عندما تتداعى الأحداث السياسية بشكل مأساوي يصبح على المتابع لتلك الأحداث أن يتوخى الحذر عند الحديث عنها, خاصة إذا كانت تلك الأحداث تتعلق بشخصية ــ كان لها وجودها سواء بالسلب أو الإيجاب ــ مثل شخصية الملك الحسن الثاني, التي كان لها ثقلها في مختلف الساحات المحلية (المغرب) والعربية والدولية, ولا شك أن هذا الثقل له إيجابياته كما كانت له جوانبه الأخرى, لذلك كان يجب على المرء أن يكون حذرا في تناول الجانبين, ومحاولة فك طلاسم الظلال التي عكستها بعض وسائل الإعلام, دون أن يتأثر بالمضيء في تلك الشخصية ومسيرتها التي هللت لها وسائل إعلام أخرى. التأني في تناول جوانب تلك الشخصية مطلوب, بشكل خاص إذا كان المرء يجهل إلى حد ما بعض تلك الجوانب, نظرا لعدم الاقتراب منها أو تمحيصها كالمتخصص فيها, لذلك يتطلب الحذر الانتظار لبعض الوقت حتى تتضح بعض الملامح, التي لا يمكن تبينها في لحظات الاهتمام غير العادي الذي تابعت به وسائل الإعلام حدث غياب هذه الشخصية عن مسرح الأحداث. حديثي هنا سوف يقتصر على الجانب الذي أراه يوميا منعكسا في وسائل الإعلام الاسبانية, التي كانت ولا تزال تعتبر المملكة المغربية في المقام الأول في علاقاتها السياسية والاقتصادية, خاصة في ظل حكومة الحزب الشعبي اليميني الذي يكاد يختصر علاقاته مع العالم العربي في علاقته بالمملكة المغربية, بل يكاد يكون اختصار العلاقات الاسبانية العربية في العلاقة الخاصة مع الملك الراحل, لذلك منذ اللحظات الأولى لرحيل الملك الحسن الثاني تابعت وسائل الإعلام الاسبانية الحدث, بل الملفت للنظر أن إعلان وفاته أذاعته وسائل الإعلام الاسبانية قبل أن يصدر بيان رسمي من القصر الملكي المغربي في الرباط, وإن كان هذا يثير دهشة البعض, فإن من يتابع تلك العلاقات على جميع الأصعدة وطوال سنوات لا تصيبه تلك الدهشة. كانت ولا تزال العلاقات ما بين اسبانيا والمملكة المغربية علاقات متميزة حتى في سنوات الاحتلال التي كانت فيها أجزاء من المغرب (الريف) خاضعة للاحتلال الاسباني, وفي لحظات تاريخية معينة وصلت فيها تلك العلاقات إلى حد التلاحم, فقد كان انتصار الجنرال فرانكو خلال الحرب الأهلية الذي أسقط الجمهورية الثانية في اسبانيا عام ,1936 يرجع في سبب من أسبابه إلى قتال الجنود المغاربة في صفوف الجنرال, الذي كان قبيل تمرده أحد أبرز الجنرالات في قيادة الجيش الاسباني في الريف المغربي المحتل, وربما بدأت منذ تلك اللحظة علاقة من الحب والكراهية ما بين الشعبين الاسباني والمغربي على المستويين الاجتماعي والسياسي. بينما كان الجنرال فرانكو يتخذ من الجنود المغاربة حرسا خاصا له, وكانت بعض قطاعات الشعب الاسباني تعتبر وجود هؤلاء الجنود كنوع من التشريف لدورهم في تلك الحرب, كانت هناك قطاعات أخرى من الشعب الاسباني تنظر إلى المغاربة باعتبارهم مسؤولين مع الجنرال فرانكو عما حدث من مآس طوال الحرب الأهلية, وأصبحت كلمة (مغربي) أو (مورو) بالاسبانية مرادفا لأسوأ المعاني في القاموس اللغوي. لكن الدور الذي لعبه الملك الحسن الثاني منذ توليه الحكم زاد من توثيق الصلات مع الجانب الاسباني, ولعب دورا مهما في أن يصعد بتلك العلاقات حتى المستوى الثاني بعد العلاقات المغربية الفرنسية, والملك الحسن الثاني عندما كان يفعل ذلك لم يكن يفعله بشكل عشوائي, بل كان يخطط لأن تكون تلك العلاقات على هذا المستوى, حتى تتمكن بلاده من تحقيق بعض تطلعاتها, خاصة بعد انضمام اسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي, وذلك للحصول على وضع متميز في علاقات المغرب مع أوروبا. وربما كانت سياسة الملك الحسن الثاني الأكثر حكمة في التعامل في هذا المجال, رغم حاجة بلاده إلى الدعم المادي الأوروبي من خلال الحصول على وضع متميز في العلاقات الاقتصادية, وبشكل خاص تصدير المنتجات الزراعية المغربية إلى الأسواق الأوروبية, فإنه وقف موقفا متصلبا في مفاوضات تجديد اتفاقيات الصيد, التي كان يحصل بموجبها الأسطول الاسباني على مميزات كبيرة لمواصلة عمله في المياه المغربية, التي كانت ولا تزال من أفضل مناطق الصيد بالنسبة لهذا الأسطول. بل استطاعت سياسة الملك الحسن الثاني أن تفرض على اسبانيا أن تتولى الدفاع عن مصالح المغرب على كافة الأصعدة الأوروبية حتى لا يتعرض أسطولها للمنع من الصيد في المياه الإقليمية المغربية, كانت سياسة المغرب: الصيد في المياه الإقليمية مقابل مساعدات مادية لتحديث أسطول الصيد المغربي, ومساعدات مالية لإقامة البنية التحتية, وفتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الزراعية المغربية. حصل المغرب طوال السنوات العشر الأخيرة على تلك المميزات, التي كانت كثيرا ما تتعارض مع بعض المصالح الاسبانية, لأن المنتجات الزراعية المغربية, خاصة الموالح والطماطم, تعتبر اكبر منافس للمنتجات الزراعية الاسبانية في الأسواق الأوروبية, ومع ذلك تحملت الحكومات الاسبانية النقد الشعبي المحلي, ولم تتراجع عن دعم المطالب المغربية في علاقات خاصة مع أوروبا, وربما يكون المغرب البلد الوحيد بعد دول أمريكا اللاتينية التي تعتبر اسبانيا متحدثها الرسمي في أوروبا, بل وصل الأمر إلى أن الحكومة الاسبانية تخلت عن موقفها حول الاستفتاء في الصحراء الغربية, وخفضت من حجم وجود (البوليساريو) في العاصمة مدريد, ولم يعد لتلك القضية سوى وجود محدود في الإعلام الاسباني, وبعيدا عن الواجهة الرسمية لسياسة الدولة. هذه المواقف كانت تضع الملك الحسن الثاني في موقف المفاوض القوي, وأي إشارة تصدر منه كان المحللون السياسيون في اسبانيا يجهدون في محاولة فهم مغزاها, حتى لا يفاجئهم الوقت وهم معلقون في الهواء, لذلك كان الإعلان عن رفض المغرب لتجديد اتفاقيات الصيد مع أوروبا, الذي تم مع بدايات هذا العام وقع الصاعقة على الحكومة الاسبانية, التي حاولت أن تفتح ملف الصيد أكثر من مرة مع المسؤولين المغاربة تحت أي شروط تراها الحكومة المغربية, بل وصل الأمر إلى أن يكون ملف الصيد أحد أهم الموضوعات التي كانت في الأحاديث التي جرت بين الملك خوان كارلوس وبين الملك المغربي الشاب (محمد السادس) خلال تشييع الملك الراحل, وطبقا لمصادر رسمية فان اسبانيا أعلنت أنها على استعداد لتقديم دعم لا محدود للملك الجديد مقابل أن يتم العودة إلى المفاوضات على اتفاقيات الصيد التي تنتهي في نوفمبر المقبل. الملك الحسن الثاني رحل عن الدنيا وبلاده في موقف المفاوض القوي في العلاقات مع أوروبا, هذا هو الجانب المضيء الذي عكسته وسائل الإعلام الاسبانية, والتي وصفته بأنه مفاوض صعب على الرغم من متانة علاقات الصداقة بين البلدين خلال حياته. أما الجانب الآخر في سياسات الملك الراحل فتعود إلى التوازنات في سياساته الداخلية, وشاءت الظروف ان توجد طبقة فقيرة في المغرب تبلغ نسبة البطالة فيها 20% ولم يعد أمامها أمل سوى التوجه إلى أوروبا عبر مضيق جبل طارق بحثا عن آفاق أوسع للحياة, وهو ما اعترف به وأشار إليه الملك الجديد في أول خطاب له. وقد أصبح على المواطن الاسباني أن يتعايش يوميا مع مشكلة (غرقى مضيق جبل طارق) من الشباب المغاربة الذين يحاولون عبور حاجز الماء في قوارب صيد هشة, ويتعرضون للموت بالعشرات, حيث تؤكد إحصائيات العام الماضي أن الغرق في مياه جبل طارق يتعدى الألف غريق, ومن ينجو منهم يتعرض لفقد الحرية في سجون اسبانيا. بل أن هذه المشكلة تحولت إلى ما يشبه الكابوس اليومي الذي يحاول الشعب الاسباني التخلص منه, بل أنه عندما حاولت السلطات الاسبانية القيام بحملة توعية إعلامية ضد مخاطر الهجرة غير الشرعية باستخدام قوارب الموت لعبور مياه مضيق جبل طارق, وجدت أن السلطات المغربية لا تعترف أصلا بوجود هذه المشكلة. الملك الحسن الثاني كان صديقا تقليديا لاسبانيا, وأعتقد أن الملك محمد السادس سيكون كذلك مع مرور الوقت, هذا على المستوى الرسمي, أما على المستوى الشعبي فان الأمر مختلف, وحتى يمكن للملك الجديد أن يكتسب مناقب الملك الراحل عليه أن يواصل ذكاء التفاوض, ولكن عليه أيضا أن يتعامل مع مشاكل الشعب المغربي التي تولدت عنها مشكلة غرقى مضيق جبل طارق بواقعية, وأن تنتهز الفرصة للاستفادة من حملة التوعية الإعلامية التي تخطط لها اسبانيا, ومحاولة الاستفادة منها بتطويرها لتكون مشاريع اقتصادية تعيد الأمل في إيجاد حياة كريمة في الوطن. كاتب مصري مقيم في اسبانيا