من المؤسف ان الارتهان مازال قائما عند السلطة الفلسطينية للعامل الاسرائيلي والامريكي, خاصة مع قدوم ايهود باراك, حيث اعتقدت مفاصل السلطة بأن الامور ستسير قدما الى الامام في التسوية الراهنة , بالرغم من ان باراك افصح عن برنامجه منذ اللحظة الاولى لفوزه, وجدد موقفه القائم على اللاءات المتعددة وعلى رأسها قضية القدس والاستيطان وضم اجزاء واسعة من اراضي الضفة وغزة, وهذا مصدر دعوته لدمج اتفاق الواي بالحل النهائي او تعديل الواي لسلخ 7.2% من 11.2% وعدم نقلها من (ب) الى المربع (أ) حتى تبقى في خارطة الاحتلال العسكري لمنع التواصل بين رام الله واريحا وتطويق الضفة بمحطات الانذار المبكر (قمة جبل تل عصور 1016 م فوق سطح البحر) لتبقى به الى الابد بجانب مستوطنتي بيت ايل وعوفرا, ودمج مرحلة اعادة الانتشار التالية كليا بمفاوضات (الحل الدائم) , ورفض عودة اللاجئين وفق قرار الأمم المتحدة 194. اضافة الى ذلك فإن باراك انتقل وزاد على صقريته نهج براجماتي مناور على الطرف الفلسطيني ومختلف الاطراف العربية من خلال اللعب على المسارات التفاوضية والعودة لتكتيك حزب العمل في اشغال مسارات والضغط على مسارات اخرى. لذلك نقول بأن الاداء الفلسطيني مازال متواضعا والارتهان مازال قائما, بدلا من العودة الى تفعيل وتثمير عناصر القوة في الوضع الفلسطيني ممثلة باعادة صياغة كل العملية التفاوضية بأسسها السياسية وآلياتها ومرجعيتها, وشرطها اعادة بناء الوحدة الوطنية وائتلاف منظمة التحرير على اساس برنامج قواسم مشتركة يتقرر بالحوار الوطني الشامل والتوقف عن حصر الحوار تحت سقف عوامل تكتيكية مؤقتة. وهذا ما نسعى اليه منذ مايو 98 والآن في الحوار بين الديمقراطية والسلطة وفتح في رام الله تحضيرا لحوار القاهرة بين القيادتين برئاسة كل من عرفات وحواتمة, وما يفتحه ذلك من امكانية خلق اجواء جديدة يتم من خلالها اعادة النظر بالتسوية القائمة والتوجه من جديد لاعادة صياغتها على اساس فعلي يستند قولا وعملا للقرارات والمرجعية الدولية, وتحت ادارة مرجعية ائتلافية وطنية فلسطينية. واعتقد بأن التفاؤل الذي يسود المنطقة لوجود باراك في السلطة, غير مبرر ويعوم في الهواء فعودة حزب العمل بزعامة باراك الصقرية وائتلافه الواسع الى رئاسة الوزارة في الدولة العبرية خطوة في سياق حالة الحراك السياسي الدائر داخل اسرائيل منذ فترة ليست بالقصيرة. هذه العودة الجديدة بالاكثرية الواسعة لحزب العمل وقوى الوسط ويسار الوسط, تتم لاول مرة منذ عام 1977 عندما صعد الليكود بقيادة مناحيم بيجن وهزم حزب العمل لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية . وإن كان حزب العمل قد فاز في انتخابات 1992 إلا ان فوزه كان محدودا ولم يستطع أن يشكل ائتلافه دون الاعتماد على الكتلة العربية. الآن الوضع مغاير نسبيا مع انتخابات 1999 , فباراك يتمتع بقدرة هائلة على المناورة , واستطاع بسهولة نسبية أن يحقق ائتلافاً كبيراً من حيث الكتل الحزبية المشاركة معه . فضلا عن تبنيه برنامجاً صقرياً يقوم على مجموعة من اللاءات تجاه الحل على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي , وبالمحصلة نجد بأن باراك له سياسة توسعية صارخة بالقدس والضفة وإدارة الظهر لعودة اللاجئين , وبدأ بروز هذا في لقائه وعرفات مطالبا بتعديلات على اتفاق الواي وخاصة السيطرة الاسرائيلية على الجبال المطلة على رام الله جوار مستوطني بيت إيل وعوفرا حيث معسكرات ومحطات انذار مبكر, ودمج النبضة الثالثة لإعادة الانتشار بالمفاوضات النهائية , فضلا عن دمج الممرين الآمنين بين غزة والضفة بالتسوية النهائية. وبكل الحالات , فوز باراك وتشكيله المريح لحكومته الائتلافية سيدفع بالضرورة بالعملية السلمية الراهنة خطوات محدودة جدا الى الامام على الجبهة الفلسطينية , وتسريع التسوية الشاملة على الجبهتين السورية واللبنانية مع محاولة العودة الى تكتيك حزب العمل القائم على الاستمرار بالعملية التفاوضية ونقلها من مسار الى آخر في اطار ممارسة الضغوط على مختلف الاطراف العربية والإيغال بتفكيك العملية التفاوضية بدلا من السير على جميع المسارات والضغوط لنقلها كلها الى الشرق الاوسط , وبالتوازي فتح بوابات العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع عواصم عربية. هنا نتوقع أن تندفع المسألة التفاوضية مع سوريا ولبنان بخطوات تستكمل ما تم التوصل إليه زمن رابين , مع مشاغلة تتم على المسار الفلسطيني . وبكل الحالات لن يقدم باراك لسوريا أو حتى لبنان الاستحقاقات المترتبة على سلام الشرعية الدولية وتحديدا فيما يخص مسألة الأرض ومبدأ الانسحاب الكامل الى خط 4 يونيو 1967 , فباراك يريد ضم الجولان النافع بشريط يشمل مصادر المياه (انهار بانياس والدان) وشاطئ طبريا حتى منطقة الحمة وهذا ما يطلق عليه الحدود الدولية (مارس 1923) بين فلسطين الانتدابية وسوريا الاندابية قبل (25) عاما عن اقامة الدولة العبرية وبدعوى الحكومات الاسرائيلية في مفاوضاتها مع مصر والسلطة الفلسطينية والاردن وسوريا , بأنها الوريث الوحيد لفلسطين الانتدابية, بينما بين سوريا والدولة العبرية منذ قيامها حتى الآن ثلاثة حدود : حدود القرار الدولي 181 , وحدود الهدنة 48 وحدود حزيران 1967. فالقضايا المعلقة على المسار السوري / الاسرائيلي شائكة ومعقدة وتمس الارض والمصالح (المياه , الحدود , التطبيع ....) . لذا نقول لمن يعول على باراك : مهلا قليلا لا داعي للهرولة والانزلاق , وقبل أن يراهن احد على أو يفتح شهيته لسلام باراك , علينا جميعا أن نعود لتحصين الذات بإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية , ولملمة أوراق القوة الفلسطينية بدلا من حالة الانقسام والتشرذم في الوضع الفلسطيني وتفكيك المسارات العربية وغياب التضامن العربي, فباراك افصح عن مواقفه وبرنامجه اكثر من مرة, وآخرها عند حاجز ايريز (11/7/1999) أثناء اجتماعاته مع ياسر عرفات, ونحن نعرف ما دار في الاجتماعات المغلقة, فضلاً عن مواقفه المعلنة في واشنطن. إذن على الطرف الفلسطيني ان يفصح عن مواقفه قولاً وعملاً, ويعود للوحدة الوطنية الفلسطينية, كما عاد باراك وافصح عن مواقفه مراراً ووحد ائتلافه بطيف واسع سياسي وحزبي داخل الدولة العبرية, فاعادة بناء الائتلاف الوطني الفلسطيني يقود الى توحيد ونهوض شعبنا في الداخل والشتات, ويترك بصماته على الشارع الاسرائيلي وخارطته السياسية حتى لا يتم شده الى يمين الوسط كما يحاول باراك منذ لحظة فوزه حتى يومنا وتبني العديد من سياسة الليكود ومواقف نتانياهو, ومحاولات باراك لجر الموقف نحو نزعاته الصقرية تجاه القدس والاستيطان واللاجئين والمياه والحدود.. وضم شريط الجولان النافع تحت عنوان حدود 1923 مع سوريا معتبراً ان الدولة العبرية الوريث لفلسطين الانتدابية. كذلك لا بد من توفير الروافع العربية الضرورية واللازمة لمواجهة سلام اللاتوازن المقدم من قبل حكومة باراك ورموزها وصقورها. (راجع كتاب حواتمه: اوسلو والسلام الآخر المتوازن, وكتاب اوري سافير كبير المفاوضين الاسرائيليين على المسارين الفلسطيني والسوري (المسيرة من الألف الى الياء) ). تطوير الحالة العربية يعني بالنسبة لنا, العودة الى تحقيق الحدود الدنيا من العلاقات العربية ــ العربية الايجابية وخلق حالة التضامن العربي, بدلاً من التفكك القائم الذي لا تستفيد منه سوى اسرائيل, ووقف التعويل على الموقف الاسرائيلي والموقف الامريكي المنحاز الى جانب سلام التوسع المقدم اسرائيلياً, بدلاً عن سلام الشرعية الدولية برحيل الاحتلال والمستوطنين الى ما وراء خطوط 4 يونيو ,1967 وضمان تطبيق قرارات الامم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس العربية (وليس ضواحي أبو ديس والعيزرية والعيسوية ــ مشروع بيلين/ محمود عباس) وعودة اللاجئين وفق القرار ,194 ولنتذكر جميعاً اننا الآن بعد كوسوفو وليس فقط في زمن (صقرية) باراك, ففي نظر العالم لا مبرر سياسياً او اخلاقياً لواشنطن التي شنت حرباً شاملة على يوغسلافيا لتأمين عودة اللاجئين الألبان (800 الف) لديارهم في كوسوفو, وبالمقابل ادارة الظهر لاربعة ملايين فلسطيني في الشتات, وعذابات واوجاع ودموع 50 عاماً منذ النكبة الكبرى وحتى الآن, وشنت دول الاطلسي حربها الشاملة على صربيا تحت شعار وحدة كوسوفو, وبالمقابل تشطير الضفة الى مربعات محاصرة بالاحتلال والمستوطنات وابتلاع القدس, وضم الكتل الاستيطانية عملاً بالموروث الصهيوني التوسعي. ان المعايير المزدوجة ستعود اذا بقي الانقسام الفلسطيني ــ الفلسطيني واستفراد جناح اهل اوسلو بشؤون مصائر الوطن والشعب وهنا تندفع صقرية باراك من (منطلق القوة) كما تدعو سياسته ونحو حلول (حق القوة) وليس حلول (قوة الحق) عملاً بالشرعية الدولية لضمان سلام شامل متوازن يحترم حق شعبنا بتقرير المصير والدولة المستقلة بعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين (4 ملايين بالشتات + 5.1 مليون في الضفة والقطاع يشكلون 62% من مجموع شعبنا) وفق قرار الامم المتحدة 194. يقول باراك في واشنطن (لا مكان للرحمة في الشرق الاوسط) ويدعو لتحريك المفاوضات على كل المسارات من (منطلق القوة) وحشد اغلبية المجتمع الاسرائيلي وراء سياسته المعلنة الائتلافية في الخارطة الحزبية والسياسية. علينا ان نتعلم ونستخلص الدروس, فضلاً عن دروس سنوات اوسلو وسياسة الخطوة خطوة المرتدة عن مرجعية قرارات الشرعية الدولية. الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين