العالم العربي يواجه مشكلات لا حصر لها منذ بدايات هذا القرن, واشتدت حدتها في نهايته, ومع اقتراب الألفية الثالثة, وخلفت فيه تراجعاً مخيفاً, شمل انظمته المختلفة, الاقتصادية, والسياسية والتعليمية والادارية الى درجة انها اصبحت مزمنة ومستعصية شلت حركته واعاقت تطوره وازدهاره فيما هو يمتلك مقومات لا تتوافر لمجتمع من المجتمعات الاخرى, من حيث تنوع الموارد الاقتصادية, واهمية المواقع الاستراتيجية والكفاءات البشرية . ولكن غياب الاهداف والبرامج وغياب الحريات في كثير من بلدانه, حرمه من الاضطلاع بدوره المناط به كشريك فاعل في الساحة الدولية, كما ان الاختلافات العربية والصراعات لعبت هي الاخرى دورا في الحد من تقدمه وجعلته لا يملك مقومات البناء ولا مواجهة العواصف, وبات حل قضاياه يحتاج الى معجزة كبيرة تلهم القائمين على ادارة شؤونه القدرة على التصدي لها والحد منها حتى يستطيع هذا العالم الخروج من ازماته المختلفة, السياسية منها او الاقتصادية او الفكرية, ومواجهة التحديات الضخمة التي تعترض التحاقه بركب التقدم الحضاري الذي يشهده العالم, ومن تلك التحديات تحديات التعددية السياسية وحقوق الانسان والكيانات الاقتصادية التي باتت تمثل المداخل الرئيسية لعصر العولمة وهي الهاجس الاكبر في متغيرات ومستجدات مقبل عليها عالمنا العربي. وهناك رسم خرائط جديدة لكثير من بقاع العالم في ظل النظام الدولي الجديد ومنها عالمنا العربي, الذي سينال النصيب الاكبر في هذا التغيير, تلبية لنداء مرحلة العصرنة, التي باتت تشكل مطلباً اساسياً واستراتيجياً, في ظل هذا النظام الجديد, وقد اشار السفير مارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية الامريكية الى ملامح هذه الظاهرة المحتملة في الشرق الاوسط وذلك في مؤتمراته الصحفية الاخيرة. هذه التغييرات ستأخذ اشكالاً مختلفة بدءا من تطوير اساليب المشاركة الديمقراطية من خلال المجالس النيابية وافساح المجال امام حريات اعلامية, واشاعة مزيد من الاساليب الليبرالية, في الممارسة الاقتصادية, والمؤسساتية التي باتت سمة من سمات العصرنة وتعد مرحلة لا غنى عنها كمدخل نحو هذا العصر. ان الغرب لا يتحرك من منطلق الحرص على اشاعة مناخ الحريات وادخال الاصلاحات الاقتصادية انطلاقاً من حرصه على ايجاد نهضة عربية, ولكن من حرصه, على ضرورة ادخال بعض التحسينات التي تتطلبها صورة المرحلة الجديدة وتفرضها خدمة المصالح, والغرب وبخاصة الولايات المتحدة الامريكية يقوم باعادة تأهيل العالم, وصياغته بالشكل الذي يعطيه الاستمرارية في خدمة قضاياه, ولتحقيق تلك المتطلبات التغيرية, يحتاج الامر ادخال تعديلات على الانماط الراديكالية لبعض الانظمة الشمولية وغير الشمولية, وايجاد انماط جديدة اكثر عصرنة وشفافية واكثر قبولاً لدى محيطها وداخل بلدانها دون ان تعرض المصالح الغربية للخطر. ان ابقاء الاوضاع على ما هي عليه في المنطقة لا يرضي الغرب, فغياب الخطط والاستراتيجيات السياسية او الاقتصادية والتي تنسجم مع التطلعات الجديدة مدمر لفكرة النظام الدولي وعصر العولمة ويلحق اضراراً باقتصاديات الدول العربية, واقتصاديات العالم حيث تتشابك المصالح بين الطرفين فالبلاد العربية, تشكل سوقاً استهلاكياً للمنتجات والصناعات الغربية, ولن تستطيع هذه الاسواق القيام بهذا الدور ما لم يعاد تأهيلها وتطويرها وكذلك هي مصدر مهم لتصدير المواد الخام المختلفة اليه في ظل هذه المعادلة الشائكة, تتحدث المرجعيات الغربية عن عقد انفتاح وتحديث وعن نظام جديد, وعولمة وحل للأزمات والملفات المعلقة في مختلف دول العالم وعلى رأسها منطقة الشرق الاوسط. في ظل هذه التصورات لمستقبل كثير من بلدان العالم, ومنها البلاد العربية التي تعاني من مشكلات عدة سياسية واقتصادية واجتماعية, وغياب الرؤى الاستراتيجية لمواجهة هذه التغييرات, نشعر اننا امام انقلاب لكل المفاهيم, فالحضارة العربية التي قدمت للعالم الغربي الكثير من اسس فلسفاته العلمية التي انطلق منها الى العالمية وساهمت في انطلاقة هذه الحضارة, وتواصلت معها, وهي اليوم في احتكاك مع هذه الحضارة الجديدة التي اصبحت لها الغلبة, في المجال التكنولوجي والمعلوماتي والعلمي بل في مختلف المجالات. وسر هذا النجاح, مرده اشاعة مناخ الحريات الفكرية والسياسية والمشاركة الفعالة لمختلف الطبقات في تلك المجتمعات الغربية في الحياة العامة والاجتماعية. ولمواجهة متغيرات العولمة وتوابعها لا ضير من نفض الغبار الذي تراكم على واقعنا العربي عبر السنين الماضية, والمضي قدماً في التعامل مع هذه المتغيرات المتوقعة سياسية كانت ام اقتصادية او عبر نظام دولي جديد تحت مظلة العولمة, وبأقل الاضرار الممكنة الناتجة عنها وعن تداعياتها المرتقبة. ان العولمة هي حديث الساعة, ومدار اهتمام المختصين والباحثين, والشغل الشاغل لرصد المراكز البحثية, ووسائل الاعلام, وهي تمس وتتناول مختلف قضايا الشؤون العامة للمجتمعات البشرية بل اكثر من ذلك هي تهدف الى انسان جديد يحمل فكراً جديداً مستحدثاً منفتحاً على الآخر, وعلى قضايا العصر, مندمجاً ومتفائلاً معه, ولا يفترق عنه, الا من كان يغرد خارج السرب. اذن هي عاصفة هذا العصر او فلنقل هي تقليعته وموضته الجديدة, وهي حديث الناس العام فيهم والخاص, المستوعب لمفاهيمه او الجاهل بها, وهي طوفان العصر, ولكن ليس كالطوفان المشهور الذي ارخ لبداية العصر السومري, فالاختلاف يظهر في ان الثاني يمثل لظاهرة بيئية, كان من الطبيعي ان يهتم به الانسان في بلاد الرافدين ويقوم بتسجيلها كظاهرة بيئية, دونتها الآداب السومرية. بينما (العولمة) طوفان من نوع اخر, ترتبط بفكر الانسان وبنمط حياته, وبإصلاحه, بانفتاحه على العالم دون حدود, بتطور الفكر المؤسساتي, واعادة هيكلته, وبطرق الانظمة واستراتيجيتها والعولمة صياغة جديدة للفكر وطرقه ان جاز التعبير حيث يستطيع ان يستوعب كافة الطروحات المتجددة, ويشمل قضايا الحياة المتنوعة اقتصادية وسياسية وإعلامية ومعلوماتية وتكنولوجية, لغوية وبيئية ايضا, اساسها ومركزها تغيير جذري لطرق التعليم والتدريس, ولتحقيق فرصة الانتماء الى هذا العالم الجديد المتعولم ولكي تكون المنافسة فيه متوازنة بحدها الادنى. لابد من بعث جديد ومقاومة ايجابية, تبعد شبح الذوبان في هذا العالم المقبل من الشمال الى الجنوب كعادة الشمال المهيمن على كل شيء, اي لمجاراة هذا العصر والدخول فيه والاستفادة منه, لابد من اعداد خطط وبرامج تتلاءم مع متطلبات هذه المرحلة في حدها الادنى حتى لا تكون الخسارة باهظة, والفروق كبيرة, وتجعل الدولة والفرد والمؤسسة خارج هذه المنظومة المسماة بالعولمة, التي ستكون لها السيادة عما قريب. هذه العولمة تعني بشكل من أشكالها, بأنها مرحلة بدء الأعداد للإنسان منذ ولادته, وتهيئته علميا وعمليا. من المدرسة والمنزل وعبر وسائل الاعلام ومختلف الوسائل الاخرى في المجتمع على تعلم واكتساب هذا النمط كما خطط له راسموه ومريدوه من صناع النظام الدولي الجديد ان يكون, فهو نداء موجه للإنسان بان تكون لديه الجاهزية والشفافية لقبول متطلبات هذه العولمة باعتبارها الحق المكتسب لكل سكان المعمورة, بل هي صيحة او موضة العصر التي لا غنى عنها, وينبغي التكييف معها وملازمتها وتقبلها بمرها وحلوها, باعتبارها المخرج المرتقب لجميع الازمات المستعصية التي تعاني منها المجتمعات, ومنها المجتمع العربي والاجيال الشابة, بدءا من البطالة والازمة السكنية, وانتهاء بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة. على الانسان المتعولم, ازاحة الستار عن كل فكر مسبق يحمله, والاستعداد للدخول في بورصة العولمة, حيث يفرض عليه ان يكون حاضر البديهة صافي الذهن, وان ينسى كل ما اكتسبه من معرفة, او تعلمه من علم في مراحل حياته السابقة يتعارض وفكر عصر العولمة بل عليه تكييف معارفه وخبراته في تدعيم الفكرة الجديدة, فأول ما يفترض في عضوية المنتسبين الى نادي العولمة ان يكون المتقدم محايدا في ولائه وانتماءاته الفكرية والدينية والثقافية ولديه الجاهزية في تقبل كل ما هو غريب وجديد اي عليه قبول الاخر. العولمة اذن هي ليست مجالا اقتصاديا فحسب, بل قبل هذا وذاك معرفة وثقافة, وتعمق وفهم لاهم اللغات انتشارا وسعة, كذلك المعرفة بعلوم الحاسوب, والرقم البريدي العالمي الخاص. انها الطوفان فعلا الذي لا حدود له.. * كاتب من الامارات