصبح مصيرها بالكامل معلقا على حبال الواقع الاقليمي, واستمرار أو تعثر السلام, على المسارات التفاوضية المختلفة. ولما كان هذا الواقع متغيرا, كما هو معروف, ومرتبطا بعوامل وظروف كثيرة, لا تملك المعارضة الفلسطينية أي تأثير عليها وفيها, جاز لنا ان نتوقع المصير الذي ستؤول اليه تلك المعارضة. ويتضح ذلك جليا اليوم, مع سقوط نتانياهو ومجيء باراك للسلطة في اسرائيل, والحركة التي بدأت تدب في أوصال العملية السلمية والتوقعات بقرب استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني. هذه المقاربة للتطورات الجديدة, هي التي دفعت أخيرا الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين و(شخصيات أخرى معارضة) للدخول في حوار مع السلطة الفلسطينية بغية تنظيم عملية استيعابها نهائيا ضمن الحالة الموجودة في أراضي الحكم الذاتي, ومن ثم المشاركة في مفاوضات الوضع النهائي. ويتوقع ان يلتحق المزيد من هؤلاء (أفرادا أو جماعات) مع الوقت بالسلطة الفلسطينية, وبحيث لا يتبقى سوى الفصائل الهامشية, التي لا وزن لها أو تأثير على أية حال, في الساحة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة. هل ما تفعله المعارضة الفلسطينية حاليا يعتبر عيبا؟ بالطبع كلا. فالأفضل ان يصل الانسان متأخرا من أن لا يأتي أبدا. وهي على أية حال كان لابد لها ان تجد الطريقة الملائمة للعودة الى وطنها والمشاركة في تقرير مصيره. وكلما كان ذلك أسرع, كلما كان أفضل.