من أكثر القضايا السياسية جدلية وخلافية واشكالية مسألة الحل السلمي للنزاع العربي الاسرائيلي, فهناك مصالح وايديولوجيات وآراء متعددة ومتباينة تعمل في الساحة بين مؤيدة للحل ومعارضة له . وبتعبير آخر, فإن في مجتمعنا العربي اليوم قوى معينة لا تتحقق مصالحها الا بابقاء الأوضاع في الشرق الأوسط على حالها وتجميدها لأمد غير محدود من الزمن, وبالتالي تعطيل الحل السلمي. وهذه القوى أخذت الآن تضعف وتضمحل وتخسر بعض اوراقها, ومن الادلة على ذلك, اللقاء الودي الذي حصل بين بوتفليقة الرئيس الجزائري, وباراك رئيس الوزراء الاسرائيلي, ومباركة الأول للثاني. كما ان الفصائل الفلسطينية التي كانت تناوىء الحل السلمي أصبحت الآن أكثر ليونة واستعدادا للانخراط في المفاوضات والمشاركة في الحل. وفي الجانب المقابل هناك فئات من مصلحتها ان يسير قطار التسوية حثيثا الى الأمام. وقد تدعمت مواقع هذه الفئات بعد وصول تجمع (اسرائيل واحدة) الى سدة الحكم. وبالاضافة الى المصالح, هناك ايديولوجيات ووجهات نظر متشددة تعارض الحل, واخرى معتدلة تباركه. وكل فريق من الفريقين السابقين, المؤيد والمناوىء للسلام, يسوق الحجج ويقدم البراهين ويطرح الأدلة ويعرض الشواهد التي تثبت وجهة نظره وصواب رأيه وسداد اتجاهه. واذا أصيغت الى كل من الفريقين, تشعر ان لديه بالفعل ما يبرر موقفه, فأيهما اذن على حق, طالما ان كلا منهما يملك ما يدعم وجهة نظره؟ لا يمكن الاجابة بصورة حاسمة وقاطعة عن هذا التساؤل, لأن الأمر لا يتعلق بالشروط النهائية للحل, وحسب, وإنما ايضا بما سيتمخض عنه الزمن من تطورات, وما ستكشف عنه سنوات ما بعد الحل, على الصعيد العملي وعلى أرض الواقع الشرق أوسطي. لذلك, فإن من الصعب ان نقرر منذ الآن, ما اذا كان على العرب ان يتحمسوا للحل السياسي ويصفقوا لأبطاله, أم ان يتنكروا له ويعلنوا تبرؤهم منه. ولكن لنا تقديراتنا الشخصية في هذا المجال. فالسلام سوف يؤدي الى انفراج قريب الاجل في الجانبين العربي والاسرائيلي على المستويين الاقتصادي والمعاشي, لأن الجهات الخارجية التي تريد تحقيق الحل, مثل الولايات المتحدة واوروبا, ويهمها ان تقرن السلام بالرفاهية واليسر حتى يشعر العرب والاسرائيليون بأنه قد جلب لهم الخير والبحبوحة, مما يدعم ركائزه ويقوي دعائمه ويجعله أكثر ثباتا, فلا تهتز أوراقه أو تتساقط أمام العواصف التي يحتمل ان تهب عليه في المستقبل. لذلك, فإن من المتوقع ان تقدم الجهات المذكورة مساعدات اقتصادية ومالية ضخمة للمنطقة في عهد السلام. كما انها ستسعى الى تدعيم القوى السياسية المعتدلة التي تستطيع تحقيق الانعاش الاقتصادي والاجتماعي وتحسين مستويات المعيشة. وبالاضافة الى المكاسب الاقتصادية فإن العرب سيستعيدون أراضي شاسعة ذات قيمة زراعية واستراتيجية وسكانية, اما الجانب الاسرائيلي فإنه وإن كان سيربح اقتصاديا, فإنه سيخسر جغرافيا ويفقد مساحات من الاراضي. هذه هي الصورة الموجزة لما سيحدث على المدى القريب في المنطقة. أما على المدى البعيد والأجل الطويل, فإن للصورة وجها آخر, وفصولا غير سارة بالنسبة للعرب. فقد يأتي يوم يشعر فيه هؤلاء ان بامكانهم تحقيق الوحدة العربية. وفي هذه الحالة, سيجدون اسرائيل حجر عثرة أمامهم, لأنها تشكل ثغرة جغرافية لا يمكن التغلب عليها. ومن المعلوم ان الاتصال الجغرافي في الأرض, من أهم عوامل الوحدة. ولعل أحد أهم أسباب فشل الوحدة المصرية السورية التي قامت في عام 1958 عدم وجود امتداد جغرافي على الأرض بين القطرين. ومن جهة ثانية, قد يحس العرب, بعد عدة عقود, انهم أصبحوا على درجة من القوة تمكنهم من القضاء على اسرائيل واستعادة فلسطين بالقوة. وهنا سيجدون انفسهم عاجزين عن تحقيق ذلك بسبب اتفاقيات السلام التي ستمنح اسرائيل اعتراف العرب القانوني بشرعية احتلالها فلسطين. الحل السلمي إذن يتضمن مفارقة وازدواجية. فعلى المدى القريب, يفيد منه العرب اقتصاديا وجغرافيا. أما الاسرائيليون, فيربحون اقتصاديا ولكنهم يخسرون جغرافيا. وعلى المدى البعيد, فإن العرب يخسرون قوميا, بينما يكسب الاسرائيليون الأمن والطمأنينة والشرعية. وما ذكرناه ليس سوى تقديرات نظرية قد يثبت بطلان بعضها, إذا ظهرت في الأفق تطورات وعوامل جديدة لم تكن في الحسبان, وفي هذه الحالة يمكن ان تتبدل بعض ملامح الصورة التي رسمناها بالتنظير. ولكننا نستطيع ان نطلق حكما يمكن الاطمئنان الى صحته على الصعيد العملي بقدر صوابه على المستوى النظري. ويتلخص هذا الحكم بأنه بقدر ما يقدم الاسرائيليون من تنازلات ضخمة لصالح العرب, بوصفهم الطرف المغبون, بقدر ما يتحقق من سلام عادل يحقق مصالح الطرفين, ويؤدي الى انعاش شعوب الشرق الأوسط, بعد معاناة طويلة من الحرب والفقر. أما اذا لم يتم تقديم مثل هذه التنازلات, فإن السلام القادم سيكون عقودا قانونية وصكوكا رسمية ومجرد معاهدات من ورق, بينما ستبقى القلوب والنفوس معكرة والاحقاد قائمة. ان على اسرائيل ان تعي حقيقة التفوق البشري العربي الهائل والقدرات العربية الذاتية الضخمة التي لا يستطيع التفوق التكنولوجي الاسرائيلي والدعم الخارجي المؤقتين ان يصمدا أمامهما. وهذا ما يجعل التنازل الاسرائيلي في الاراضي والدولة الفلسطينية وحق العودة وتقاسم المياه, والترتيبات الأمنية, الطريق الوحيد أمام الاسرائيليين كي يعيشوا بأمان لفترة طويلة من الزمن. أما اذا كانوا ينشدون سلاما أبديا حقيقيا لا تهزه أعاصير الزمن, فليس أمامهم سوى الاندماج مع المجتمع العربي بوصفهم أقلية مثل باقي الاقليات. ولا أعتقد ان هناك من يستطيع اقناعهم بصحة هذا التوجه, في المدى المنظور. كاتب سوري