يذكر الجامعيون والمفكرون ما احدثته في مجال السياسة وفضاء الثقافة قنبلة نهاية التاريخ من تداعيات وردود وملاحظات في كافة انحاء الدنيا ووصلت اصداء نظرية موت التاريخ الى العالم الثالث والعالم العربي فتم التحاور والتداول في معانيها وابعادها وتذكرون ربما انه في العام 1989 اي منذ عشر سنوات بالضبط, نشر المفكر والاستاذ الجامعي الامريكي من اصل ياباني فرنسيس فوكوياما دراسته الشهيرة بعنوان: موت التاريخ في المجلة الامريكية. THE NATIONAL INTEREST عدد فصل الصيف 1989, وفوكوياما هو استاذ العلوم السياسية العامة بجامعة (جورج ماسن صدر له كتاب عام 1994 يقدم تلك النظرية بعنوان: نهاية التاريخ والانسان الاخير, كما صدر له عام 1998 كتاب بعنوان: الطبيعة الانسانية واعادة بناء النظام الاجتماعي (دار نشر/ فري سيرس الامريكية). واليوم يطلع علينا عدد فصل الصيف 1999 بدراسة اخرى, تعتبر مثيرة ومواصلة لخط التحدي الذي التزمه فرنسيس فوكوياما, وفي نفس مجلة THE NATIONAL INTEREST بعنوان: مرحلة ما بعد الانسانية قادمة غدا! وفي هذه الدراسة يقوم فوكوياما بنقد ذاتي لجملة من آرائه المطروحة في نهاية التاريخ , وخاصة فيما يتعلق بآماله لحقيقة الثورة البيولوجية وما يمكن ان تحور به النظام العالمي وكذلك اغفاله لقضية الهوية والقومية التي يمكن ان تعدل بعمق ذلك البناء النظري الذي اقامه حول فكرة حتمية انتصار الليبرالية والديمقراطية من المنظور الغربي ــ وبخاصة الامريكي ــ كنهاية للصراعات الايديولوجية التي شهدتها القرون الاخيرة بين الماركسية والمبادرة الحرة وبين الاقتصاد الموجه واقتصاد السوق وبين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي وبين الديمقراطية والدكتاتورية تلك التي انتهت حسب فوكوياما بهزيمة ساطعة ونكراء للايديولوجية الماركسية والدكتاتورية لحساب انتصار العالم الحر والمناهج الديمقراطية في السياسة والاقتصاد وهو ما عبر عنه فوكوياما بموت التاريخ او بعبارة اصح نهاية التاريخ فقد صرح المفكر الامريكي انه يعتمد في تعريف التاريخ على قاعدة فلسفية وقاعدة اقتصادية. اما الفلسفية فهي تفسير الفيلسوف ميجل للتاريخ بأنه حلقات تطبيق افكار الانسان ورغباته وتحدياته, واما الاقتصادية فهي تفسير اب الشيوعية كارل ماركس للتاريخ من حيث هو سعي دائم وصراح مستمر من اجل ملكية ادوات الانتاج في سبيل اسعاد الانسان.. ويرى فوكوياما ان هذا التاريخ بهذين المعنيين هو الذي اشرف على نهايته. في هذه الدراسة الجديدة يطرح فوكوياما نظرية منبثقة عن نطريته الاولى لكنه يتراجع في كثير من قواعدها الفكرية فهو يعوض نظرية نهاية التاريخ بنظرية دخول العالم مرحلة ما بعد الانسانية Post Humavity معتمدا على ان التكنولوجيات البيولوجية هي بصدد تغيير الطبيعة الانسانية وتصحبها ثورات الاتصالات الكبرى مما سيأذن بميلاد انسانية جديدة اي تاريخ جديد بينه وبين التاريخ الماضي صلات وانقطاعات. وبالطبع هبت صفوة المفكرين في الغرب لمناقشة ونقد وفي بعض الاحيان رفض نظرية, فوكوياما الجديدة ومن هذه الصفوة المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي, الن توران والمؤرخ الامريكي ايمانوال والرشتاين وكذلك الاستاذ المعروف في علم الحضارات جوزف س ناي عميد كلية كنيدي للعلوم السياسية. وفي هذه الدراسة يذكرنا فوكوياما بأن كتب نظريته الاولى حول نهاية التاريخ منذ عشر سنوات حينما كان باحثا في معهد راند RAND Corpration وهو معهد لدراسات استشراف المستقبل منبثق عن وزارة الدفاع الامريكية وكان فوكوياما وقتئذ متخصصا في البحوث المتعلقة بالاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي, وقد قرأ في احدى خطب الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل جورباتشوف رأي هذا الاخير حول المنافسة الحضارية بين الغرب والشرق وبين الرأسمالية والشيوعية وانتهى فوكوياما الى فكرة ان هذه المنافسة الحضارية كانت بالفعل محرك المعسكر الشيوعي واساس وجوده وان تلك المنافسة منيت بهزيمة مرة وقاسية مما جعل اقتصاد السوق والديمقراطية ينتصران بالضربة القاضية على خصميهما القديمين اي الاقتصاد الموجة والاستبداد وبذلك توصل فوكوياما الى ان تاريخ المنافسة بالمعنى الهيجيلي (هيجل) والماركسي (ماركس) قد ولى وانقضى اي الى نهاية التاريخ. ويعترف فوكوياما انه خلال السنوات العشر 1989 ــ 1999 حدث على مسرح الاحداث اشياء جديدة لها معان وابعاد, منها بل آخرها حرب كوسوفا التي اعلنها ونفذها حلف شمال الاطلسي خلال سبعين يوما هذا العام ويقظة القوميات النائمة على تخوم اوروبا, وكذلك هشاشة البنى الاقتصادية والمالية للعالم الحر بعد سقوط انظمة نقدية كثيرة آخرها في اليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا ــ الى جانب سقوط دكتاتورية سوهارتو.