هناك مبدأ روماني عام يردده هوبس على امتداد مؤلفاته (سلامة الشعب هي القانون الأسمى) . ومن جهة أخرى مشكلة العلاقات بين الدولة والقانون وقاعدة ماكيافلي دائمة, في هذا الشأن : لا تعرف الدولة قانونا غير الاهتمام بحفظ نفسها, ولهذا السبب, يعد ماكيافلي أول من (ابتكر) داعي المصلحة العليا. أما أطروحة ماينيكي: داعي المصلحة العليا والتاريخانية (هو أحد العوامل الرئيسية التي شقت الطريق أمام حركة الأنوار) . وهي الحركة التي أدت إلى الثورة الفرنسية, وفلاسفتها ومفكريها آنذاك في فرنسا, أمثال روسو وفولتير ومونتسكو وديدرو وغيرهم. وإن.إ.ترولتش, أحد أبرز ممثلي النظرية التاريخانية, كان يقول ان الفكر الألماني, اذ تخلى عن فكرة الحق الطبيعي وخلق (الحس التاريخي) , كان قد خطا في اتجاه نسبية كاملة. كان قد أحلّ محل القيم المولّدة للفوضى, فوضى عامة للقيم. كانت التاريخانية تولد العدمية. هكذا تنطرح التاريخانية للنقاش انطلاقا من تاريخها الخاص وتفضي الى وعي مأساوي للنزاع بين الايتوس (Ethos) وهو حقل الروح والغايات الأخلاقية, والكراتوس (Kratos), حقل القوة والتطلع الى السيطرة, لقد كان ماينيكي يعتبر ان القوة هي ما تفضي إليه سياسة السيطرة. ويالها من مفارقة محزنة: ان داعي المصلحة العليا يولّد العنف في الوقت ذاته الذي ينتج في المعرفة. التاريخ عند ماكيافلي, متقوقع داخل رؤية طبعوية: يظل العالم مماثلا لذاته, وكل الأشياء تعيد انتاج نفسها دوريا. لكن ماكيافلي كان أول من جعل الواقع الفظ ينبثق من الحاضر. والحاضر هو الحرب. إنه يقول إن فن الحرب هو المهنة الحقيقية لمن يتولى القيادة (الأمير). ما هي الماكيافلية, اذا لم تكن هذا المذهب بالذات الذي يبرر الوسائل بالغاية, من دون الاهتمام بأية قاعدة أخلاقية؟ إن ماكيافلي, المعاصر لهيجل الذي كان يرى فيه منظّرا تأسيسيا للدولة, أو لجرامشي الذي وجد في كتاب (الأمير) وهو يفكر فيه مليا في السجن, بيانا ثوريا إنما ينتمي لكل القوى المنخرطة في النضال في التاريخ, وهذا الانتماء متعدد الشكل لا يشكل انحرافا أبدا, بل هو أحد وجوه حقيقته.