ترتفع وتيرة الحديث عن توطين الفلسطينيين في البلدان العربية مع تزايد احتمالات استئناف المفاوضات الاسرائيلية - العربية على المسارات السورية -اللبنانية - الفلسطينية حسب الاعلانات الاسرائيلية والترحيب العربي . والسبب في تزايد الحديث عن توطين الفلسطينيين, يكمن في ان استئناف على المسار الاسرائيلي -الفلسطيني سوف يؤدي الى بحث قضايا المرحلة النهائية, والتي بين ابرز نقاطها والاكثر اهمية واختلافا موضوع اللاجئين, والذين ينبغي حله وفقا لوجهة النظر الفلسطينية بالعودة, فيما تصر اسرائيل على بقاء اللاجئين في اماكن اقامتهم وتوطينهم حيث هم. وبطبيعة الحال فإن استئناف المفاوضات على المسار السوري -اللبناني مع اسرائيل سيكون في حيثياته, وفي بعض من تفاصيله حديث عن مستقبل الفلسطينيين المقيمين في الدولتين, خاصة في ضوء التأكيدات اللبنانية المعلنة بمعارضة توطين الفلسطينيين في لبنان, وهو موقف مؤكد لسوريا رغم عدم الاعلان عنه, ولا يبعد الموقف الاردني عن سابقيه كثيرا, ففي الاردن رفض معلن لتوطين الفلسطينيين وهو موقف مشترك لاغلبية سكان الاردن وللقوى السياسية الناشطة هناك. وبصورة عامة فإنه يمكن القول ان الموقف العربي العام يتعارض مع الموقف الاسرائيلي بصدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تقيم اغلبيتهم في الدول العربية الثلاث المحيطة بفلسطين, وتتوزع الى اقليات منهم على دول عربية اخرى وبصورة اساسية هناك اكثر من مليوني نسمة, يشكلون نحو نصف سكان الاردن والى جانبهم نحو مليون نسمة يتوزعون بين سوريا ولبنان, ويشكل الفلسطينيون في لبنان ما بين خمس وسدس سكان البلد وبالاجمال فإن اكثر من نصف الفلسطينيين في العالم والبالغ عددهم نحو سبعة ملايين نسمة يعيشون خارج بلدهم بعد ان طردوا منها بفعل القوة وسياسة الارهاب الصهيونية كما ان بعضا من الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود فلسطين سواء في المناطق المحتلة عام 1948 او في الضفة والقطاع هم بمثابة لاجئين, تم طردهم من مدنهم وقراهم, وبعضهم جرى طرده اكثر من مرة في مجريات الصراع العربي -الاسرائيلي. ويستند رفض توطين الفلسطينين الى ثلاثة اسس, الاول فيها الحق التاريخي للعرب والفلسطينيين خاصة بأرض فلسطين والذي في تفاصيله الحق في الوجود والحياة على ارض عاشوا عليها آلافا متصلة من السنين, وهو حق ليس لاي قوة او دولة او هيئة ان تنزعه من الفلسطينيين, والثاني حق سياسي, يستند الى مبدأ عدم جواز الاقرار بسياسة الامر الواقع الناجمة عن استخدام القوة, وقد اقرته واكدته الشرعية الدولية ومنظماتها, والاساس الثالث في جملة اسس رفض توطين الفلسطينيين فهو جملة من قرارات الشرعية الدولية ولا سيما القرار 194 الذي ينص في جملة امور على حق اللاجئين في العودة الى وطنهم, او التعويض المادي لمن لا يرغب في العودة. غير ان الموقف العربي من رفض التوطين والمطالبة بايجاد حلول لمشكلة المقيمين الفلسطينيين في الدول العربية وفي الشتات, يستند في احد جوانبه الى تفاصيل اخرى من بين تلك التفاصيل العبء الاقتصادي الذي يشكله الفلسطينيون مثلا في الاردن وهو بلد محدود الامكانيات والموارد, يشكل الفلسطينيون فيه نحو نصف السكان او يزيد, ولا يعقل في ظل وضع كهذا, ان يطرد الفلسطينيين من وطنهم, وتستأثر اسرائيل بخبرات وامكانيات بلادهم, وتجعلهم يشكلون عبئا اقتصاديا على الاردن, في وقت تسعى فيه اسرائيل الى استقدام موجات جديدة من المهاجرين اليهود من قارات العالم المختلفة. وثمة جانب آخر في موضوع الرفض العربي لتوطين الفلسطينيين, وهو جانب اجتماعي, يتعلق بطبيعة التركيب الاجتماعي لمجتمع ودولة, ولعل الوضع اللبناني نموذج واضح لهذه الحالة, حيث ان توطين الفلسطينيين وتحويلهم الى اللبنانيين, يمكن ان يخل بالتركيبة السكانية اللبنانية سواء في تفاصيلها الدينية ـ-الطائفية, او في تفاصيلها الاجتماعية ـ- الثقافية, خاصة وان الفلسطينيين في لبنان يشكلون مابين خمس وسدس سكان لبنان, وهي نسبة لا يحتملها لبنان المحدود الموارد والقدرات, وهو بين امور عدة تدفع باتجاه عدم توطين الفلسطينيين في لبنان. ورغم ان توطين الفلسطينيين في سوريا لا تحيطه اعتبارات تمنعه من النواحي الاقتصادية ـ-الاجتماعية والثقافية, فإن موضوع التوطين ليس مطروحا لاعتبارات سياسية, وهي اعتبارات تشترك فيها الاكثرية العربية من الشعوب, والدول من خلال تأكيدها الحقوق الاساسية للفلسطينيين, وبالاستناد الى الرفض التاريخي العربي لعملية التوطين, والتي تكرست منذ نزوح الفلسطينيين عام 1948 والفصول اللاحقة له وبخاصة عام 1967, وكان في ذلك رفض اعطاء الهوية والجنسية للفلسطينيين ـ-عدا ما حدث في الاردن ـ-ورفض مشروعات التوطين التي توالت من وادي الاردن الى شمال سيناء وغيرها. وبالخلاصة يمكن القول, ان الرفض العربي لتوطين الفلسطينيين, انما يستند الى اسس واعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية لابد من تأكيدها والوقوف عندها لدى استئناف المفاوضات الاسرائيلية ـ-العربية وبخاصة الاسرائيلية -الفلسطينية من اجل الوصول إلى حل يضمن حق الفلسطينيين في العودة كما نص القرار الدولي رقم 194 في انسجامه مع الشرعية الدولية.