قرأت قبل أيام خبرا اثار في ذهني العلاقة الوثيقة بين الاعلام والسياسة في الولايات المتحدة. يقول الخبر ان استطلاعا للرأي اظهر ان الرعاية الصحية والتربية والامن الاجتماعي تأتي في قمة سلم القضايا التي تشغل بال الناخبين الامريكيين وهم ينظرون قدما للانتخابات الامريكية عام 2000. لكن اذكر هنا ان الناخبين الامريكيين وقبل عشرة اشهر من الآن, أي في خضم الفضيحة الرئاسية التي طالت الرئيس كلينتون مع مونيكا لوينسكي قالوا ان الاخلاقيات والقيم الاخلاقية هي اهتماماتهم الرئيسية. وبعد ذلك بأشهر قليلة ومع اندلاع الحرب الأطلسية ضد صربيا بقيادة الولايات المتحدة, أصر الناخبون الأمريكيون, ولأول مرة خلال عقدين من الزمان, على ان السياسة الخارجية تعتبر الهم رقم واحد بالنسبة لهم. ثم وقبل اسابيع قليلة من الآن وفي غمرة الذعر والهلع الذي أطلقته حادثة القتل العشوائي في احدى مدارس ولاية كولورادو, قالت الأمة الأمريكية المفجوعة في استطلاعات الرأي ان قضيتهم الكبرى هي السيطرة على العنف وانتشار الأسلحة في جميع الأوساط الاجتماعية. وبطبيعة الحال, فإن الساسة الامريكيين وعقب كل استطلاع للرأي يستجيبون بكل طواعية لتوجيهات الناخبين. فالجمهوريون توصلوا لقناعة مفادها ان الناخب الامريكي غاضب من سلوك كلينتون فما كان منهم الا ان اعتبروها قضية رابحة من كل بد. ولذلك بدأوا يحركون بنشاط مكثف قضية العزل ضد كلينتون, متجاهلين الانذارات بأن الناخبين وإن كانوا غاضبين من أفعال الرئيس فإنهم لا يريدونه ان يغادر البيت الابيض ولا يريدون ايضا ان يطيلوا من مشاهد وفصول هذه الفضيحة الوطنية. لكن الجمهوريين ذهبوا في هذا الشوط آخره ليخسروا المعركة في النهاية. بدورها أفرزت قضية كوسوفو, شأن الحرب في البوسنة قبلها, انقساما مكثفا في الرأي بين الساسة الأمريكيين. وفي احدى مراحل هذا الانقسام, خرج الجمهوريون, ونصب أعينهم استطلاعات الرأي, بفكرة مفادها ان السياسة الخارجية ستكون فعلا قضية رئيسية لانتخابات 2000. ولهذا بدأ المرشحون الجمهوريون للرئاسة ينتقدون بجرأة وقوة طريقة ادارة الرئيس كلينتون للصراع في كوسوفو ويتعهدون بوضع خطة عمل جمهورية قوية للسياسة الخارجية امام الناخب الأمريكي عام 2000. وبعد حادثة كولورادو أسرع الديمقراطيون بجعل التحكم بامتلاك الاسلحة قضية يمكن ان تميز حزبهم عن الحزب الجمهوري. ومن جانبهم احس الجمهوريون بالغضبة الشعبية من مشكلة العنف, فردوا بعزو مشكلة العنف ليس للسلاح بل لفقدان القيم والتفكك الأسري. في كل مثال ذكرته, بذلت القيادة السياسية لكلا الحزبين جهودا كبيرة لمحاولة معالجة هذه القضايا ووضع الحلول التشريعية والسياسية لها. لكن هذه الجهود كانت تتراجع وتنسى عندما تضيع القضية ــ موضع الجدل ــ في ظلال الكارثة التي تليها. وفي كل مثال ايضا, كان التركيز الاعلامي الهائل هو الذي يحول القضية لهاجس يشغل بال الأمة ويحولها للهم والاهتمام الاول لها. وبالتالي كان السياسيون هم من يقومون برد الفعل على السياسات التي يقودها الاعلام. وتتبادر لذهني في هذا المقام حادثة شهدتها الساحة السياسية الامريكية قبل عامين ونصف تقريبا, وذلك عندما احتد غضب الشعب الامريكي من التجاوزات المالية التي شابت السباق الانتخابي الرئاسي عام 1996. وحينها بدأ الجمهوريون بعقد جلسات الاستماع, بينما رد الديمقراطيون باقتراح خطط لتنفيذ اصلاحات مالية انتخابية. وبمعنى اخر فكلا الحزبين كان يستجيب لرأي عام يقول بأن تمويل الحملات الانتخابية كان القضية الأولى التي يجب معالجتها. ويبدو من المؤكد لي الآن انه في الوقت الذي تقترب به الانتخابات الامريكية عام 2000 ستكون السياسات الامريكية محكومة بمجموعة مختلفة تماما من الضوابط المالية. على كل حال, فإن الأهمية التي اتخذتها قضية التجاوزات المالية التي أشرت اليها تراجعت شيئا فشيئا لتتراجع بذلك الجهود المبذولة لمعالجتها. السبب في ذلك مرة اخرى كان الاعلام, الذي رفع القضية الى مستوى الأهمية القصوى, قبل ان يتجاهلها الآن بالكامل. ولم تنجح الأرقام القياسية من الأموال والتبرعات التي تمكن متصدري السباق الانتخابي الحالي من اعادة قضية التمويل لمركز الاهتمام الشعبي. ويرجع ذلك الى ان المرشحين اللذين يحاولان الآن اثارتها وهما الجمهوري جون ماكاين والديمقراطي بيل برادلي يجدان من الصعب عليهما جذب انتباه العامة للجهود التي يبذلانها في محاولة التغيير. ولست أريد القول هنا ان هذه القضايا ليست مهمة, بل على العكس. فالاصلاح المالي والسيطرة على السلاح والعنف والسياسة الخارجية الامريكية والقيم والأخلاقيات ضمن الحكومة كلها قضايا حساسة يجب ان تكون جزءا من الخطاب السياسي القومي. لكن المشكلة هي ان هذه القضايا لا تتم مناقشتها الا في سياق كارثة ما, عندما تجذب وسائل الاعلام الانظار اليها. حتى اصبح لدينا في الولايات المتحدة قالبا جاهزا للسلوك السياسي: التغطية الاعلامية المطولة عن كارثة ما, لتبدأ استطلاعات الرأي تركز الانتباه حول قضية معينة. وكردة فعل يبدأ السياسيون بقضاء ساعات لا حصر لها وهم يقترحون التشريعات والحلول السياسية, ليتبلور التحزب والانقسام. وحالما ينحسر هول الكارثة, يذوي الاهتمام الاعلامي بها, ليخف الاهتمام الشعبي بدوره ثم تتراجع المصالح السياسية وراء معالجة القضية, وبالتالي تصبح الساحة السياسية ممهدة للكارثة التالية وقضيتها التوأم. هذه الآلية السياسية حديثة العهد نوعا ما, وأتت نتيجة لتغير جوهري في أساليب صنع السياسات الامريكية الحالية. سابقا كانت القضايا تتخذ فترة اكبر من الزمن, ذلك لأن الاعلام كان يغطي سياسات الساسة, وعندما كان الساسة بدورهم هم من يقودون الجدال حول القضايا الوطنية. هناك عدة عوامل ساهمت في اعطاء الاعلام هذا الدور السياسي المتنامي. اولا توسع اعداد قنوات البث على مدار الاربعة وعشرين ساعة. حيث توجد الان ست محطات منها, ومع انها تقدم بعض الاخبار, لكنها تعرض ايضا ساعات لا حصر لها من التقارير الاخبارية والمعلقين السياسيين في جدال مباشر, بل ان بعضهم يلعب دور المستضيف للآخر. والعامل الثاني في هذا الشأن هو الضغط الذي تمثله الحاجة لملء مساحة من البث تستمر 24 ساعة. وهنا وجدت المحطات التلفزيونية الحل بتحويل الاحداث الى قضايا وطنية تستحق ساعات لا تنتهي من الجدال بين الساسة الذين يناقشون ادق التفاصيل ذات العلاقة بها, ثم تحولت عبارة (اخبار ساخنة) لتعبر عن معلومات بسيطة لا اكثر. وهذا بالضبط ما ساهم في صناعة محاكمة اوجي سيمبسون وملحمة مونيكا لوينسكي ومقتل جون كنيدي الابن, هذا اذا اردنا ان نسمي البعض فقط. والنقطة الاخيرة التي اريد اثارتها بهذا الصدد هي ان المحررين والمعلقين الذين يقودون هذه العملية الاعلامية هم في كثير من الاحوال ليسوا بمحررين بل سياسيين سابقين او انهم ساسة المستقبل. واذكر في هذا السياق الفكرة السابقة في السياسة الامريكية وهي (الباب الدوار) حيث يدخل المسؤولون الحكوميون الساحة السياسية من باب التجارة والاعمال ليخرجوا منها فيما بعد من نفس الباب اي نحو التجارة والاعمال لكن بارباح اكبر. اما اليوم فالفكرة مازالت قائمة لكنها قابلة للتطبيق على التفاعل بين السياسة والاعلام. فقد اصبح المسؤولون الحكوميون السابقون يتحولون الى محرري اخبار محترفين, وبدأ المحافظون والليبراليون على السواء يغزون شاشات التلفزيون مقبلين من المناصب الحكومية لا ليتحدثوا عما يقوم به السياسيون بخصوص القضية التي يعالجونها, بل اكتسب هؤلاء الحق لتشكيل الخطاب السياسي بالشكل الذي يريدونه واجبار الساسة على الاستجابة لرؤاهم. وهذه الطبقة السياسية الجديدة من الاعلاميين اصبحت تتمتع بقوة هائلة. فهم لا يحررون الاخبار, بل يفسرونها وحتى يصيغوها, واصبحت قوتهم تصل الحد الذي يمكنهم من خلق الحقائق التي يريدونها والتي يجب على السياسيين قبولها. من الواضح ان هذه الطبقة السياسية ستستمر بلعب دور مهم عام 2000 فهم سيحددون القضايا ويحددون المرشحين, وليتمكن المرشح من تحقيق الاختراق المطلوب, عليه اولا ان يمسك بناصية هذا الاعلام بالشكل الذي اظهره الرئيس كلينتون.