وقعت الإسكندرية معاهدة فك الارتباط بينها وبين القبح .. هربت من مقلب قمامة كان يحاصرها وفتحت من جديد صدرها على البحر .. خرجت من علبة سردين عفنة كانت مخنوقة فيها ورمت نفسها في المياه كسمكة رشيقة تعرف كيف تسترد عشاقها بعد سنوات .. وسنوات كانت فيها مثل امرأة عانس .. وحيدة .. على المعاش والهامش. منذ عامين وأنا أتابع في ترقب غير مصدق ما يجري في هذه المدينة التي عرفت طفولتي وحضنت شقاوة أيام البراءة وعلمتني لعبة الحرية وصناعة الطائرات الورقية .. هل ما يجري فيها مجرد دهان على السطح يستر القبح ولا يلغيه في لعبة خداع شهيرة تعودنا عليها ؟ .. هل هو فرقعة إعلامية سرعان ما تنتهي بعد خفوت أضواء كاميرات التصوير واصفرار صفحات الإعلان؟ لم أصدق ما يجري في الإسكندرية بسهولة .. فما تعرضت له من قهر وقبح وقسوة وإذلال جعل لون السماء الأزرق يهاجر من فوق رأسها .. وصادر الهواء من رئتيها .. وجعل ملامحها التي أصبحت قبيحة تدق أجراس الفضيحة. لكن .. الحقيقة .. أن ما يجري فيها حقيقة .. وأن الانقلاب الذي نشهده ليس انقلابا على السطح فقط , وإنما هو انقلاب يتغلغل في شرايينها العجوز المتهالكة التي أصيبت بالانسداد والتصلب .. هو انقلاب يمتد من الكورنيش ووسط المدينة وقصر المنتزه والمعمورة وبوابات الدخول إليها من الطريق الصحراوي وباقي الأحياء الشهيرة الموضوعة في الفاترينة إلى الأحياء الخلفية .. الشعبية .. الهامشية .. والعشوائية .. لقد فوجئت مثلا بحي "باكوس" الأكثر قدما والأشد ازدحاما وهو خارج من حمامات الدهان والترميم وقد استرد بريقه .. ونفض التراب عن جسده وثيابه .. وفوجئت أكثر بما جرى في منطقة "الكارنتينا" .. إنها منطقة مؤلمة وشرسة تقع في حي "الورديان" أشبه بمنطقة "الباطنية" في القاهرة قبل تطهيرها .. كانت ملوثة بالجريمة والعنف والمخدرات .. وكان من الصعب على الشرطة الاقتراب منها في كثير من الأحيان .. وكان من المستحيل أن يشكو الناس مما يجري فيها وإلا كان مصيرهم القتل أو الضرب .. وقد انكسرت شوكتها دون عنف .. وتطهرت مما كانت فيه دون تدخل الأمن المركزي .. ونقل سكانها في هدوء .. وبلا مقاومة إلى حي العامرية الجديدة بالقرب من الطريق الصحراوي .. أما السبب فهو وجود مساكن بديلة .. نظيفة لهم .. فلا يكفي أن تطالب الناس بأن يكفوا عن الخروج على القانون وإنما عليك قبل ذلك أن توفر لهم ظروف احترام القانون .. لا يكفي أن تضرب وتبطش وتزيل وتترك الناس في العراء .. لابد قبل ذلك من توفير البديل الأفضل .. وهذا درس من دروس تجربة التجميل والتغيير في الإسكندرية. ولا جدال أن ما جرى في الإسكندرية يرتبط بصورة مباشرة بتغيير المسؤول عنها .. ذهب محافظ .. و جاء محافظ .. فحدثت المعجزة .. وهو ما يعني دورا كبيرا ومؤثرا لطبيعة الشخص الذي يجلس على كرسي المسؤولية .. مهما صغر هذا الكرسي .. فكل السلطات والصلاحيات والتصورات والقرارات في يده .. حتى أننا لا نتصور أن الدنيا لا تدور والبحر لا يثور والمرور لا يسير إلا بالإشارة منه .. لا نتصور أن الفصول الأربعة يمكن أن توجد إذا أنكرها .. والأشجار يمكن أن تثمر إذا رفض الاعتراف بذلك .. ومن ثم يبدو اختيار المسؤولين بالنسبة لناس نوعا من ورقة اليانصيب .. أو قبعة الساحر التي لا نعرف ما بها .. إما نربح الجائزة الكبرى أو نجد أنفسنا في صفوف الخاسرين .. إما يحول التراب إلى ذهب أو يحول الإسكندرية إلى خرابة كما فعل محافظها السابق. أما المحافظ الحالي محمد عبد السلام محجوب فقد حول الخرابة إلى جنة .. وأعاد إلى المدينة التي نقلت الحضارة المصرية إلى الدنيا كلها كيانها المفقود .. وسمعتها الضائعة .. وهو ليس بمفرده .. فقد وقف إلى جواره كل الناس في الإسكندرية .. لقد تقدم إليهم خطوة فسارعوا إليه بعشر خطوات .. مد لهم يده ففتحوا له أحضانهم .. وهو ما ينفي تهمة السلبية عن المصريين .. لكنهم لن يتحركوا إلا إذا وجدوا عملا جادا .. حقيقيا .. يعود عليهم بالخير والمنفعة .. وقد أسعدني أن رجال الأعمال في الإسكندرية عبروا عن ذلك في ندوة عن المشاركة الشعبية كنت على منصتها .. كانوا فخورين أنهم بما فعلوا قد ساهموا في تحسين صورة "البيزنيس مان" الذي يخطف ويجري .. يقترض ويهرب .. وهي الصورة الشائعة التي نجدها كل يوم في الصحافة والنيابة. ولا يكفي أن يقرر المسؤول أن ينجح حتى ينجح .. لابد من مقومات موضوعية للنجاح .. أتصور أنها تتوافر فيما حدث في الإسكندرية .. منها القاعدة الشهيرة التي تطالب بمنح الفرصة لأهل الخبرة .. ولو تحت قيادة أهل الثقة .. قاعدة "إعطاء العيش لخبازه" .. فليس صحيحا أن الله منح شخصا واحدا كل الخبرة .. بحيث يفهم كل شيء .. وموهبة المسؤولية هي موهبة إدارة المواهب المختلفة .. لا منافستها والقيام بعملها. وما فهمته أن المحجوب استعان بأهل الخبرة وترك لهم حرية التصرف .. وكانت مهمته الأساسية تدبير المال وتوفير الحماية .. فقد ترك مسؤولية توسعة الكورنيش لمكتب هندسي متخصص .. ووجد مهندسا حاصل على الدكتوراه في ترميم وتجميل ميدان "المنشية" فترك له حرية تنفيذ ما درسه .. واختار متخصصا في أعمدة الإنارة ليختار الموديل المناسب .. ترك في كل صغيرة وكبيرة "العيش لخبازه" فلم يأكل نصفه بل أضاف إليه الخميرة المناسبة .. لم يقل أنه المهندس الأول .. ولا المفكر الأوحد .. ولا العبقري الذي يفهم كل في شيء .. ففاز بكل شيء. وقد فهم أن من المستحيل أن يطلب من الناس شيئا إلا إذا أحسوا أنه سيعود عليهم بالنفع والخير .. فلا شيء ينجح دون أن يبدأ بالناس وينتهي إلى الناس .. لذلك فكل قرش دفعه رجال الأعمال وجدوه أمامهم وحولهم .. لمسوه بأيديهم .. واستمتعوا به .. ثم والأهم أنهم وجدوا أسماءهم على ما فعلوا .. فالتقدير المعنوي هو ما يحتاجه من تجاوز بأمواله كافة مظاهر الإشباع المادي .. الروح في حاجة إلى رعاية مثل الجسد تماما. أما البسطاء من الناس فقد وجدوا فرص عمل خففت كما قال لي مدير أمن الإسكندرية السابق الذي شهد التجربة من أولها اللواء يسري أمين من معدلات جرائم الأفراد وإفلاس الشركات .. وليس تراجع معدل البطالة هو فقط الذي يخفف من معدل الجريمة .. هناك بصور ة مباشرة الإحساس بالجمال الذي يشعر به الناس على الكورنيش في ليالي الصيف الحارة .. حيث لا تزيد أمنية المواطن المتواضع الحال على الحصول على مقعد أمام البحر وهو يدخن "الشيشة" أو يأكل قطعة "آيس كريم". ولأن الجمال معدي .. فقد راح أصحاب المقاهي والمطاعم والفنادق المنتشرة في وسط المدينة وعلى الكورنيش يعيدون الروعة الجميلة إليها .. حتى تشابكت في عقد الأضواء رسم لوحة مرسومة بالألوان المائية الناعمة الرومانسية .. فيها البحر .. والسهر .. والليل .. والشجر .. والإنسان الذي يحلم بابتسامة صيف عابرة. لقد أسعدني أن أرى الناس يتحركون دون زحام دون توتر أو غضب على الكورنيش حتى الفجر .. وأسعدني أن أراهم يتعاملون مع بعضهم البعض برفق ورحمة .. أسعدني أن أجد مصريين سعداء لا يضجون بالشكوى .. ولا يميلون إلى المشاجرة .. وهذا في إيماني هو أهم ما يجري في الإسكندرية .. أن ينعكس جمال الحجارة على جمال الناس .. وأن تنعكس الخضرة والنظافة على نفوسهم وتصرفاتهم أنه الوسام الحقيقي في هذه التجربة التي غيرت اسم المحافظ محجوب إلى المحبوب. والمثير للدهشة أن ما جرى في الإسكندرية احتاج إلى قرارات إدارية صارمة .. من إزالة إلى هدم .. فلماذا تقبله الناس دو ن غضب أو مقاومة؟ .. إن القاعدة التي عرفها المصريون منذ قديم الزمان هي أن القرارات التي تصدرها وتنفذها السلطة تجري بلا مشاركة وبلا تفسير ودون بديل للمضارين منها .. وهو ما جعلهم في حالة توجس وخوف وتحفز من كل ما يأتي من فوق .. لكن تجربة الإسكندرية هذه المرة كانت مختلفة. والذي حدث هو أن لا شخص أضير من قرار للمصلحة العامة لم يجد تعويضا وبديلا أفضل مما كان فيه .. فقبل إزالة منطقة عشوائية كان سكانها يجدون مكانا أفضل للسكن والحياة .. وقبل إزالة إشغالات الطرق وجد أصحابها مكانا آخر يكسبون فيه رزقهم .. ليست القرارات ا لإدارية وسيلة لتشريد الناس وضياع أرزاقهم بلا بديل مهما كان الهدف نبيلا .. ومهما كانت المصلحة العامة ضاغطة .. أن القرارات الإدارية في هذه الحالة وهي للأسف حالة تاريخية شائعة ومزمنة تصبح مثل حفلات الزار التي يتطاير فيها ريش الدجاج .. وتلمع فيها عيون الذئ اب .. وتسفك فيها كرامة الفقراء .. دون أن يكون لهم حق البكاء والاعتراض. لقد كان هناك مكانا بديلا لكل من تضرر .. فلم تكن الإدارة في حاجة إلى الشرطة لتنفيذ قراراتها .. ولم تقع حادثة عنف واحدة على ما فهمت .. وشعر الناس لأول مرة أن القوة تنازلت عن جنون العظمة . . وأنها لم تعد مقتنعة بأن الشمس لا تطلع من حنجرتها وإنما من عيون الناس. ولعل أجمل ما في تجربة الإسكندرية أنها لعبت على مشاعر الأثرياء القديمة تجاه الأحياء الفقيرة التي خرجوا منها .. لقد فتح الله عليهم . وانطلقوا إلى عالم آخر .. لكن .. كان عليهم أن يستردوا الحنين إلى أيامهم التي كانت .. فراحوا يرممون البيوت والمساجد والكنائس التي تربوا وعاشوا وصلوا فيها .. أن الترميم والتجميل والتجديد الذي تشهده الإسكندرية أمتد من الكورنيش إلى البشر .. ومن البيوت إلى الناس .. ومن الأرصفة إلى القلوب. لكن ما يثير الدهشة والاست غراب .. أن الناس في الإسكندرية .. وربما في غيرها أيضا تخاف أن يعاقب محمد عبد السلام المحجوب لأنه تجرأ وأرتكب الجريمة التي لا تغتفر .. جريمة النجاح والتميز .. جريمة الإخلاص وحب الناس له .. وهو خوف لا اعرف مصدره .. ولا أعرف مدى واقعيته ومبرراته .. وإن كنت أ ح اول أن أنفيه ولا أصدقه .. فلو صدقنا هذه القاعدة الشاذة .. مهما كانت الأدلة على وجودها .. نكون في موقف لا نحسد عليه .. موقف لا يتمناه لنا عدو ولا صديق .. فلا يمكن أن نطارد كل من يعمل ويؤدي دوره وينجح بأن نشعره بأنه سيعاقب بترك مكانه .. أو نطارده بأسئلة تبد ومريبة من عينة: ماذا يريد من وراء عمله؟ .. ما الذي يسعى إليه بالضبط؟ .. وهي أسئلة قد تحفز مع توابل وبهارات الشائعات النميمة على التخلص منه حتى لا يفكر في المزيد من الطموح .. وكأن الطموح عار ورذيلة. وقد قال لي المحافظ في لقاء عابر جرى في مكتبه مؤخرا: أنه لا يريد من وراء عمله سوى مكانا صغيرا عند الله .. لا تزيد مساحته عن متر في متر .. ومع أن ثواب الآخرة لا ينفي مكافأة الدنيا .. فإن المسؤول الذي ينال حب وإعجاب الناس بما يفعل عليه على ما يبدو أن يقسم طوال الوقت أنه لا يريد من وراء عمله سوى وجه الله. إن من يؤدي عمله وينجح هو في الحقيقة سفير للأشياء الجميلة فلا تغطوه بالقبح الذي خلصنا منه .. هو يحاول أن يزرع شجرة في صحراء العطش .. فلا تغطوه بالرمل .. ولا تتركوه للملح يأكله. في إسبرطة القديمة وعلى رأي الساخر الكبير أحمد رجب سألوا مسؤولا فلت من الإهمال والنفاق: كم عمرك؟ .. قال: 100 مشروع أفادت الناس .. فردوا عليه: يا الله .. كم أنت طاعن في السن .. فكان أن قال: تقصدون .. كم أنا طاعن في الإنجاز.